الأنثى بطعم آخر

إبراهيم الوراق
2016 / 10 / 19

الأنثى،
قالوا: كيف ترى الأنثى.؟ غريب أن يسألني سائل مثل هذا السؤال.؟ هل شعر بالمفاصلة.؟ أم أحس بالمفاضلة.؟ لا أدري، شيء يرد على العقل الواثق، فيحيط به الشك كما يحيط بالقلب، فلا يدري، هل الأنثى بعيدة، فيحتاج إلى استلطافها، لعلها تسجيب له؟ أم الأنثى قريبة منه، ولكنه من شدة الخوف من المعرة، قال بالتفضيل في محل لا يستلزم التقسيم، بل يستوجب تمام الكل بجميع أجزائه. فمن الأولى في الاعتبار.؟
قبل الخوض في هذا، هل كانت الأنثى قضية حتى تشرح، وتفسر.؟ لو اعتبرناها قضية، فإن شروط رفع الدعوى، لم تكن وافية بإقامة التهمة عليها، لأن اعتبارها قضية، يجعلها مدبَّرة، لا مدبِّرة. وهنا نختلف، لأن التدبير الذي نعول عليه في الأصل، هو مفهوم لمعنى الزوجية (كحد مشروط في التكليف) التي تقتضي القوامة.(كحد لازم في كمال الأخلاق) وذلك مما لا ينفي لها شرفا، لأنها جوهرة مصونة، وياقوتة مكنونة، فلا يعيب الذكر إذا كد، وبد، ما دام يصون الشرف، والعفة. لأن الشرف، هو الأصل المتوارث، وكل استهانة به، لا تعني إلا انعدام خيطه في الأصل، والفرع. والعفة قيمة، لأنها تنفي الاشتراك، وتسوغ الوحدة، وإن كان للتعدد عندنا بئر عميق، يرشح من غوره سواد المكان، فيرى الأنثى إنتاجا معنويا لنتيجة مادية. فالوحدة القائمة في الآمال، هي التي يجعل الذكر آخذا على عاتقه عبء عناء تلك الأنثى التي يريدها كمالا في كل أطواره، وأحواله. ولولا ذلك، لما سوغنا كثيرا من المفاهيم التي حصل الاستعباد ببعضها، والاستكبار ببعضها، وقليل منها، هو الذي نتعلم منه سر الذكر، والأنثى. وعلى هذا، فالقول بكونها قضية، يتنافى مع حقيقة الوحدة التي جعلت رفع الدعوى هنا قائما على أصول هشة.
لم يكن التعبير دقيقا حين قال بالمفاصلة، لأنه في غالب الأحوال، إما أن يعتبر الأنثى ضرورة تُلحق بصفاته، وإما أن يعتبرها ضرورة تلحق بذاته. وكلاهما لم يتحقق من المعنى المقصود في أصل الحقيقة، وإن كان الثاني أقرب إلى الاعتبار العقلي، لكونه جعلها جزءا من الذات، ولو اعتقد استغناءه عنه، لما له من حكم مبرم على القضية. وإذا كان التعبير هنا غير دقيق، لأنه يخالها جسدا منفصلا عنه، فإن أقربهما إلى الصواب، ذلك الذي جعلها جسدا لتمام الزوجية. وهذا لا يتأتى منه التعدد. على عكس الأول، فالتعبير عنده بالمفاضلة يحتمل معنيين: الأول، اعتبار الأفضلية له، وذا ما يزال يعتبرها جزءا، وإن ارتقت مرتبته في تركيب المعرفة. والثاني، اعتبار الأفضلية لتلك العلاقة التي تجمعهما في بؤرة الوجود السببي. فهما روحان على هذا القول. ومن ولج عالم الروح الأسمى، ارتقى به عمن يقيس القضية بمعيار القرب والبعد في الزمان، والمكان. لكن دخوله إلى عالم الروح، لم يقل فيه بالوحدة، بل قال بالتعدد في الزوجية. وذلك هو مكمن خطئه، لأن الروح لا تتجزأ في النص الأزلي. ومن لبِسك ولبسته، فهو أنت، وأنت هو. ولا حديث هنا عن المفاضلة، لأن ذا يحمل ذاك، وذاك يحمل صفات ذا، بل لا وجود هنا للإشارة الذي تدل على الأبعاد. وعلى هذا، يكون التعبير: الضمير لا يحتمل إلا هي. وإذا وصلنا إلى عالم المعنى في الأنثى، زال عنا الالتباس في كثير من الموارد التي تشبب فيها الصوفية بدعد، ورباب، وهم يشيرون إلى إيوان الحضرة، لأن الإنسان لا يستقيم وزنه في العمق إلا إذا احتوى على ميزان المعنيين. وهنا يكون المعنى واحدا في ظهور الشيء بأعيان شتى. وإذا أردنا أن نعرف معنى الوحدة، فلن نفهمها إلا بهذه الطريقة.
ولذا، لا يُستوعر هذا المعنى إلا عند من لا يعرف سمو الدلالة على المعنى المراد في القصدية، لا في الألفاظ، إذ هي محتملة للمنطوق، والمفهوم. لكن القصدية تنفي التعدد في المعنى، وإن اقتضى السياق في البناء القول به. لأن الاشتراك في مرتبته، يعني عدم وضوح المعنى لذلك اللفظ في خاصته. وذلك على خلاف التعدد، فهو يظهر الأفراد، لا المعاني. ومن هنا، فإن الوحدة كما نكتشفها من خلال هذا الالتقاء الأزلي بينهما، فإننا نكتشفها في الأنثى خاصة، لأنها، ولو رغبت في روحها، أي في زوجها، فهي ترى كمالها في ذاتها، لاسيما إذا عز هذا الالتقاء، ولم يتم في فصل من فصول العمر الأغر. فهي إذن ميالة إلى الوحدة على جهة الاستغناء، بخلاف الرجل، فإنه وإن مال إليها، فذلك يعني مخالفته للضرورة القائمة في ذهن تاريخه، واعتبار فعله تبتلا، ورهبنة، وزهدا. وهذا مما لا يفي بحق الأنثى، وإن خال ذلك الاكتفاء طريقا لكشف الحقيقة. لأن الخوف من الأنثى، هو البعبع الذي صنعه الإنسان لأخيه الإنسان، حتى يشك في كوامن ذاته، وإذا حدث الشك في أعماق الذات، كان كل حرب ترد عليها قابلة للانتصار. فالبعبع، قد تحول مع اشتداد قيظ الظهائر على رؤوس فارغة إلى غول، وهناك صار بالإمكان أن يقول عنه شيطان. وإذا اعتبرنا الأنثى شيطانا، فكيف يمكن لنا أن نقرن الزوجية بمن نستعيذ منه. فأنا لم أر بؤسا وصل إليه الإنسان أشد مما نزل فيه حين قال بذا، أو صدقه، أو مات كمدا بسببه. فيا هذا، لو كانت الأنثى عندك مظهرا للملاك، لآمنت بأن عالم الأنثى طاهر، لا يمشى على بساطه إلا بوضوء، وصلاة. ولذا، فإن تحول الصورة من الملاك إلى الشيطان، هو الذي أغرى الذكر حتى يرى الأنثى شرا مستطيرا، لا تظهر إلا وانهزم أمام شطح شيطانه، ثم التمس طريق الحديقة، لكي يأكل من التفاحة لذتها، لا سرها. فلو قدست الأنثى، لتقدس الرجل، إذ لا نجد عظيما إلا ومن ورائه أم، أو جدة، أو زوجة. وتلك هي أقدراها أبناء آدم، فنحن عجائن أمهاتنا، وأخواتنا، وزوجاتنا. ومن نال منهن اللطف الجميل، كان بذلك أقدر على الفخار. فلا أقذر من إنسان لم يجد لحبله مهدا آمنا، ولا أردأ من إنسان لم تجد لحضنه سلاما. وهكذا، فالأنثى لو قيست بمقياس الأمهات، والجدات، لكان هذا الغرير الطرير مدركا أن إفساد الورد المرخى على ستائر الوجود، لن يجعل للعين حدة في إبصار الجمال المتدلي من الكمال. لكن قياسها على معنى فتنتها المجبولة عليها، لم يدع لكثير أملا في أن يروا الأنثى روحا، لا جسدا يغضب من تصعق عقله لسعات الشيطان.
وإذا أمعنا النظر، فإننا نرى الأنثى تفوق الذكر على هذا المعنى، لكونها يمكن لها الاستغناء بلا سبب معلول. فالأنثى يظهر منها معنى الوحدة التي تجعل الفرد كاملا بالاستغناء، وعدم الاحتياج. وكل شيء يدل على هذا المعنى، فهو فيض الله في المبنى. فإذا قلت بتمام الأنثى، وكمالها، فإني لم أنكر بذلك إلا ما صوروه لها من نقص ذاتها، وهي من شدة صدقها لما وصفت به من غلط المفاهيم، تصر على محاربتي حين أقول لها صادقا: أنت دليل على الفردانية. فتقول: لقد جئت بشيء غير مألوف. فيا سيدتي، لم أقل قولا مريبا. فأنا حين استظهرت فيك معنى الوحدة، فإني قد نظرت إليك روحا لا تقبل الانفصال، ولا التعدد. وإذا كنت لا تشمين روحك على الزهور، ولا ترينها في بياض الثلح، ولا تشاهدينها على المرآة عند شروق الشمس، فكيف أطيق أن أفسر لك مرادي في قولي.؟ لم تفهم كلامي، وربما كفرت به، وقالت: أنت دهليز فلسفة غائرة. أجل، الناس يكرهون من لا يفهمونه، لأنهم يقتنصون ما تتمدد إليه أيديهم، أو أعينهم. لكن لو تريضوا على الإبصار، وتمرنوا على القنص بعيدا، لأدركوا أن الأنثى سر الله في خلقه.
صعب أن يفهم كلامي من رأى المعنى في صورة تبدو براقة، لماعة، لا تقصد بسيرها إلا الزينة، أو الفتنة. لا، وألف لا، قد أعذر تلك الأنثى التي آمنت بما قيل عنها من عوارض النقص، فاختارت أن تكون جزءا، لا كلا. لأنها لم تنج من مكر الماكرين، ومن كيد الكائدين، فاستحْلت أن يقودها غيرها، لا أن توجه كيانها في دورها بذاتها. وهذا مشروع كل أولئك الذين يريدون المتاجرة بها، وسواء رضيت، أو كرهت، وسواء أدركت أنها تباع رخيصة، أو أيقنت بأن ما تفعله وقاية من سغب الأماكن المبللة بالطهرانية. لكنني لا أعذر أنثى، قالت بالحرية البشرية، وهي لم تعدُ أولى تلك المراتب التي تحاجج عنها بالأدلة الباهرة. فهذه لا تليق بأن تكون صوت الأنثى، لأنها إما أنها تريدها مازجة بين معنى القرب، والبعد، وفي الوقت نفسه، تريد منها أن تكون صوت النشاز، لكي تستغل عنفها في قيام الصراع بين أجزاء الكل، بل هي الراغبة فيه، والمحاربة لهذا الرباط الذي لا يضل فيه العاثر عن خيط البداية، والنهاية، وإن نطق بلسان غبنها غيرها. وإما أنها تريدها حرية مبتذلة، تهان فيها الأنثى بما يهان به الذكر. إذ كل ما يحقق الإهانة، يستوي فيه الذكر، والأنثى. فلا شيء يخص ذا، أو ذاك. فالحرية التي ننطق بها في جدالنا، لا نستوعب معناها إلا في حدود إدراكنا. ولا عذر لمن لم يطق أن يعدد عيون الإدراك، ولكنه أصر على رواج رؤية عينه، واعتبرها الأساس الذي تبنى عليه مجهولات الإنسان. فالحرية، هي أن تبقى الأنثى دالة على الوحدة الروحية، نقرأ في كيانها معاني السمو العلوي، ونستنطق من عالمها كل أصوات الكون البشري.