معنى الحرية إلى المهجرين

بدر الدين شنن
2016 / 10 / 16

اعتاد نبيل صباح كل يوم ، تناول فنجان من القهوة . ومع الرشفات البطيئة المتوالية ، في جلسته وحيداً في الغربة .. كان يبتسم .. ويتذكر أحياناً .. لما كان وأخوه يشاركان والديهما قهوة الصباح .. وسط الضحكات التي تثيرها أفعال أخيه الصغير الطائشة .

ويسرح به الخيال إلى تلك الأيام . ويحزنه أنه افتقد أباه مرتين .. مرة حين قضى سنوات عديدة خلف القضبان .. عاشها كأنه يتيماً .. بلا أب . ثم افتقده مرة أخرى .. يقضيها الآن .. في المنفى ، الذي حجزه عن عائلته أكثر من حاجز القضبان الحديدية .

وفي بعض الأيام يتذكر مع القهوة .. جوابه على سؤال المعلمة في الصف :
- هل عرفت معنى الحرية يا نبيل ؟ ..
ويذكر أنه أجاب بثقة وبراءة :
- الحرية هي أن يعود أبي وأمي إلى البيت .. وأن تعود كتب أبي أيضاً .. وأن يعود لزيارتنا أصدقاء أبي .. الذين يحبون الحرية مثله .

وعادت أمه بعد أشهر .. وعاد هو وأخوه معها إلى البيت .
لكن أباه لم يعد إلاّ بعد سنوات طويلة .. وهو على حافة الموت . وكانت عودته قصيرة .. أقل من عامين .. ثم رحل تحت ضغوط كثيرة إلى الخارج . وصار نبيل وأخوه يواجهان ، مرة أخرى ظروفاً قاسية .. مثل الأيتام بلا أب .

في أيام أخر يتذكر كيف .. وجد نفسه .. غي غمرة القتل والتدمير حوله .. يسلك دروب الهجرة والغربة . وغربته تذكره بغربة أبيه .. وبافتراقه القسري المرعب عن أخيه وأمه .. وأهله ,, وأصدقائه .. ومدينته .. التي ولد وترعرع ودرس وكبر فيها .

ولمقاومة شعور الغربة الموجع ، لجأ إلى آلية التواصل الاجتماعي . وراح عبر هذه الآلية ، يقاوم وحدته ، ويجتاز عذاب ومسافة الابتعاد والفقد ، ويحاول أن يمتص الشوق للأعزاء .. ويحلم بلقاء أخيه وأبيه وأمه ، لقاء يجمعهم في مكان واحد ، ووقت دائم واحد .

ويعود بين وقت وآخر إلى ما يكتبه من خواطر .. وأفكار .. ويتداوله مع زملاء له عبر آلية التواصل ، فيجد أنه يقع بين السخرية من أشخاص الحدث .. وبين غموض اللحظة .. بتنوعاتها .. وتلا وينها .
ويجد أن مشاعره التي عبر عنها ، لمعلمة الصف ، لما سألته عن معنى الحرية ، رغم السنين الكثيرة التي مر بها .. هي نفسها . لكن مفاهيمه عن الحياة .. كبرت .. وتنوعت .. واختلفت تفاصيلها .. عن مفاهيمه لما كان طفلاً في السابعة

وفكر مراراً .. لو سأله أحدهم الآن في غربته البائسة الطويلة .. عن معنى الحرية ماذا سيقول :
- هل سيقول .. أن يعود جميع أفراد الأسرة إلى البيت .. ويهزأ من هذه الفكرة .. ويقول في نفسه .. أي بيت سيعودون إليه .. بعد أن دمر بيتهم .. والمأوى المسمى بيتاً قد تصدع .. وآخر بيت نزحت أمه إليه .. اختلط ركامه بركان البيوت المجاورة .
- هل سيقول .. أن يعود أصدقاء أبيه لزيارتهم .. الذين يحبون الحرية مثله .. وهم لا يملكون بيتاً لزيارتهم فيه .. وهؤلاء الأصدقاء ، هم أيضاً بعد تشتتهم لا يملكون بيتاً معروفاً .. للسؤال والبحث عنهم .
- هل سيقول أن تعود كتب أبيه .. ولم يعد هناك كتباً .. ولم يعد هناك جدار تخصص رفوفه لوضعها عليها . والمؤسف أكثر ، أن معظم مضامينها ، لم تعد تجيب على السؤال الكبير المعلق ، الذ يحوم فوق سماء تخترقها .. وتشوهها .. قذائف الحرب البشعة . ولم يعد لديها القدرة على ملء خواء العقول .. والضمائر .. والأفكار المغدورة . وفي أيام كثيرة يتوقف عن شرب قهوته .. ويفكر في الوطن . ويكاد يستسلم لفكرة استحالة عودة الحياة فيه إلى ما كانت عليه .

فأخوه الصغير قد تجاوز الأربعين . وأبوه اقترب من الثمانين . وأمه على حافة السبعين . فإن حدثت هذه العودة بمعجزة .. في إطار المكان .. فلن تعود بإطار الزمان .

ويفكر بمعان عدة للحرية . ويبعد فوراً .. بعد معانته المذلة .. فكرة أن تكون الغربة حاضنة للحرية . وينتهي بعد سرد وقائع مريرة في الذاكرة ، تؤكد جميعها ، أن الذي افترس استقرار الحياة .. وحق الحياة .. ودمر .. وشرد .. وأغلق أبواب الحرية هو الإرهاب ، وتعصبه ، و وحشيته ، وتخلفه .
وينبغي قبل كل شيء التخلص من الإرهاب ، وهذا يتطلب التخلص من الغربة .. ومفاهيمها .. وخداعها ..
وهذا ما بات يشجعه على تقبل التفاؤل ، كلما سمع خبراً مبشراً عن الوطن .. وعلى أن يعطي معنى أوسع للحرية . وذلك بعد أن صار يسبح في بحار التجربة .. والكلمة .. والمفهوم .. ويستطيع أن يركب أمواجاً تبلغ الكثير من الشطآن التي يحلم بها .

ويتذكر تغمره الحسرة القلعة الرابضة الشامخة وسط المدينة .. وعلاقته معها منذ الطفولة .. ثم لما كبر وفتح له المجال ليطلع على أركانها وأعمدة عظمتها وسر خلودها .. وعلى بصمات صمود وبطولات سكانها ضد الغزاة . ومع توالي الأيام .. ومعاناة وفشل الغربة في تجسيد الحلم .. لم يعد يمكن فصل الحرية عن الوطن .. والحياة بكل أشكالها فيه . وبات مصراً إن سؤل عن معنى الحرية ، أن تكون إجابته ضمن إطار الوطن .. وكبيرة القيمة كما قيمته .

ربما .. ربما حسب انعكاسات مجريات الظروف ، يقول هذا المعنى أو ذاك للحرية . أو لا يقول شيئاً .. وقد يغير حدث ثقيل شديد الوجع مناخ السؤال والجواب . ويتكلم كردة فعل .. بسخرية عن حرب أثارت حماسة الطموحين إلى حياة أفضل في بداياتها .. لكنها صارت تثير الأسى والحزن والرعب في مجرياتها . بيد أنه .. مهما دفعته رشفات قهوة الصباح الشبيهة بالطقس .. للتفكير .. والتذكر في مراحل حياته وتداعياتها البعيدة والقريبة .. لكنه يظل يحفظ في مركز ذاكرته .. كيف كان يجلس بين الكبار .. الذين يستقبلهم أبوه .. وينصت إلى ما يقولون . إن ما كان لافتاً ومحبباً لعقله الطفولي الصغير .. هو ما كان يردده المتحدثون .. وهو :
الوطن .. الحرية .. التحرك .. المستقبل .