مناظرة مع مستشار إردوغان!

عبدالخالق حسين
2016 / 10 / 16

بدعوة كريمة من الإعلامي والكاتب المتميز، الأستاذ ملهم الملائكة، شاركتُ في مناظرة إذاعية عبر الهاتف تم بثها على الهواء المباشر على إذاعة DW الألمانية، صباح يوم الخميس 13 تشرين الأول/أكتوبر الجاري. وكان الضيف الآخر في أنقرة، كما تم تقديمه، أحد مستشاري الرئيس التركي إردوغان، وكان يجيد العربية، ولكنه كرئيسه للأسف، لا يجيد أسلوب الحوار.

كان محور البرنامج هو تواجد القوات التركية في شمال العراق دون الدعوة من الحكومة العراقية، والملاسنة الخشنة التي استخدمها الرئيس التركي إردوغان مع رئيس الحكومة العراقية الدكتور حيدر العبادي، بعيداً عن الكياسة، والأعراف الدبلوماسية، و التي استهجنها العالم كله.

بدأ مقدم البرنامج، الأخ ملهم، بتوجيه السؤال إلى الضيف التركي أولاً، فأجاب بإسهاب ما ملخصه أن تواجد القوات التركية جاء استجابة لطلب من رئيس الوزراء العراقي، لتدريب القوات العراقية، ولما أنكر العبادي الدعوة فيما بعد، أضطر الرئيس إردوغان إلى هذه اللغة ولذلك فإن العبادي هو البادئ. ودليل آخر على شرعية تواجد القوات التركية، كما قال المستشار، أن وزير الدفاع العراقي السيد خالد العبيدي زار المعسكر التركي في بعشيقة، ورحب بهم، وقدم لهم تحيات رئيس الوزراء العراقي ...الخ!!

المشكلة مع الضيف التركي أنه أطال في جوابه ودون الالتزام بالوقت المحدد له، وإعطاء الفرصة للضيف الآخر الذي هو كاتب هذه السطور، ولم يسمح لي بالكلام إلا بشق الأنفس. ولما جاء دوري، أيدته أن الدكتور العبادي قد يكون السيد العبادي وجه هكذا دعوة إلى تركيا للمشاركة في تدريب القوات العراقية خلال زيارته لأنقرة قبل عامين، على غرار مشاركة خبراء عسكريين من دول أخرى مثل أمريكا وبريطانيا وفرنسا وإيران... الخ، إلا إن هذه الدول أرسلت خبراءها العسكريين الذين بلغت أعدادهم المئات وحتى الألوف، كأفراد غير مسلحين، ولم يرسلوهم كقطعات عسكرية مجهزة بالدبابات والمجنزرات، وغيرها من الأسلحة الثقيلة والمؤن والذخيرة العسكرية كما فعلت تركيا التي احتلت موقعاً قرب بعشيقة في شمال العراق. فتواجد القطعات العسكرية التركية التي بلغ تعدادها ألفي عنصر، ليست للتدريب، بل هو احتلال عسكري، وتجاوز على السيادة الوطنية...

وفيما يخص زيارة وزير الدفاع العراقي لهذه القطعات في بعشيقة وترحيبه بها، قلتُ أنه تصرف شخصي من الوزير، خاصة وأن الحكومة العراقية مؤلفة من عدة كتل سياسية متنافسة وحتى متنافرة، يكون ولاء وزرائها لقياداتهم السياسية، وليس لرئيس الحكومة. و وزير الدفاع المشار إليه أعلاه، هو من كتلة (متحدون) بقيادة الأخوين النجيفي، المعروفين بولائهما لتركيا أكثر مما هو للعراق. وأخيراً سحب البرلمان العراقي ثقته بهذا الوزير وأقيل بسبب ضلوعه بالفساد وضعف أدائه.

ولما أثبتُ له بالأدلة الدامغة، وحسب تصريحات الناطق الرسمي عن الإدارة الأمريكية، أن القوات التركية ليست ضمن قوات التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، وأن على تركيا احترام السيادة العراقية ...الخ، غضب صاحبنا المستشار التركي، وراح يردد بأني طالما أعيش خارج العراق (في بريطانيا)، فلا أعرف أي شيء عما يجري في المنطقة، لذلك لا يحق لي الحديث في هذا الموضوع، ثم راح يتحدث عن الأخلاق! وأن لتركيا كل الحق لإرسال قواتها إلى أي مكان في العالم دون أخذ موافقة أحد عندما تجد أمنها مهدداً من قبل الإرهابيين في العراق وسوريا (كذا).

ولما انتهى وقته وطالبه الأخ مقدم البرنامج بالسماح لي للرد عليه، فلم يلتزم، لذلك لم أجد بداً من الدخول على الخط بعد أن سمح لي الأخ ملهم أن المايكروفون لي. فقد استنتجت أن هذا الشخص كرئيسه، يجب مواجهته بصراحة ومهما كانت قاسية. فبينت له أن تركيا أدعت مرة أن وجود قواتها في شمال العراق جاء بناءً على دعوة من محافظ نينوى لتدريب الحشد الوطني (مليشيات تابعة للأخوين النجيفي)، ومن ثم قالوا بدعوة من رئيس الإقليم الكردستاني لتدريب البيشمركة، وأخيراً قالوا أنه بدعوة من رئيس الوزراء العراقي لتدريب الجيش العراقي، فلماذا لم يثبتوا على رأي واحد، ويغيرون مبرراتهم بين حين وآخر؟ ولما فندنت كل مبرراتهم، قال الأخ التركي أن تركيا لا تحتاج إلى موافقة من أية جهة عندما تجد أمنها مهدد من قبل الإرهابيين في العراق!!!
أليس هذا اعتراف صريح بأن قواتهم دخلت العراق عنوة ودون أية دعوة من العراق؟ فلماذا كل هذا اللف والدوران، ولماذا لم تقلها من البداية أن قواتكم جاءت بدون موافقة أية جهة عراقية؟

وهل حقاً أن أمن تركيا مهدد من قبل داعش وجبهة النصرة وغيرهما من المنظمات الإرهابية؟ إنها نكتة سمجة أن تدعي تركيا بحماية أمنها وأمن المنطقة من الإرهاب. فبشهادة مسؤولين كبار في الإدارة الأمريكية مثل نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن، والمرشحة للرئاسة هيلاري كلنتون، وكذلك شهادة نائب المستشارة الألمانية، والمئات من التقارير الصحفية الغربية، تؤكد أن تركيا ساهمت في خلق داعش، وجبهة النصرة، وهي من الدول الراعية للإرهاب إلى جانب السعودية وقطر...الخ، وجعلت من حدودها بوابة لدخول وخروج الإرهابيين إلى العراق وسوريا. ولذلك ليس صحيحاً أن تركيا أرسلت قواتها إلى العراق لحفظ أمنها من الإرهاب، بل العكس هو الصحيح، فوجود القوات التركية هو لحماية الإرهابيين من التصفية والهزيمة المؤكدة، ولفتح ممر آمن لٌهم ليغادروا الموصل إلى تركيا بسلام، للحفاظ عليهم واستخدامهم كهراوة ضد أية حكومة في المنطقة وحتى في العالم ضد روسيا مثلاً في المستقبل. وأنتهى الحوار.

يبدو أن إردوغان لم يقرأ التاريخ ليستخص الدروس والعبر منه، ولم يتعظ من أخطاء الذين سبقوه مثل صدام حسين، ومعمر القذافي وغيرهما، فمصيره لا بد وأن يكون كمصير أمثاله من الطغاة المتغطرسين، في مزبلة التاريخ.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- د.عبدالخالق حسين: يجب دحر تجاوزات إردوغان على العراق
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=864

2- مقال لصحفي تركي، جدير بالقراءة
Burak Bekdil : Turkey s Dangerous Moves in Iraq
http://www.meforum.org/6326/turkey-dangerous-moves-in-iraq

3- أردوغان متحدياً : سنبقى في بعشيقة وعلى الجميع السكوت!
http://www.akhbaar.org/home/2016/10/218899.html

4- العبادي: لن نسمح لتركيا بالمشاركة في تحرير الموصل بأي شكل
http://www.akhbaar.org/home/2016/10/218930.html

5- الحشد الشعبي: الغطرسة لن تنفع أردوغان.. وتركيا لن تجني من تواجدها في العراق إلا الندم
http://www.akhbaar.org/home/2016/10/218919.html