فوضى المصطلح: قصة ال (ما بعد)

سامي عبد العال
2016 / 10 / 19

ليس أبرز من التعلُّق بالجديد دفعاً لوطأة المألوف أحياناً وكنوعٍ من التّميُز في أحايين سواها. لكنَ لأنَّ الجديد قد يُمثلّ المفاهيم المنقُولة إلينا، النصوص الكبرى لفلاسفة الغرب، فإنّه يضعنا تحت طائلة الاستفهام. حيث أمسينا نفكر داخل لغةٍ لم تُنحت مصطلحاتُّها المعاصرة بشكل عُضوي. وهي كلمات وليدة العصر المتفجر كمُناخٍ لا نُجانِب انغماراً في تياراته ولو بشظف الكيان. حتى إذا استقرت لا تجد واقعاً إلاَّ بين عبارات التداول الشائع. ليس من مرجعٍ ولا من سياقٍ يأخذها لأنْ ترسُو إلى شاطئ بعينه. هكذا كان شتات المصطلح عارماً في الثقافة العربية الراهنة. فصيّغَه تُردَّد على الألسُن بينما لا يقابلها حقلٌّ دلالي واضح، هل ستكون رسائل لغوية دون عنوانٍ؟!
بهذا الصدد، تُستعْمّل المصطلحات ثقافياً كطَّنْطَنَةٍ فكريةٍ وكقُماش مزركش إزاء المُعتاد. تكشف العربية ما وراء الجذر المعجمي للطَّنْطَنَة كظاهرة صوتية. تأتي بمدلول صوت الطُنْبور، ضرب العود ذي الأوتار وتستعمل إزاء الذُّباب وغيره. ويمتد الإطار الدلالي للكلمة مع أكثر من سياقٍ. يُقال: طَنْطَنَ طَنْطَنةً ودّنْدنَ دَنْدَنةً بمعنى واحدٍ، ورجلٌّ ذو طَنْطانٍ؛ أي ذو صخبٍ. الطَّنْطَنَةُ أيضاً الكلام الخفي(1). إنّها هَدرٌ سريٌ لمعانٍ لا تذهب أبعد من النطق.
ينسحب ذلك على المقطع "ما بعد" the post كحالة خاصةٍ. أصبحَ لازمة لغويةً، زائدةً(دودية) مع الآراء والدراسات دون أصالةٍ مفهوميةٍconceptual . تواترَ كثيراً: ما بعد الشمولية السياسية، ما بعد الربيع العربي، ما بعد الاسلاموية، ما بعد نظام مبارك، ما بعد نظام الأسد. وبتنوع التخصصات المعرفية انتشر كالنيران في الهشيم. رُبَّ طَّنْطَنَة - بهذه الشاكلة- هي رطانة الفكر التي تخفي قضايا أعمق.
إنها تُظْهِر بعضَّ الغسق حيث نمُر مروراً بكائياً على ما تهدّم؛ أي ظاهرة الأطلال بالنحت العربي القديم. تلك الكلمة المُشبّعة بأطياف نفسيةٍ ووجوديةٍ. الأطلال تسري في مجتمعاتنا العربية حُباً وشعراً وميراثاً ضائعاً وسلفاً صالحاً وعصراً ذهبياً وحياة مفقودةً.
الطَّلَل ما تبقى شاخصاً من آثار الديار(2) ، محلّاً لِطّيْفٍ نفسي يرسم خيالنا رغبةً في العودة والحنين. وهو موطن عاطفي لزرف الدموع على ما مضى. أمّا الجانب الانساني منه فيُعدُّ جزءاً من وجودنا الحميم إذ نعيش على امتداده داخلنا. كأنّنا نسترجع مستحيلاً: "ليت الزمان يعودُ يوماً". على ذات المنوال نلْعقّ حاضراً مأسُوفاً عليه" ليت الشباب يعودُ يوماً". ودون المنوال تغني أم كلثوم"...وعاوزنا نرجع زي زمان قول للزمان ارجع يا زمان"!!.
تجاهلنا ذلك وقفزنا نحو الأمام مع غيرنا الفلسفي، وهُم ليسوا نحن بحالٍ من الأـحوال، حيث نشأ الـ" ما بعد" تأصيلياً في الفكر الغربي. هناك "ما بعد التاريخ"post history عقب نهايته عند فرنسيس فوكُوياما، وتوجد "ما بعد الحداثة" post modernism عند جان بودريار وفرانسو ليوتار وريتشارد رورتي. هناك "ما بعد الدين" post religion مع فيورباخ وماركس، وهناك "ما بعد الواقع المادي" post material reality عبر العالم الافتراضي. وهناك "ما بعد الفعل" post action حيث العقل التواصلي في فلسفة هابرماس، و"ما بعد عنف الهُوية" post violence of identityفي تحليل أمارتيا صن و"ما بعد الكولونيالية" post colonialism لدى إدوارد سعيد والهندي هُومي بابا وأعلام النقد الثقافي المعاصر.
هل هذه التقاسيم- بلغة الموسيقى-على الـ" ما بعد" تصحُ في مجالنا العربي؟! ولاسيما أننا مازلنا نعزف عزفاً منفرداً، سواء أكنّا أفراداً أم طوائف أم جماعات. بتلك الزاوية نحن نمثل فعلاً نشازاً في تاريخ الإنسانية الراهن رغم تراثنا الروحي الفريد. لم نُصِغ اختلافنا سلْميّاً عبر "لحنٍ عامٍ" هو دولة مدنية أو هو نظام سياسي متعدد الرؤى والممارسة أو غيرهما كإنتاج لمعارف متطورة. المشكلات لدينا لا نعثر لها على حلٍ إنما الحلول نصنّع لها مشكلات. ندخل إلى التاريخ من نهايته مع أنَّ أبوابه ومقدماته معروفة. الـ "ما بعد" العربي هو بتر التواصل مع الواقع وتناقضه. لهذا كثيراً ما يورطنا الخطابُ اليومي في اشتباكه الحواري، حين نرفص انصاتاً رحباً لنصفَع محدثنا بكلمات: "هاتْ من الأخر"!!.
إذا لم أكن متفائلاً، ربما لا يتوقف الـ" ما بعد" في الكتابات العربية عن التناسل إلى قيام الساعة. فيقال ما بعد القيامة، ما بعد الجنة والنار، دون حد فاصلٍ يريحنا من جينات ما بعد الموت. أهي انفلونزا المصطلحات العولمية، كلما شاع إحداها نال ترديداً عربياً كأنّه لم يُطْلق إلا لنا؟ هل العقل عندما لا يجدُ فعلاً حقيقياً يترّحل باستعارة خطاب مغاير؟!
من جهةٍ أخرى، لم يعش الفكر العربي الـ "ما قبل" كي يردد الـ "ما بعد" بنبرته الغربية المُتداولة. ولم يخُض تجارب المجتمعات الحديثة من تطور سياسي واجتماعي واقتصادي. وهو ليس كذلك حتى يعتبرها مصْلّاً شافياً لتجاوز أزماته العصرية، تلك الناتجة عن واقع راهنٍ ليس له فيه إلا الانفعال عن بُعدٍ. وهو أيضاً لم ينْبُت حُراً خلال حقائق حية حتى ينزلق إلى ما بعدها. هكذا بضربة خاطفةٍ نعالج واقعنا: لئن كان ثمة إرهاب ديني من الجماعات الإسلامية يُقال ما بعد الحركات الدينية. ومتى وجد استبداد سياسي واجتماعي تلُوك الألسن: كيف سيأتي ما بعد الديكتاتورية. وعندما تدهسنا الدولة القومية بإطاراتها البلهاء نلهث وراء ما بعد القومي، ما بعد الطائفي.
أعني وُجدّت دولة تزعم كونها قومية بينما تمثل تابوتاً لكلِّ من يختلف ومن يغاير. وأعني كان للدولة العربية مُناخٌ ديني لكنه حجب التاريخ الإنساني ومنه تاريخها الخاص، أوقعها في حبائل تأتي من الزمن القادم والماضي. وأعني كانت للدولة قوانين ودساتير بيد أنَّها عطلت فاعلية أي قانون وأي دستور. فكيف سيكون تعبير الـ" ما بعد" منطقياً؟ هل سنبدأ من جديد أم كانت تلك" الدول المرِّحة" صحيحةً، فنطرح ماذا بعد كأننا من هواة التزلق على الجليد؟
اللسان العربي المعاصر يُكْثر الـ" ما بعد" على غرار المأثورات الدينية. أخشى كون انتشار الـ "ما بعد" انزلاقاً لتجاوز الأطلال من غير معرفتها بدقةٍ. ثقافتنا العربية بكائيات مختبئة في اشكال اصطلاحية وسياسية ومعرفية. ذلك لتعميم نبرة المصالحة والندم والاستغفار الدنيوي. فحينما لا نستطيع إعادة الماضي نهرب إلى المستقبل هروباً أخروياً، بنفس شعائر الحنين الماضوي إلى ما فات.
الظاهرة الجديرة بالاعتبار: كيف يفكر عقلٌ كهذا في ذاته اصطلاحياً، في قوانينه، في آلياته؟ إنْ لم يكن ثمة تاريخ معين لملابساته وظروفه سيكون التفكير إمّا بكاءً على إطلالٍ هي مقابر لذواتنا، وإمّا ممارسة للعادة الرثائية لغة وثقافة في مستقبلٍ خُرافي التحقق. في الحالين ستكون الـ" ما بعد" مقطعاً لإعادة ريمة إلى عادتها القديمة. فدونما أنْ نترجم ثقافتنا بإبداعات جديدةٍ مع كلِّ ترجمة للنصوص الوافدة لن نفهم أيَّ مصطلح!!. ما لم نفكر بأصالة فلسفية سيكون الوافد لا محل له من الإعراب.
اختصاراً، المصطلحات هي سياق وتاريخ وتحول، كما أنها لا تُطلق عبر تراث الغرب الفلسفي اعتباطاً. فقد نشأت من رحم القضايا الفعلية. يؤكد عالِم اللغة إميل بنفينست إنَّ معنى أية صيغة لغوية يتحدد بمجموع استعمالاتها وبأنماط الارتباطات مع الصيغ الأخرى(3). فالحداثة كانت لها قضاياها السياسية والفكرية التي أفرزها التاريخ قبل إطلاق ما بعد الحداثة. لقد كان ثمة عصر للتنوير أحيى الآداب الكلاسيكية، وأخذ ينشر – كما يذهب ارنست كاسيرر- قيماً فلسفية مرتبطة بالإنسان والمجتمع والحقيقة، وتميز بالتجاور الدلالي لتعبيرات أخلاقية وسياسية وفلسفية للفكر. إن هذه العلاقة وذلك التجاور سمتان مميزتان لثقافة الرينيسانسRenaissance وموقفها العقلي الكلي(4).
ذلك بعد أنْ قاست أوروبا ويلات الصراعات الدينية والمذهبية. لم يكن التسامح tolerance - مثلاً- وليد اصطلاح خارج سياقه. ولم يكن موضوعاً هلامياً يُقارب أبعادّه دون الوقائع. إنَّه ضرورة حياتية لا ترف لغوي(طَّنْطَنَة). ضمن هذا حلَّل جون لوك وفولتير معانيه واستعمالاته تمشياً مع الظرف التاريخي للثقافة الأوروبية. ما جري على التسامح جري على فكرة القانون والأخلاق العامة التي صاحبت ما هو حديث.
الأمر عينه مع الدولة– الأمة. فإلى أنْ تبلورت فكرتُها سياسياً طرحت الفلسفات الأوروبية آفاقها وأُطرها على نحوٍ تأسيسي نقدي. ليس ممكنا التّقول-أيا كان القول- باسم الدولة بينما الواقع تغالبه قبيلةٌ أو طائفةٌ أو جماعةٌ أو نِحْلّة. جاء المجالُ العام للمفاهيم السياسية مضماراً لاختبار الآراء والأفعال وأنظمة الحكم. كان بمثابة المجال الواضح لكونه عصياً على الاحتواء والتملُّك. إنَّه أوروبياً ضربٌ من التقنين الحقوقي الذي يخضع لمشاركة الكل الجمعي دون تفرقةٍ.
من ثم نشأت تصورات السيادة والسلطة والاختلاف والتنوع، فكانت الليبرالية تكملّة جينية genetic supplement لجسد التطور السياسي. وما كان للمجتمع الأوروبي أن يقبلها خلافاً لما يتأقلم معه. بالتالي سيصبح الأخيرُ، أي المجتمع، قابلاً للنمو مع مستقبله المنظور. الدولة حداثياً على خط متصل مع تمثُلات الذات والآخر والارادة بالسلب والإيجاب معاً. كل عسف متجسد في وضع سياسي ينفذ إلى الكيان الاجتماعي العام من هذه الناحية، وكل تطور سيصب في نفس الاتجاه. وعليه سيكون معروفاً إين يكمن الخلل. إنَّه في مؤسسة السلطة التي قد يحتكرها الحكام، لذلك قامت الحداثة على عزل السلطة عن متناول الأفراد وعن تمثلاتِّهم الأكثر انفلاتاً.
عندئذ حينما نسمع مصطلح " مابعد الحداثة" ندرك مبرراته وكيف يُفهم. سنعرف أنّه قائم على مهام تحويلية transformational معينة. وأيُّ اسهامٍ فلسفي يُنّظْر له لا يقف في فراغٍ بل يستند إلى تراث فلسفي وإنساني. وبالرغم من الانتاج المعرفي الذي يفسح دلالَّته في الفلسفة والأدب وفنون العمارة والسينما والأزياء والاقتصاد إلاّ أنَّه نال نقداً مستمراً إلى الآن. لقد قيل إنَّ "ما بعد الحداثة" مصطلح خادع وإنَّ تكراره المفرط وهم كما أشار كرستوفر نوريس أثناء مناقشته لآراء بودريار ورورتي(5). وأكد هابرماس عدم اعترافه به معتبراً إياه لوناً من العدمية الفكرية أساءت فهم آراء نيتشه وهيدجر، وأنَّ الأخيرين كان لهما دورٌ بارزٌ في تقويض مفاهيم العقل والميتافيزيقا(6). وأعلن هابرماس صراحةً أنَّ الحداثة مشروع في أطوار التشكُّل الغربي حتى اللحظة، فهي لم تكتمل بعد.
لنقْطع أنَّ الـ" مابعد" ليس انتقالاً كما قد يتبادر إلى الأذهان. ليس انتقالاً من... إلى. كما لو كانت ثمة قطيعة معرفية بين عصرين، بين مرحلتين(7). إنَّ استعمال الـ "مابعد" قد يشي بهذا الحذف البيني. وهو لا يُعتبر كذلك ولن يكون. لأنَّه دوماً عبارة عن استنفاد لإمكانيات المرحلة السابقة بلا نهاية، استنفاد يعرفنا نقاط القوة وأوجه التحول تجاه المستقبل. في تاريخ الفكر الغربي ما برح التقدم تصاعدياً، شبكياً، افتراضياً. رغم مواقف الرفض لهذه الفلسفة أو غيرها التي تزعم هيمنة المثال أو الغاية.
تبعاً لعقلانيته النقدية critical rationality رأى كارل بوبر إزاء الموروث السياسي للغرب أنَّ الشمولية مبنية على مفاهيم الخطية والنزوع الكلي خارج التاريخ بدءاً من أفلاطون حتى هيجل مروراً بلاهوت السلطة في العصر الوسيط. ومع ذلك طرح اسهامّه كمحاولة لمعرفة: "تحول المجتمع الغربي بكل قواه السحريةmagical forces إلى مجتمع مفتوح open society يحرر القُوى النقدية للإنسان. فصدمة هذا التحول أحد العوامل التي تكشف الحركات الرجعية reactionary التي تهدد الحضارة والعودة إلى النزعة القبلّيّةtribalism . إنَّ ما نسميه نزعة شمولية تنتمي إلى تقاليد اجتماعية وسياسية معينة، وأنّها بقدر ما هي قديمة تعتبر حديثة كحال الحضارة أيضاً"(8).
أوضح بوبر معنى لطيفاً: أنَّ السياسية مضمار ممتد ليست أزياؤه القشيبة بأكثر نقاءً من أسماله البالية. وأننا لن نفهم هذه بدون تلك مهما بلغ اتساع الهوة بينهما، فعلى أساس المقارنة ستبدو أوجُه التشابه والاختلاف واضحةً.
الثقافة العربية تتماشى مع "عودٌ على بدءٍ" وليس الـ" ما بعد"، لأن كلَّ" ما بعد" يتمترس عبر ذاكرتنا في كل" ما قبل". هذا التعبير الأمني العنيف والخشن. الأمر أعمق وعياً مما نتصور وأقرب تجلياً مما نتوقّع. ما لم نُراجع صور مقام الألوهية داخلنا لن نستطيع تفسيراً للمسألة ولا تحولاً لها. وهو مقام تسرب في جميع تفاصيل الحياة لدي الإنسان العربي، من خيمته إلى امرأته، إلى كلامه حتى سلطانه ورموزه. يضع العربي نفسه سيداً للكون وإنْ كان جاهلاً، الحاكم بأمره، الوصي على العرش الإلهي في الأرض. يحتكر اتصاله بالله طفلاً وصبياً وكهلاً ونعيماً مُقيماً قبل الانتقال إلى جواره. هذه البصمة الوراثية لكونه خليفة بموجب الجعل الأول مع بدء وجود الإنسان. وقد أجَجَ رجال الفقه وناصحو الملوك والسلاطين هذا النزوع، معتبرين أنفسهم الوسطاء وعاقدي المهمة التاريخية بين الخالق وخلفائه.
مع العلم أنَّ الجعل جاء بإنسان القرآن في اهاب المجهول. صيغة الغائب الذي لم يحضر حواراً بين الملائكة والله. لكنه أمسى مجعُولاً أرضياً وبالتالي يصح لكل الناس. فظن العربي دون سواه كونَّه الجاعل الأول بواسطة أنماط حياته المختلفة. وإذا لم نقُم بتأويل جمعي لهذه الواقعة البدئية والنصية لن تُمْحى من ذاكرة الثقافة العربية. ذلك كي نفك التفاف التفكير وتفرِيد طياتّه التي تشبه طباقَ الزمن المتراكم.
المصادفة معبرة أكثر من الرأي الحاسم، كانت إشارةُ يوسف إدريس دالةً بعنوان إحدى رواياته" جمهورية فرحات". هذا الكائن البشري الهش الذي سكنته السلطة لمجرد كونِّه أحد أفرادها. إنَّه فرد يعمل احتياطياً في البوليس، غير أنَّ إدريساً يصف تجليات هذه السُكْنَى داخله: " تحس أنَّه لا ينظر إلى الناس بقدر ما ينقُر ويلسّع"..." وحمل صوته ما لا يطيق وهو يشخطّ ويهدر بكلماتٍ غير مفهومة كأصوات الرصاص..."(9).
ثم ينتقل الخيالُ الروائي إلى الجذر التاريخي" وضحتْ أمام عيني ملامحه التي كان يلفها ضباب الرهبة والسلطة، ورأيتها ... بأنفه الكبير كأنف رمسيس وجبهته الحادة العالية كجبهة منقرع، وشيخوخته التي تنم عن تاريخ حافل في خدمة البوليس إذ لابد قضى أجيالاً حتى يصل إلى رُتبة الصُول"(10).
إنْ كان هذ حال كائن احتياطي للسلطة، فكيف بحاكم أو خليفة للمسلمين؟ إنّه ظلّ الله في أرضه يسوس الناس بسلطانه كما قال أبو جعفر المنصور(الخليفة العباسي) يوم الوقوف بعرفات. يوم القيامة النُسكية، يوم الحشر من كل عام أثناء تأدية مناسك الحج. ولا يفوتنا أحد التفسيرات وراء إطلاق اسم عرفات على هذا الجبل المقدس. قِيل هو مكان تعارف فيه" آدم وحواء" حينما نزلا إلى الأرض.
إذن الزمان العربي دائري عكس مسار التاريخ. مسألة البدء بالجعل الإلهي انصرفت إلى أشكال حدية ملتوية. لم يكن التدرُّج قانونَها إنما الإطلاق الوجودي والثقافي سياسةً ومعرفةً وممارسةً اجتماعية... فهل هناك "ما بعد"؟!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- ابن منظور، لسان العرب، الجزء الثاني، تحقيق نخبة من الأساتذة، دار المعارف القاهرة، د.ت. ص2710.
2- المرجع السابق، الجزء الثاني، ص2697
3 -يوضح بنفينست: "أنه في حالة وجود مورفيمات(وحدات كتابية) متطابقة identical morphemes مع وجود معان مختلفة، لابد أن يسأل الإنسان نفسه ما إذا كان ثمة استعمال يدور حوله أيُ معنيين أم لا. ولن تُعْطى الإجابةُ مقدماً أبداً. تُطرَح الإجابةُ بعد دراسة دقيقة لكل السياقات التي قد تظهر فيها الصيغة اللغوية. ولا يحق لنا افتراض أية إجابة سلباً أو ايجاباً على أساس الاحتمال فقط".
Emile Benveniste, Problems in General Linguistics, University of Miami Press, 1971. P 249.
4- Ernst Cassirer, The Individual and the Cosmos in Renaissance philosophy, Translated with an Introduction by Mario Domandi, Dover Publication, Inc., Mineola, New York, 2001.
P 74.
5- كريستوفر نوريس، نظريات لا نقدية: ما بعد الحداثة، المثقفون، وحرب الخليج، ترجمة عابد اسماعيل، دار الكنوز الأدبية، بيروت لبنان، الطبعة الأولى 1999. ص ص 71- 95.
6- Jurgen Habermas, The Philosophical discourse of Modernity: Twelve Lectures, Translated by Frederik Lawrence, Polity Press, 1998. P86.
7- مصطلح القطيعة المعرفية epistemological break ناقشه بتلك الخلفية كريستوفر نوريس عند باشلار وفوكو وأهم التحولات التي شهدها ضمن ما بعد الحداثة. Christopher Norris, Deconstruction, Postmodernism and Philosophy of Science: Some Epistemo- Critical Bearings, Cultural Values, Volume 2, Number 1 1998.PP 30-35
8- Karl R. Popper, The Open Society and Its Enemies(Volumes 1and 2), New York, Fifth edition 1966. P11.
9- يوسف إدريس، جمهورية فرحات، الأعمال الكاملة(الروايات) الجزء الأول، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الأولى 1987. ص820.
10- المرجع السابق، ص821.