الصراع بلون آخر

إبراهيم الوراق
2016 / 10 / 18

الصراع،
... لِمَ لمْ يترك لنا الصراع راحة.؟
غريب أمر هذا الذي صنع الصراع، وقعد له قواعد البناء، وأتقن له أدوات بقائه. قد تخوض هنا خوضا عسيرا يا أخي، وربما يغريك جلباب التيه ببريقه، فترى الكون محصورا في عينك، لا ممتدا في قلبك، فأنا لا أريدك أن تتوحل بهذا الوحل الذي لم يتجاوزه قليل ممن سلم بالنتيجة، وكثير ممن أصر على لغة العناد، وقال بالنفي، ولم يقل بالإثبات. ويا ليته قبل الإنكار، حتى يكون عمل عقله بحثا مقبولا. فحسبي أن أنزه الله عن كل شيء لا يليق بجماله وكماله في روحي. وأخوض فيما دون ذلك بمسافات طويلة، لعلي أجد لي متسعا في المدى، لعلي أجد نَفَسا جديدا إذا عثرت، أو تهت، أو تحيرت. فهنا، وفي هذه المساحة الضيقة باعتبار ما منعنا من الخوض فيه، يجوز لي أن أقول برأيين متضادين، وفي وقت واحد، ولا أخاف من تهمة تخرجني عن وحدة الكل في الأزل. فلذا، يمكن لي أن أقول: كم كان طول هذا الإنسان الذي صنع الصراع.؟ وما وزنه.؟ وما عمره.؟
إني إذا قلت هذا القول بنصه، وفصه، وفي أي مجمع يؤثل للمعرفة البشرية، والذاكرة الإنسانية، فلن يطيق أحد أن يهينني بالانفصال عن كليتي، لأنني أدركت أن صانع الصراع، قد كان ماهرا في الصناعة، وغافلا عن النتيجة. إذ ما تصنعه من متعة تقبل التضاد في القصد، لا يتجسد معناه إلا في مقدار ما يطيق من الحركة مع نواميس الزمان، وقوانين المكان. لأن الشيء قد تصنعه، ولكنه لا يطابق قوانين الديار، فيكون تحريمه أولى من تحليله. كلا، بل هذا الحكم، هو الأصل الذي لا معدى عنه. ومثل ذلك أسلحة الدمار الشامل، وسمها بما تريد، فهي دمار، وشامل، ولو تهافتت الأمة على اقتنائها، رغبة في الاستمرار، ورهبة من غوائل الفواجع الداهمة للأفراد، والجماعات. فالصناعة إذن، تفرض علينا أن نقبلها، أو أن نرفضها، لأنها ما وجدت إلا لنا، وما أقتنيت إلا لما نلبسه في ثوبها من كمال. فوجودها لا يستقل عن وجودنا، وإذا أضرت به، وخشينا عليه من الفناء، حاربناها، وإن كانت هي ذاتها أدوات حربنا. فلم قبلنا صناعة الصراع، ولم نقبل صناعة الحياة.؟ شيء تافه، يبدو للإنسان في بعض الأحيان عظيما، ويظهر له في أبهى صورة، وأنقى حلة، وربما يتخيل إليه أنه طاقة في الخلود، أو في الظهور. وتلك هي طبيعتنا في تناقض وجودها، وعدمها، فكثر ما نعاندها، ونصارمها، لكي نستسلم لذلك الأنا الذي يجعلنا موجودين لذاتنا، لا لها. إذ لا نحاول في كثير من ارتباكنا إلا أن نصبغ ظاهرنا بما يجعلنا أقوياء، لا ضعفاء. وهذا الشيء التافه في نتيجته، إذا تحول إلى سبب في وجود الذات، يكون الأمر خطيرا، لأن وجود الذات في الحقيقة، يقتضي أن توجد بالشيء العظيم، لا بذلك الحقير، البغيض. والأخطر أن يتحول ذلك إلى لغة الكثرة، ويتولى مركز النضج في العقل، ومحور التحرر في الوعي البشري، فيكون التافه ضروريا، والحقير سيدا، وإذ ذاك يتم زرعه، وغرسه، فينبت كالفطر بين لذيذ الفواكه، لكي يكون اختلالا في طريق من يرى هذه الذوات، لا تقاس قيمتها إلا بشساعة مساحات أفقها الأبيض. فالصراع تافه، لأنه وجود ضروري للنقص، وسبب لاستمرار الحياة في قاعدة غير الأخلاقي. ولا أتفه من الناقص، لأنه يبحث عن كماله الذي لم يوجد له في مقتضى تركيب الذوات على سنن يتم بها لحدوث، والتغيير، فأيس من ذلك، ثم ابتغى الكُمَّل نقصا، لئلا تبدو عورته، فيجمع اللؤم بوحده. وتلك هي شنشنة أهل الفجور، والفحش. فلا تكاد تجد أحدا منهم رقيعا، وصفيقا، إلا وهو يريد أن يكثُر الجمع، ويقوي العضد، حتى لا ينكشف العاهر بعهره، والداعر بدعره.
فلا غرابة إذا كان تكثير السواد قيمة في الاعتبار العقلي، لأنه إما صوت ينادي باسم الإله الحق، وإما صوت ينادي باسم الإله الباطل. فتكثير السواد لإخفاء سوأة النقص بين الموارد التي كرع من منهلها الإنسان الأتم الخصال، هو النص الذي يقرأه الصراع في كل أدوار حياته المتآلفة معنا كرها، وبغضا، لأن الصراع يخفي وجه الوحدة التي تحتاج إلى وردتها تلك الفتاة العازفة على الناي بشفاهها الحنونة، وذلك الغلام الذي يغني كالشحرور على فنن الزيتون. فما من صراع إلا وهو يتحف الناقصين، ويضر بكل من يريد استواء الأوزان، لكي يجمعنا هذا السوق بلا خوف من السفهاء. وهذا الضرر الحادث في عمق العاشقين لبسمة الوجود، هو مقصود لهؤلاء المتشاجرين على حجر، وهم قد باعوا منبته في الأرض، قبل أن يبدو ذلك الحجر ملجأ لمن لا وطن له. والأغرب أنه إذا لم يكن لك بملك القلب جِرم من الأرض، فكيف لجرمك في المعنى أن يكون موجودا.؟ فالقصد هنا موجود، ولا يخفى إلا على من رأى ظل الشجرة، ولكنه لم يشهدها في بهائها، وسنائها.
غريب أن يكون الظل أصلا في عقول جوزت الصراع، وأفتت بحلية كل دم يسفح من أجله، وأفنت الأشجار والأحجار بين الديار، لكي يكون الدخان الغاضب رسالة تحمل أمنيتنا على هذه الأرض. وأي أمنية، والدمار والقتل سبيلها.؟ فالصراع إذن، لم يوجد ليكون للإنسان أملا، وأمنأ، بل وجد ليصد عن سبيل تلك الوحدة التي تاهت العقول النظيفة في خيالها، وتولهت في طيفها، وتسورت ألوانها. ويا ليتها كانت، ولو كانت، لنطق صوت الحكمة، والشعر، والغناء، والحدو، وهناك تكمن فرصة العالم البريء، حيث يتساوى الناس في رقصة الفرح، وطلب المرح، وزوال القرح. لكن هذا وإن بدا سارحا في غب الخيال، أوبدا كاللحظة الهاربة، أو بدا كالمدينة الفاضلة، فإن معناه مستساغ، ومبناه مستحسن، لأن انتظار الأعماق المتموجة بالمعاني الخالدة، هو الحياة الجميلة، إذ فيه العشق الحقيقي لجمال الكون، ونقاء الطبيعة، وصفاء الحياة. وهذه النظرة، لا يملكها إلا سويٍّ، عفيف، لطيف، ولا يدافع عنها إلا من أيقن بأن بني الإنسان جنس واحد، ولو تنوعت الرغبات، وتوالت النكبات. وإذا ملكها أحد من سائر الآدميين، فتقبيل رأسه واجب علينا، لأننا عثرنا على عنوان آمن، يفضي بنا إلى لحظة الامتزاج الكلي مع الكون، حيث حضور الجمال في الإنسان، والوجود.
لا أخالك، وعلى رغم وجود تلك اللمسة، أو النفحة، أو الومضة، ستنجو من ذلك الصراع المدبر في غمرات وجع العاجزين، لأن صناعه أدركوا أن بلوغ هذه العتبة المفضية إلى الوحدة في محل الثنائيات، هو ارتقاء من الماديات إلى الروحانيات، فلذا، أحدثوا أبوابا كثيرة، ومفاتيح عدة، فيغلقون ذا، ويسدون ذا، ويقدسون ذا، وينجسون ذاك، ويهللون بذا، ويستعيذون من ذاك. فأحيانا قالوا: من هنا وردوا، وأحيانا يقولون: من هنا صدروا. شيء تافه صنعوه هنا، وعلى هذا الباب بالأخص، أو قل على النبع الأبيض، لأن الأبواب لا تطرقها الروح المطلقة العنان، وإنما هي لحصر الأجسام عن الاتحاد ببعضها، وعن الامتزاج المظهر لنفي الصيرورة، وتثبيت الكينونة. فكيف نقف هنا، ونحاكم الأجسام، والمكان مكان روح، لا محل الأجرام.؟ ولم الصراع على شيء لا يضيف إليه تحديد العقل معنى أعظم مما وصف به من الخفاء.؟ وعلامَ نتشاحر ونتناحر حول أمر بسيط في التركيب، وتافه في المعنى.؟ فالأبواب هنا، وفي هذا المقام الظاهر الوحدة، قبولها هو اعتقاد بالقياس، وقبول للشرط، والعكس، ومن قبِلَهما هنا، فقد غولط، لأن المرتبتين مختلتان. فالمادي منها، لا يقاس إلا بضده، والروحي كذلك، لا يقاس إلا بضده، ولكنَّ التعدد يجري في مجرى المادة، لا في مهيع الروح. وذلك ما يحدث التنافي، ونقول: لا قياس مع وجود الفارق. فلم نقبل الصراع إذن، والقياس المستعمل هنا فاسد.؟
قد يغالط كثير من الدعاة إلى الخير، والبر، حين يظنون الصراع في فورة المعنى بالوحدة ضروريا في الأخذ، وفي الوثوق. فهم إما منتسبون إلى المعرفة، ولمَّا يدركوا شيئا من مفاتيحها، وإما أغبياء يساقون إلى سوق الكثرة، وهم غير عارفين بأصل القضية، وإما دهاة يدبرون نقص المورد بحيل، وخدع، ويدونون صفحة جديدة من تاريخ العالم المدمي الجناب، والرحاب. وهؤلاء، هم الشطار القائمون على رقعة الشطرنج بحذر من المغبة، وهم العقلاء باعتبار القوة سلطة، لا باعتبار الرحمة قوة، وهم الحاذقون بنقش رسوم التواريخ، لكي ينهلوا من فضائلها، ومكارمها. فهؤلاء، يرون الصراع لازما، ولازبا، إذ به يحدث التفاعل، والتنازع، لأن تفاعلنا، إن لم يكن محاطا بسياج الشعور بالأمان، فلن يؤدي إلا إلى التنازع. وهناك يكون الصراع حاجة اجتماعية لبقاء البعض على أنقاض الكل، لما يقوم به من دور في كسب قصة البقاء بين الأدوار المتعاقبة على العالم بالحضارة، أو بالتخلف، والرجعية. ومن هنا، فإن فالصراع على هذا المعنى، لم يفهمه ماركس، لأنه ظنه ضروريا في وجود الدولة، وفي بقائها، إذ به يحدث التفاعل المفضي إلى التقابل، لا إلى التنافر. وإذا انتهى الصراع، فلا قيمة للدولة الذي أساسها بقاء الجنس بإفناء النوع، لأنها في أجمل أحوالها ستكون غنية، وغناها وافر. وإذ ذاك يكون الكساد نتيجة مرحها إلى حد الطيش، والسفه. لأن ترك العمل سفه، ومن لا عمل له، لا بد أن تطيش سهامه. فالصراع عند ماركس يحدد بنية الدولة، ويوفر لها الاستمرار، والاستقرار، وإذا غاب عنها، كانت الإيديولوجية في خطر، لأنها لم تستوعب التغيير القائم بين حوادث الزمن. إذ نحتاج عند الجشع إلى الفرد، وعند المتعة إلى الجماعة. ويستلزم هذا أن تبنى الدولة على جناح واحد، وحين يقص، فلن نجد أمامنا سوى استبدال الجبة بأخرى. ربما قد لا يُفهم هذا من كلامه، لكن دقة الملاحظة، تقتضي أن نقول: إن الإيديولوجية القائمة على الصراع، لن تكون نتيجتها الوحدة التي تبحث عنها البشرية جمعاء، لا ذاك الفرد المتخندق في كهف الإيديولوجية، أو تلك الإيديولوجية القابعة في جُونِ الجماعة. ولذا، لم يكن ماركس مصيبا، لأن الصراع، ولو لم يخلقه، وكان وجوده من نتيجته الحتمية، فإنه لن يحاربه إلا بمثيله، ونظيره، وشبيهه. وهنا سيكون الانتصار للأقوى حجة في مادية الصراع، وبذلك نكسب قصة جدلية التاريخ البشري. لأن التناحر قائم، بل هو متناسل في كل منظومة ضيقة، ترى المخالف عدوا ظاهرا لا يأتي منه إلا دافع الفناء. فمتى سينتهي هذا الصراع إذا قلنا بتفويض الدولة إلى قوته، وضعفه.؟
فالصراع إذن، لا يمكن القضاء عليه، إلا إذا أردنا أن نجعل هذا الكون جنة، نتمتع فيه لحظات، ثم ننتهي إلى عالم آخر. ومن هنا، فإن دوافعه، وما يستلزمه ذلك من نتائجه، يجعله قائما، ولن ينتهي إلا بانتهاء مناخه الذي تولد منه، وهو فقر الإنسان، وبؤسه، ومرضه، وألمه، وذلك لكونه مرتبطا بالنقص، والعجز.
إننا ما دمنا نؤمن بقيمة اللغة، وحكمتها، ودلالتها على الإنسان الناطق بها، فهي القادرة على أن تكشف الحجاب، وتزيل النقاب، لأنها لا تكون ذات معنى، إلا حين تنتظم في خيوط النور، فتكون تعبيرا عن الإنسان المتحدث بها، وذوقا فيمن يعرف خباياها، وأسرارها. فالذين لا يحاكونها في الطبيعة، لن يطيقوا أن ينتجوا لنا معنى خالدا، لأن اللغة تحكيهم، بعيوبهم، بسوآتهم، وهم في الإدراك نفسه، لا يحاكونها بمداراتها، وفضاءاتها. إذ هي لا تستجيب إلا لمن يحاكيها، لا لمن يحكيها، وهو لا يستلهم روحها من عمقه. وهنا يختلف التعبير في الإنسان، وسواء كان قوله نصا أدبيا، أو كان حكاية يحكيها حكواتي في إحدى السوح الغامرة بطلاب الفرجة، فيتلذذ الناس بها، ويجدون لها معنى. وهنا يختلف الواقفون على حلقات الحكاية، فالذين تحكي اللغة عيوبهم، لا يجدون لذة إلا إذا نطق الحكواتي بفحش الأقوال، وقام برديء الأفعال، ولا يستمتعون إلا إذا أخنعهم لسبه، وشمته، وهم جذلون فرحا بالانتشاء. والذين يبحثون عن لغة المعنى، لا يضيرهم أن يجلسوا أمام شيخ هرم، لا يعبأ به، ولا ينظر إليه، فيستظهرون منه معنى الحياة الخالدة. الحياة، وما أعظم الحياة.! هناك تكون الحكاية محكية بمعاني اللغة الحقيقة.
لا أراني أضيق الدائرة عمن ألهم رشد معناه في غير ما أقول، وإن أراني ميالا إلى هذا النوع القابع في برنسه، والجاثم على سفر التاريخ المترع بالمعاني الذاهلة. وربما قد يجد ذلك في ناي، أو في شيء آخر، يستطيبه الإنسان، وإن لم يستطبه غيره، ولكنه صوت اللغة الحقيقية في القلوب الناعمة. فاللغة هنا تمتلك مهارتها، وكفاءتها، وتحتوي على فحوى المضمون، وجدواها. والأغرب أنها لا تطيق أن تسمح بموت ألفاظها، ولا بكسر معانيها، فهي كما نطقت بالنقص، فقد نطقت بالكمال. شيء جميل يكتشفه من يعشق لغته. ولغتي الأمازيغية، ولكنها تزواجت والعربية، حتى صارتا معا عندي كيانا ينزف عندي بمعنى التلاقح، والتصاهر، والتناسل. فذا لن يموت، وذاك لن يموت. وتلك العلاقة القائمة بينهما، هي الصراع، لأنه لا ضد له في حدود علمي. وهذه العلاقة جدلية، وهي المحركة للوحدة، والكثرة. وعلى هذا يكون الصراع سببا في وجود اللغة، وضرورة في وجود الواقع، ما دمنا لن نشعر بهذا الكمال جميعا، وفي يوم من الأيام، ثم ننطلق مكتفي الأيدي إلى تلك الحديقة الغناء، حيث لا كدر، ولا حزن، ولا ألم.
تلك هي الجنة الموعودة في الأديان، وهي المرغوبة في جميع الأبدان. وصعب أن تدركها حقيقةً في عالم الإنسان، وسهل أن تنالها في عالم الأكوان، لأن الصراع كما ابتدأت الأديان قصته بآدم والشيطان في عالم غير أرضنا، فقد ابتدأته باطنيا مع الشيطان، وابتدأته أرضيا بقابيل، وهابيل، وهكذا في كل الحقب، حتى غدونا نؤمن بسنته في بقاء الخير، والشر. فعيسى عليه السلام، لو لم يكن لهذا الصراع أثر عليه، لما كان للعشاء الأخير أي معنى. وهكذا في سيرة نبينا سيدنا محمد عليه الصلاة، والسلام. فالأمر إذن على ما يبدو حتمي لوجود الأفكار المتضادة، وهذا القول لا نزاع فيه عند من رأى الصيرورة التي تقوم بها المعاني في الأشياء المتعددة. ربما قد توجد هناك فرصة في هذا العالم الذي يخب نحو لطف المباني، والحدائق، والشوارع، والبيوت، بل هي فرصة لكل من توسل إلى الديمقراطية بعلامات ولائه، لكي يكون للقرار البشري قيمة في المعاني الإنسانية.
إنني لا أراني سأجد أحدا يؤمن بدين، إلا وله انتظار إلى هذه الفرصة الثمينة، واستشراف إلى هذه اللحظة التي تتآلف فيها البشرية حول تقديس معنى الحب، والخير، والجمال. لكننا قد اختلفنا هنا في المحدَّد الذي نعول عليه في بناء قصة الإنسان مع الطبيعة، وإن اتفقنا في مقتضى الإيمان، والعمل الصالح. لأن ما نمتلكه من أدوات لتميم هذا الكيان، أو لترميمه، لم يتجاوز الزمن الذي نطق فيه الإنسان بضرورة إخضاع كل شيء لمقياسه، وميزانه. وهذه الفرصة، ليست خاصة بالمتدينين في أي دين، بل هي لحظة يتشوف إليها الحكماء، والفلاسفة، وغيرهم، بل حتى الدهماء، والرعاع، والسفلة، يقومون صباحا، لعلهم يشهدون طلعة الحرية في كل شروق يدب إلى دورهم، وقراهم. وما دامت هذه الفرصة موجودة في نصوص تاريخ الإنسان الفطن بحقيقة الضرورة اللازمة للأشياء مع معانيها، وهي الأمل في كل الطبقات، والمراتب، فإن نزوعنا إلى تصويرها بخيال مستغرق في المثالية، لن يكون عيبا، إلا عند من لا يفقه معاني اللغة عند الأنبياء، والأولياء، والحكماء. فهي موجودة إذن، ولذا نتذكر في أمل وكدنا نحو الحقيقة الموجهة لتلك الوحدة منشأ هذا الصراع، وكيف تولد، وكيف ترعرع، وكيف طمس معالم هذه الإنسانية الراقية، ليؤسس لفضاء قد يكون أجملَ شيء في اعتباره، هو ضمور المعنى في الذات، وصمت الوجع في الجراح، وغمض العين في ضجيج الألوان. لكم تحيتي جميعا.