التساؤُليَّةُ: نحو فكرٍ فلسفيٍّ جديدٍ (ج1)

سامي عبد العال
2016 / 10 / 16

التفكير فلسفياً على نحو مختلفٍ أمر شائك الحدود. لأنَّه يتطلب منك انتماءً وانتهاكاً في الوقت نفسه. وقد لا تعرف إلى ماذا تنتمي.. وماذا تنتهك.. ولا كيف يتم الاثنان!! هل تنتمي إلى جذور ما، تأصيل ما أم تحطم أكثر الأشياء يقيناً؟ فالموضوع مرتبط بالتساؤل كطاقة فلسفية philosophical energy وله – بحكم منطقه المفتوح- أن يرسم حدوده كيفما شاء. ولا يفتقد رؤية جذرية لمفاهيم كبرى في تاريخ الأفكار: التراث، الحقيقة، الإنسان، المجتمع، العالم. إن تفكيراً كهذا يخترق الانغلاق وينتهك الحقائق. حيث ستنهار المذاهب كما تذوب جبال الثلوج. وعليه سيكون الطريق موحلاً بالمشكلات ومضفوراً بمزيد من الأسئلة. ذلك إذا أخذنا سياق الفلسفة المعاصرة قيد الاعتبار. تلك الفلسفة التي ليست أنساقاً بمعناها التقليدي إنما شذرات خيالية وآثار وطرائق وأساليب بشتى الخطابات. مع ذلك لنحاول طرح وضعية السؤال كتفكير فلسفي يشتبك مع هذه المعاني. ولنغامر كيف سيصاغ من جديد.
* وضع اشكالي
عند طرح "السؤالُ" كصيغة فلسفيةٍ بتوقيع "المذهب"؛ أي باعتباره بصمة قاموسية مميزةٍ، فماذا سيحدث؟ لماذا هذه الإضافة؟ وأيُّ جديد سيقدمه؟ هنا يقتضي السياقُ ذكر مبرراته ويتطلبُ أفقاً لإطلاق معناه، إنْ لم يُثر طاقته المعرفيةِ. لكن قد ينزلق المعني نحو طريقٍ جانبي مغاير. لهذا يحْذر السؤالُ من شَرَك الأيديولوجيا. ومن السقوط صريعاً لقَدَرهِ اللغوي. بحكم أنه صيغة لغوية محدودة. فضلاً عن أنه يرتبط بوظيفة تعبيرية معينة داخل النصوص.
في المقابل لعلنا نلاحظ أنَّ صيغة (التساؤلية) جَمعت ما لا يُجمع. كما يوجد بمتنها اللفظي "المبدأ والحركة" جنباً إلى جنب. فالسؤال يتفاعل كاستفهام مفتوح مع فضاءات المذهب والأيديولوجيا واللغة. وقد يبادلها نفس القُوةِ والضربات. وإذا كان مدلول المذهب يقف فلسفياً عند حدِ التضخم الدلالي، فمع التقاء(الاستفهام وافراط وجوده) سنرى كيف يتعايشان؟ وبأية طريقة سيحدث تجاوز؟
تتكون صيغة "التساؤلية" من: question؛ أي الاستفهام طلباً أو بحثاً أو تحقيقاً أو تدقيقاً. إلى هنا ليس ثمة مشكلة ظاهرة. لكن يأتي المقطع: ism ليعتبر الطلب نشاطٍاً تساؤلياً لا يتوقف. وفي عين الوقت يغدو فضاءً للتفكير. إنَّه دائماً نشاطٌ زائد عن الحد، عمل يتجاوز أفقاً اعتيادياً للرؤى. بتلك الوسيلة تتخلل الاستفهام أبعادٌ فلسفيةٌ على نحو ٍمن الأنحاء، لقد وُضِعْت له مهمةٌ أخرى بجوار(وداخل) طرحه تطلعاً إلى مضامينه الاشكالية، ليصبح معْنيّاً بالتفكير الفلسفي إزاء القضايا والموضوعات.
ربما يُقال هناك الـism وهي مجرد لاحقة لغوية ليست إلاَّ، وربما تقف لدى معطيات الفكر ولا تتخطاها. هذا واضح لكنَّها بادئة عبر الفكر(تنْخُره) مع عمليات تلقيه. خاصةً أنَّ الإيزم(الإيزمية) بمثابة "الختم التاريخي" لمعجم الكلمات الكبرى، وهي نظام فكري وراء الممارسة دالاً على طرائق الفهم والتحليل. فالتساؤل إنْ لحق به شيءٌ ثابت(نظام أو نظرية) فأنَّه سيتفلّت منه، فارضاً نظامه الخاص. ويمكننا الإشارة إلى كونّه سيفرض أيضاً أداءه النوعي مستثمراً موارد الأفكار المتاحة.
إذن طالما يلحق المقطع ism بالسؤال فلا يعني تقييداً لإمكانياته. يمكن اعتباره أثراً، ضربةَ مفهومٍ كلي ارتخت قبضتُه، شيئاً مفقوداً خاصاً بسياقه، إطاراً تتردد أصداؤه ولا يتحدد كيانُه. ويبقى الاستفهام منطوياً على خطورة فلسفية تقوم بهتك أسرارها. والخطورةُ سْمِها رغبة الكشف، سْمِها تجاوز الطرح، سْمِها مغامرة الفهم، سْمِها مِراناً لقراءة مختلفة، إلاَّ أنَّها عميقة بشكل غائر كهيكل قديمٍ وكحفريةٍ لا ينتهي التنقيب عنها تساؤلياً.
لماذا نتساءل؟ لِمَ التساؤل رغبة أصيلة لدى الإنسان؟! الإنسان كائن متسائل بشكل شرس؛ أي كائن يعيش داخل عالم الأسئلة. حياته سؤال، موته سؤال، كيانه سؤال، نظراته سؤال، قتله للآخر يُنْجِزه حدُّ السؤال...وهكذا غيابه، شقاؤه، نزقه، سعادته، مأساته. وأزعم أنَّ استفهاماً أو آخر يشغل خيال الإنسان وغرائزه، لأنَّه يباطن الرغبة كدال أنطولوجي لا يتوقف عن الإشباع. فالاستفهام يتناسل باستمرار متطلعاً إلى فيض علاماته.
لهذا ينصرف المقطع ism إلى معانٍ لها آثارها على التساؤلية question-ism.
1- عمل، ممارسة، تجربة، كما في كلمة(النقد) criticism. وتتأرجح الدلالة خلال عملية لها طقوس وآفاق وتحولات (التنويم المغناطيسي) hypnotism. فالتساؤل تجربة استغراق.
2- طريقة في العمل لشخص ما(الطغيان) despotism. والأسئلة تُطرح باقتضاء الاجابة وبالأدق نظام الاستجابة. يتمتع كل استفهام بشخصيته المتخيلة وبإلحاح طرحه.
3- حالة خاصة لكيان معين(الهمجي) barbarism. والتساؤل لا يغلَّف بشيء مصطنع، إنه يجيء عارياً ككائن بري غامض لم يعرف قواعد ولا بروتوكول للضيافة.
4- حالة غير سوية نتيجة الإفراط في شيء(كإدمان المورفين) morphinism. التساؤل افراط في حالة اندهاش، إدمان لمعنى البحث، إدمان للشكوك بصورة لا تحتمل.
5- صفة مميزة(كالأسلوب العامي) colloquialism؛ أي نبرة مبطنة، لكْنَّها مميزة، تخرج تلقائية فتستوجب الملاحظة والانتباه.
في الفرنسية القديمة يعتبر لالاند الفعل quaerere رابطاً للسؤال(المسألة) بمعاني الاستكشاف والاستطلاع. لتعبر كلمة question عن شيئين: أمر ما هو موضوع نقاش، موضوع يجري تناوله. ويجري التناول وفق مخطط ورؤية ولا يتم جزافاً: ويعبر عن فعل لساني قوامه الإعلام إمَّا بوظيفة العبارة، وإما بمنطوق، من خلال الإشارة (بالنبرة، بالشكل النحوي، أو بعلامة الكتابة) إلى أنَّ المطلوب من شخصٍ ما إما أنْ يكملها في الحالة الأولى، وإما أنْ يؤكدها أو ينفيها في الحالة الثانية(1).
إشارة لالاند مدهشة نظراً للهوة غير المحسومة في كلِّ استفهام داعياً إلى التعرف والترقب وانتظار الموقف وتجلياته. ولا يتحين السائلُ إمكانية الحسم من عدمه، فالاستطلاع اختبار وجس النبض تجاه شيءٍ ما. والعبارة دالة على توضيح المقصود وترك علامة على المعنى داخل الوظيفة القائمة بها. علامة ثلاثية: التكملة – التأكيد – النفي. وهذه أوجه تساؤلية ناشطة للطرح كاستراتيجية للحوار والنقاش.
قد يرى القارئ في صيغة question-ism تركيباً غير وارد بالمعجم اللاتيني والعربي. هذه نقطة مهمة، لأنَّ نتوء المصطلح بخلاف المعتاد أمر لا يجنبنا نحته، ولا يثنينا عن ايجاد موضع له داخل نسيج اللغة. فأغلب المصطلحات لا تلتئم بسهولة مع معجمها، إنْ لم تكن لفظاً فعلى الأقل من جهة المفاهيم. واتخيل صعوبته في الانتظام وفق أنساق التفكير أكثر مما تتقبله اللغة. والأهم اتاحة فرصة لتراكمه الدلالي عبر الأصداء التاريخية لمعاني الاستفهام وكيفية استعماله. فهو يبني موقفاً وليس مسؤولاً عما يبنيه ولا يضمن بقاءه أبعد من مساءلته مرةً أخرى. إنَّها الإمكانية المشفرة لدلالة الاستفهام، فهل باستطاعتنا فك شفراته؟ كيف تُصاغ في النصوص والخطابات؟
* التساؤل والتراث
ربما يَعني الاستفهام سؤالاً مقيداً خلال سياق بعينهِ. لكن ليس التقييد تحديداً لشروط طرحه بصدد موضوعٍ ضاغط كالتراث، خطاباته ومفاهيمه واحتواءاته. حدوث هذا يجعل قضايا المناقشة سهلةً. وقد لا تعوزنا أدنى مشقة، يكفي انهاء القضية بالضرب الحسابي: التساؤل× التراث، فإذا بالناتج ماثل بعد علامة (= يساوي) كإجاباتٍ وهميةٍ نبني بها قصوراً من رمالٍ. حيث سيكون السؤالُ مفردة فاقدةٍ التأثير. وسيظل التراث خيالاً سرابياً لم يمسسه استفهام، بل لن نعرف ماهيته، ولا كيف يجيء ويذهب مع كونه ماضاً؟!
ليست واو العطف بالعنوان دالةَ عطفٍ منطقي بين متغيرين. ولا تشير حتى إلى تقاطع طرفين يأتيان بالاختلاف، فيسعى أولهما( التساؤل) إلى بلورة نشاطه الفلسفي والمعرفي، بينما ينفتح الثاني(التراث) أمامه بشفافيةٍ!! دوماً الاستفهامَ يعبرُ عن حقيقةٍ ما. يُرهصُ بها، ويتعقبُ خُطاها. ليست حقيقة مفردةً بقدر ما هي "حقيقة مُؤسِسَة" لحقائق أخرى، لكن ما أكثرها تفلُتاً وروغاناً تبعاً لآليات الثقافة. من ثم لن يكف طابعه الفلسفي عن الحفر تحت الركام حين تتغلغل الحقيقة عبر مجالات شتى.
لو طلب القارئُ توضيحاً، لا أملك مؤقتاً إلاَّ اعتبارها حقيقة موزعةً بين أبنية معرفية وعقلية وأخلاقية، تقف بطبيعة تكوينها في الظلِ الثقافي. هذا الظل الموضوعي الذي يغدو كقيظ الظهيرةِ، والذي يأخذ قوانينه وجوداً وتفاعلاً مع تمثلات التراثُ في حياتنا الإنسانية. ذلك نتيجة ما يفرضه التراث من كّونٍ مجازي allegorical universe أكثر أثراً من الواقع ذاته.
أليس التراث مُسلَّماً به؟ ألم يُفترّض خطاباً عن الهوية، القيم، المجتمع، التاريخ؟ إذن سيشعر المار خلال القيظ(الظل الموضوعي) بضربات الماضي السحق. ولا يجد واقياً من الأسئلة الحارقة دون أن تشتعل عدة مرات. للاستفهام خاصيته التي نُشتّم على أثرها رائحةَ الاحتراقِ، ولا نعرف مصدرها، ولا كيف نتخلص منها.
إذا كان لا مناص فالطريق يَنشق خلال تلك العبارة: دعْ الأسئلةَ تنطلقُ إلى مداها كيفما تشاء، ولا تحفر لها مقابر لتواريها. لا تأخذها إلى إجاباتٍ جاهزةٍ (2). فسأطمئنك إذا تَعثَرّت خُطاك: لن تهدأ الأسئلةُ أبداً، ولن تتوقف قبل أنْ تدفعك إلى حافة الجنون. حافة يصعب تجنبها دون عقلٍ مغاير!!.
نتيجة هذا يمكث التراث في منطقة المجاز، اللغة. منطقة غير متاحة للوعي بوضوح، فنسبة الافتراض أكثر من الحقيقية، والخيال يلفهاً جسداً وصياغة وامتداداً. فالتراث يُصنع أخيلته يومياً. ذلك لاعتبارات شتى:
أولاً: ينبثق التراث في اللحظة التي قد نتنكر فيها له. وهو كذلك حتى عندما يتنكر فيها لنفسه بحكم الزمن الماضي. إنَّه يقع في جوهر التفكير ذاته ولا ينفصل عنه. فإمكانية أنْ تفكر معناه إمكانية أنْ ترث والعكس صحيح. ووضعه تحت الاستفهام فحواه أنَّ السؤال يقف بنا - موضوعاً وأداءً- لدى الأطراف القصوى للتفكير.
ثانياً: كيف نترك أثراً، شرخاً، شقاً – قُلّ ما شئت- في بنية اللغة. الاستفهام لن يؤثر دون الأسلوب الحفري. عندما نسمح بتوالد جيناته(مواقفه). فالمهم احتفاظ خطابات التراث المتداولة بنطفته. ثم سيتكفل التاريخ باكتمال الجنين ورعايته والبناء عليه سلباً وايجاباً. واللغة ليست مادة غير قابلة للمس، أنما هي لغة نظراً لاحتفاظها ببصمات العابرين خلالها. العبور بها لا يتم بين يومٍ وليلةٍ بل يظل الإنسان عابراً طوال حياته، طوال تاريخه. فاللغة لا تتركه وشأنه طالما يستحيل تجاوزها. حين يظن أنَّه تجاوزها إنما يعْبُر وهماً داخله بينما هي بلا نهاية.
ثالثا: مُساءلة التراث ليست موضوعاً، إنها انفتاح فكري بخلاف الظن المتداول. انفتاحٌ هو انتظار وتجدد. فالنبات لا يُبذر ولا ينبُت ولا ينمُو دون حالة انتظار. ولن يتم ذلك ً من غير أفق يخترق كل آفاقنا المعهودة. فالتراث افتراض وانتهاك، قيد وكسر معاً. لأنك تقف مع تراثك في الآن الزمني وحين تساءله تغدو قادراً على التجاوز والترحال.
رابعاً: طرح الاسئلة يتيح فرصة الفهم أبعد مما نفهم، التحقق من امكانيات التراث الغائبة، لا بصورة مسبقة إنما كما هي في ثرائه الكامن. ربما يغير فكرتنا عن مكوناته، سنعرفه كما لو لم نعرفه من قبل، حينما ننصت إليه عن قربٍ حيوي. وتلك علاقة(حية) مع التراثات المضمرة فيه. لأنَّ التساؤلية استكشاف لأشياء عصيةٍ على الاستقطاب ولن يجدى معها التصنيف. فالاستفهامُ لا يصنف، لا يجدول القضايا في فئات زمنية. لعله ينطرح على نحو عاصفٍ، فإذا به يختبر تصوراتنا عما نألفه ونكرره.
* التراث يُولّد من المستقبلِ
إزاء فهم العالم يكتشفُ الإنسان العربي وجودَّه من خلال تراثه وتاريخه. لا ليندفع بعيداً إنما يحاول إنبات جذوره مرةً أخرى، منتظراً خروجها شبه كاملةٍ في "وضع قابل للتحقق". وهنا المفارقة: تبدو الأحداث والعلاقات التي ينشدها مُعَدّةً سلفاً، بينما هي ترمي نحو مستقبلِ التفكير. فقد تترقبهُ بوصفها حاضنة للعالم المتوقَّع مع قادم الأيام. وإذ يسعى الإنسانُ والمجتمعُ لتقريب تلك الصور، فإنهما يأخذان مكانهما من المستقبلِ، مثلما يفعلان ذلك بسببه على الأقل.
إنَّه المستقبل ذاته الذي يضمن درجات ذاك التحقق التراثي. الحالُ يتبلور في قولنا المألوف بضرورة اتساق المجتمع العربي مع ماضيه، وذلك عبر شرعية قيمه ومآثره أحياناً، وأحايين أخرى بواسطة مرجعية ثقافية توفر تبريراً كافياً لممارسة نفس الأفعال لاحقاً. هكذا يدفعنا المجتمعُ ضِمنيّاً لكي يصبح أفرادهُ حالات متماثلةً مع حالاتٍ التاريخ والثقافة ونطاق الإرادة العامة. القضية كما تساءل زيمل Simmel كيف يكون المجتمع ممكناً؟ How is society possible?، حيث يفهم الإمكان بشكل جذري، فالوعي بالمبادئ المجردة التي تشكل المجتمع لا يتأتى فردياً، لأنَّه وظيفة لا إدراك فقط، ودوماً الوظيفة لها طبيعة المجتمع ذاته(3).
صحيح أنَّ التراثَ – بمعناه المباشر- تَكوّن في الماضي، إلاّ أنَّه يكتسب امتلاءَه من المستقبل بطريقة أو بأخرى، نظراً للحاجة إليه مع الزمن الآتي. وهذه قضية بالغة الأهمية لفهم التراث ذاته. أقول مهمة لرسم خريطة سلطتهِ التي تتسع. لعلَّنا نفهم ذلك بفحص مدلولاته وأرصدته حين تلقى قبولاً عاماً، وحين يتم استدماجُها ثقافياً وفقاً للعلاقات السائدة فكرياً. و قد يستمر كذلك بما يَحملهُ من تقاليدٍ بفضل التربية إذ تشكل آليات لتلقين النماذج التاريخية، فضلاً عما يفعله التعليمِ من تخليقٍ للماضي مجدداً.
إنَّه "الخيال التراثي" عندئذ كتخليق للمستقبل بصورة ماضويةٍ (مستقبل ماضٍ). على سبيل المثال شكَّلَ هذا الخيال حضوراً طاغياً ضمن أنماط التفكير والاعتقاد داخل الثقافة العربية الراهنة. وإن لم يأتِ حضوره من صور افتراضية للمستقبل ما كان ليقترن بالممارسة الفكرية والاجتماعية والاقتصادية، وما كان ليسري في الأسماء والعبارات والشعارات والقوانين. لدرجة أنَّ هناك "استراتيجيةَ إزاحةٍ" إلى الأمام، يُخفِي بها سريانُ التراثِ نفسه واقعياً.
ويرتبط الخيال – إذا استعملنا مصطلح هيدجر- بسياسات الثقافة politics of culture، فالثقافة إضفاء للطابع الواقعي realizationعلى القيم العليا للإنسان بواسطة التنشئةnurture والتهذيب cultivation(4).
ففي الأخلاق يُقال - مثلاً- "كيف نأتي أعمالاً مشينة ونحن أصحاب الشهامة والفروسية العربية". العبارة ترتد بدلالتها إلى التمسك الزمني بما وجدنا عليه آباءنا. وداخل المجال السياسي مازالت الأفكار والممارسات السياسية ترتدي عباءةَ الدينِ في أشكالٍ رمزيةٍ. هناك مفهوم الجهاد، وهناك ألفاظ الأمير والسلطان والخليفة إذ تنشّط رصيداً خيالياً مرهوناً بالفكر الديني. وقد يَصرُخُ البعض بدولةِ الخلافة الإسلامية. حين ينهار بنا الواقعُ، تحت شعار براق "الاسلام هو الحل"(5). ويطالب آخرون بضرورة الوحدةِ العربيةِ، تعلُقاً بقبول صداها تاريخياً أثناء التحولات العالمية واستناداً إلى إحياء التراث الديني السياسي.
ليست تلك الشعارات عبارات طافيةً على السطحِ. هي غائرة الجذور بالوعي اللغوي– الوجودي، ومتعلقة أوثق التَعلُق بمحددات الثقافة العربية. بحيث تسمحُ هذه المرة بإطلاق العنان للتساؤل الجذري: كيف نفكر كعرب؟ أعني كيف نفكر داخل ثقافةٍ تقدم بهذه الوسيلة بديلاً مخدراً للمستقبل؟ ناهيك عن: لماذا نفتتح وجودنا السياسي الاجتماعي بواسطة اللغة؟ ولماذا عندما نفكر سياسياً وقت التحولات نعطي المستقبلَ مضمُوناً تراثياً؟ بصيغة أخرى: أية حقيقة وراء كون التراث رامياً بثقلهِ الناعم تجاه المستقبل؟.
لا تجري أسئلة كهذه إلاَّ للتفكير في عملية إلقائِها وأهمية التنظير لها. بحيث أن كلمةً كالخلافةِ مرةً ثانية، وهي كلمة قد ترد مصادفةً، تمثل مُفتاحاً أولّ لفهم التاريخ العربي(6). فهي ليست نقطة اللقاء بين الدين والدنيا وحسب، إنما هي كذلك رمز لسيادة الدين على الدنيا، ولممارسة هذه السيادة. لدرجة أنَّه إذ يتولى الحاكم منصب الخلافة يتصور كونه خلفاً للنبي بمعنى ما، وأنه قائم بأمر الله مؤتمناً على تنفيذ أحكامه(7). ما حدث أنَّ فعل التراث يُزيحُ الصورَ المعرفية للواقع. وعلى مداه البعيد يختلطُ بالحقائق ليُكّوِن الخلفيّةَ التي تأتي بها.
بالتأكيد لا يسمح بمرور أيةَ صورٍ إلاّ ضمن موافقته المعيارية. حيث تُوَقّع بعبارةٍ مأثورةٍ تتردد كثيراً "إنَّ مجتمعَنا مجتمعٌ عربي له قيمه وتراثه". وبالرغم من إنَّها لا تُنطق بنبرة الصواب والخطأ، سوى أنها تفيض باللغة. تجعلها في حالة تراكمٍ متواصلٍ. لتتكرر في سياق الحفاظ على الهوية، وبصدد اتخاذ مواقف حدية تجاه الحضارات الأخرى. وتُعمّم العبارة نفسها لتُطلّق إزاء الآخر المختلف عرقياً ودينياً. والتناقض الطريف أنَّها قد تقفز بالفكرة ذاتها على ألسنة أكثر الناس تمرداً. حين يتأملون حال المجتمعات العربية بوصفها حاملةً لأثقالٍ ثقافية صخريةٍ. اثقال من العادات والأعراف ممتلئةً بأشكال الذائقة الجمالية والتجارب الأخلاقية التي تكرس وضعاً نمطياً بينما هم يمارسون نفس الشيء.
إنَّ أسئلةً أُثِيرت وستُثار يمكن أنْ تقدم بعداً مختلفاً لفعل التراث. فالأسئلة "تقنية وجود" لكشف ما يبقى معنا من الماضي في أشكال ليست ماضوية. الأمر الذي يعود بنا إلى قراءة للتراث بوصفه أساساً يأخذ منحنيات توظيفه مستقبلاً. بالأدق مع توظيف المستقبل لخدمته من خلال طرائق التفكير العام. ولتلك النتيجة ساقان تسير عليهما.
الأولى: إعادة النظر في أفعال التراث كدوالsignifiers ذات معطيات لم تُقرأ جيداً أثناء معالجة قضاياه. وبخاصة حين تُقارّن بقضايا الحداثةِ. بمعنى أنَّه عادة ما يُدرَج على خطٍ يصلُ طرفين متناقضين:
التراث الحداثة
القديم الجديد
الأصالة المعاصرة
من ثم يحملُ ميلادَ التراث مبرراته المستمرة لا الماضية. الشأن الذي يجعله متزامناً، بل سبّاقاً بالاعتماد على وحدة الذاكرة والوعي العربيين إلى تغطية المستقبل. وتلك الساق خاصة بفهم وضعية التراث ضمن حدود التفكير مهما يكن نائياً. ولن يتم ذلك دونما استفهام له جرأة الطرح والتعرية والتجذر والتذرية والغربلة.
الثانية: بلورة مضامين فلسفيةٍ للتساؤل. تحديداً لطرائق التساؤل في إطار تلك المشكلات. والطريقة ليست إلقاءً لهاتفِ الاستفهام وكفى، بل كتابة نص استفهامي يتوغل في موضوعه، ليكون أكثر التصاقاً بتحولاته. فوق ذلك يتيحُ رؤيةً منهجيةً تزج بمسلماتنا الفكرية قيد الفحص، وتصهر الأسئلة - قديمةً وحديثةً وممكنةً- في إطارِ العملِ. من ثم لن يعدُّ التفكيرَ تراثياً قدر ما يكشف نفسه ويُظهِر محددَّاته. وتلك خاصية جوهرية للسؤال، هي تنطلق من أداء استفهامي يتعمق "تراثية التراث"(8) ليقرأ "تراثية المستقبل".
* تراثية التراث
وفقاً لتراثية التراث نأخذ الآن كلَّ ساقٍ ونعرف ما إذا كانت صلبةً أم لا، حتى أُثبِت حقيقةَ النتيجةِ الفائتةِ، ولأُثبِت أنَّ صوراً للتراثِ في أغلب الخطابات الفكرية ذات وضع خاطئ منذ البداية. فما كان هذا الوضع- مثلاً - لدى "عابد الجابري" و"محمد أركون" و"حسن حنفي" إلاّ أنْ أصبح عِبئاً معرفياً، ولم يفهم حقيقة التراث فهماً خصباً. فيُشار مبدئياً بذات الخطأ أن التراث من إنتاج فترةٍ زمنيةٍ تقع في الماضي وتفصلها عن الحاضر مسافة زمنية ما. حيث تشكلت خلالها هوة حضارية فصلتنا ومازالت تفصلنا عن الحضارة المعاصرة. ومن ثم ينظر إلى التراث على أنه شيء يقع هناك(9).
هذا إدراج غير دقيق للقضية، فليست أين ومتى أُنتِج التراثُ كما يذهب الرأي، إنما في تشكيل صورته، وإلى أي مدى أصبحت صورة عصيةً على النقد؟ وكيف يتمّ إفرازها آلياً في كل موقفٍ مستجدٍ؟! والمضمون الذي لم يدركه هذا الرأي أنَّ التاريخ يأخذ تكوينه وتراكمه مع عمليات التكرار الحاكمة لنمط التفكير، حتى وإنْ كانت مصادره ونماذجه بعيدة الزمن، وبمنأى عن تناولنا الآن. بل لن تكون ثمة حقيقة لهذا التراث إذا لم يكن قابلاً للاستعادة مجدداً. أيضاً الرأي السابق يضمر تناقضاً، لأنَّ ترك التراث كجانبٍ زمني على أنَّه مثال فقط لا يمس المشكلة فعلياً، إنما يخضعها لمنطق التصنيف.
ففي العلاقة بالتراث العربي تُشكِل صورتهُ دائرةً شبه مقفلةٍ. إذا أردنا نظراً إلى الماضي، نجدها قد كونت إطاراً يحكم الرؤيةَ من هنا إلى هناك، وحين نتجه إلى الزمن القادم، نراه يتيح حلولاً وتبريرات قديمة من هنالك إلى هنا. وسيعطينا آليات للتعامل مع واقع مختلف، إنَّه سيتحدد مع كل ممارسةٍ جديدةٍ أو نتصورها كذلك، رغم الاعتقاد بكونه مطروحاً قبلاً بشكل القطيعة كما أُشير. من ثم كان التراث أكثر حضوراً من الحداثة ذاتها. المفارقة أنَّه يشكل دلالتها وفقاً لرواسبه المنتشرة.
- لأنَّه يعطينا نظرةً تقييميةً لموضوعاتنا؛ أي يُحوِل المستوى الابستيمولوجي إلى جانب قيمي. وهذا لب المشكلة في تلك العلاقة الشائكة. ولأنَّه يشبعنا حنيناً إلى الأصول والجذور، فقد يتسرب هذا الإشباع تعاطفاً ورغبةً في اليقين أكثر مما يطرح نفسه أمام القراءة الفاحصة.
- يشكل في وعينا موضوعاً ومعياراً للحكم على كل الأشياء. وقبل ذلك يسري الحُكْم عليه أيضاً، فما كان إلاَّ أن جرفنا نحوه على أساس امتيازه الزمني.
- يرسم أُفقاً للإطلالة على الحاضر والغد. وظهر ذلك مع الصورة النمطية للتراث العربي، هذا التراث الذهبي البراق. بحيث يصح القول إن نموذج الواقع الموروث تخطى بتلك الإطلالة الواقع الفعلي ذاته. لقد نسج مفاهيمه كي تمثل مظلةً لما يأتي. فتقابلنا عبارات مثل" تطبيق الشريعة"، "لا يصلح أخِر هذه الأمة إلاَّ بما صلُح به أولُها"، "السلف الصالح" و" الخلف الطالح". وهى عبارات مثقلة بمحمولات دلالية، وتشكل نصوصاً لا كلمات. مثلما لا تنم أيضاً عن الوعي بحدود التراث. وإن دلت في سياق أو تالٍ على شيء، فإنما تدل على قلب القادم إلى تراثٍ.
مع ذلك يعتقد الجابري أنَّ التراث العربي الإسلامي "مجموعة عقائد ومعارف وتشريعات ورؤى بالإضافة إلى اللغة التي تحملها وتؤطرها، تجسدَّ إطارُها المرجعي التاريخي والأبستمولوجي في عصر التدوين (في القرنين الثاني والثالث للهجرة) وامتداداتها التي توقفت تموجاتها مع قيام الإمبراطورية العثمانية في القرن العاشر للهجرة(السادس عشر للميلاد) أي مع انطلاقة النهضة الأوربية الحديثة"(10).
هذا القول يصور المعطى التراثي وكأنَّه تشكّل مرةً واحدةً وإلى الأبد. هناك فكرة علينا تقبُلها حتى يكتمل أي تعريف: أنَّ التراث لا ينقطع عن التشكُّل تجاوزاً للحظة ما بعد الراهنة. هذا ما يؤهله إلى التدخل مستقبلاً في حياة الإنسان. أيضاً ذلك يجعله غير قابل للالتئام مع أصوله. إنَّه في أتون المفارقة غير القابلة للحسم، وبهذا يمكننا النظر إليه والافادة منه. السبب أنَّ هناك تراثات أخرى مبثوثة في تضاعيفه، ومنفصلة عنه في أعماق أطرهِ وصورهِ المُحكمةِ. تراثات قد تَنكشف تحت فاعلية الاستفهام عندما نطرح مثلاً: كيف جرت "تراثية التراث"؟ وعلى غرابة السؤال فإنه يعد سؤالاً مستقبلياً بالأصالة. إنه الاستفهام الذي يتكون على هيئة إعادة بناء لتاريخية التراث ذاته(11).
في نفس الوقت، قد ينطلق سؤال كهذا تحت غطاء تراثي يحدد رؤيتنا تجاه قضايا الحداثة. فكثيراً ما نقرأ خطابات فكرية تتضمن أقوالاً كهذه: "ضرورة الأخذ بأساليب الحداثة الغربية"، "ضرورة مواكبة التطورات الراهنة في العلوم والتقنية". وهي أقوال تتناول الحداثة بمنطقٍ تراثي على نحو معكوس، حيث تقلب الحداثة إلى تراثٍ. مناط الأمر أنَّه سيكُون موجوداً في منطقة ليست عربية. فيتم استعارة أصول المعارف المتقدمة. ثم تتلقى هناك دعوة مضمرة بفضل "تراثية التراث" إلى تخزينها وقولبتها على غرار ما ورثناه.
هذا الأداء التحليلي دفع الجابري وغيره لأنْ يضع التراث على مرمى الحداثة. في محاولة لإحداث تلاقُحٍ أو التقاءٍ من نوعٍ معين، فتكون الحداثةُ رسالةً من أجل التحديث. أي تحديث الذهنية، تحديث المعايير العقلية والوجدانية. وإذ ذاك عندما تكون الثقافة السائدة ثقافة تراثية، فإن خطاب الحداثة فيها يجب أن يتجه أولاً وقبل كل شيء إلى "التراث" بهدف إعادة قراءته وتقديم رؤية عصرية عنه(12).
لكن السؤال: كيف نقدم رؤيةً عنه وهو حالٌ فينا؟ بل كيف نفعل بينما نعيد إنتاجه يومياً؟! سؤال لم يجب عنه الجابري دون أن يعطينا أفكاراً يختلط عليها المفاهيم بالأسئلة الجوهرية. فالسؤال موقف أنطولوجي (ما، ماهية) داخل أبنية "تراثية التراث"، لكي نحدد كيفية تلك الإعادة. وهو الوعي بما للتراث من تحولٍ ومجيءٍ مرات لا تنقطع، بحيث تُعدُ حركته السرية تلك أكثرَ إلحاحاً من القادم نفسه.
من جانبٍ آخر، هناك من نظر إلى التراث باعتباره الحياة الآن في صيغة الماضي. فنحن "نعمل بالكندي كل يوم، ونتنفس الفارابي في كلِ لحظةٍ ونرى ابن سينا في كل الطرقات ونحن نظن أننا نبحث عن الرزق ونلهث وراء قوتنا اليومي"(13).
غير أن صاحب الرأي السابق سرعان ما طرح ذات الوضع الخاطئ للمشكلة. يعتقد "أن البداية هي التراث... التراث هو نقطة البداية كمسؤولية ثقافية وقومية"(14). كأنَّ هناك بداية ونهاية، ماض وحاضر في الوعي بالتراث. وهذا الرأي فضلاً عن أنَّه إساءة قراءةmisreading يطرح تقسيماً قشرياً تدحضه "تراثية التراث" التي تستعيد حقيقتها باستمرار، وفي عين الوقت لا يفهم ظاهرة التراث فهما يوازي نموها، كما لا يواكب تحديد صورتها.
لذلك كلما حاولنا معرفة البداية كان ثمة تأصيل لما هو غير قابل للتأصُل بالمفهوم السابق. لأننا نتحدث بمنطق التراث ذاته. أي بمنطق التصنيف البدئي الذي لا نمتلكه لأنَّه غير موجود. وبذات المفهوم حولنا الحاضر إلى معيارٍ، بينما هو جزء من المشكلة. عموماً كانت آلية تعاملنا مع التراث –طبقاً للرأي السالف- هي التجديد إذ يمثل إعادة تفسير لما هو تراثي طبقاً لحاجات العصر. فالقديم يسبق الجديد والتراث ليس قيمة في ذاته إلاَّ بقدر ما يعطي نظرية علمية في تفسير الواقع والعمل على تطويره...هو نظرية للعمل وموجه للسلوك وذخيرة قومية يمكن اكتشافها واستغلالها واستثمارها من أجل إعادة بناء الإنسان وعلاقته بالأرض(15).
نلاحِظ على هذا الرأي ما يلي:
أ‌- بروز النبرةِ الخطابيةِ التي تتخللهُ. كأنه ينادي بجموعٍ الناس لتأكيد ما هو مؤكد لديهم. والنبرة الخطابية، وليست التساؤلية، نبرة مخدرة على مستوى العاطفة لا العقل.
ب‌- يكرر المطروح مراراً بقولهِ: القديمَ يسبقُ الجديد. ويردد نفس الشيء معتبراً التراث العربي قيمةً في ذاته. وليس أدل على ذلك من مخافة إطلاق التساؤلات عبر مناطق التقديس فيه.
ت‌- العزف على وتر الاحتشاد القومي والنعرات الجذابة التي سرعان ما تنطفئ بمجرد أن تمس الواقعَ المعقد. هذا الواقع الذي لا يوجد بينه وبين التراث أي فاصل.
ث‌- إعادة الثنائية التقليدية (التراث–الجديد) إلى حيز التفكير. ليس المعضلة في ذلك، إنما الحل المطروح هو الذي يجتر المشكلة مرة ثانية، ويدفعها دفعاً إلى الأمام. وإذ ينظر القارئ إلى الوراء باحثاً عن شيء يقف التراث ماثلاً أمامه في المستقبل.
ج‌- كيف يمكن أنّ يصبح التراث نظريةً علميةً؟ سؤال جذري وحدّي، يورط هذا الرأي في "تراثية التراث". وبخاصة عندما يدعم وجودها فهمٌ غير صحيح لمصطلح العلم، حين يُلصق بكل معرفة دون تدقيقٍ، بينما لا يصح إطلاق لفظ العلم على كل المعارف بتلك الطريقة على الأقل من وجهة نظر تحديثية.
أما الساق الأخرى، فهي بلورة مضامين فكرية للسؤال كنص بالتكوين الذي مرّ مع "تراثية التراث" منذ قليل، وسيتمُّ ذلك بالتأكيد على بنية الاستفهام كرؤية فلسفية. وهي بنية لا تعني فقط دلالة الإلقاء خلال الأساليب التي تتبلور له، بل ترتبط بحدود الاستفهام ومحمولاته المستمدة من نسيج التراث بوضعه الماضي- الراهن. فيصعب معرفة حالة السؤال من غير حركةٍ راهنةٍ؛ أي دونما شيء راهن تتوافر جذوره العميقة، والتي قد لا نصل إليها مباشرة. وأمام ذلك لا تسهُل حتى معرفة هذا المستقبل التراثي، على اتساع ممارساته، بمنأى عن الأسئلة الجذريةٍ.
* خطاب الأسئلة
لعلّها أسئلة مُركبة تخْطو في عمق التراث المعِيش، لا الماضي فحسب. بالتالي فالأسئلة تحددُ لنفسِها عدة اتجاهات:
الاتجاه الأول: رسم الصورة الفاعلة للتراث كوعيٍّ مستعادٍ دوماً. ثم تحليل كيف يأخذ سمات الحاضر ويضمن ظهور أفعاله مستقبلاً.
الاتجاه الثاني: تتبع تاريخيته وتراكمه كمتصل يلتقي ما يدعمه ويدفعه كي يحقق مضامينه.
الاتجاه الثالث: تقريب إمكانية الأصول التراثية باختلاف أنماطها. أي ما الذي جعلها ممكنة في التاريخ، ولماذا أخذت معالمها بهذا الشكل أو ذاك؟ وما علاقتها بحقائق الثقافة وتكوين الصور العامة للحياة؟
الاتجاه الرابع: رصد الانقطاع والاتصال في أفعال التراث. وما الذي يضمن التقارب بين عناصره، وما الذي يدفع بزخمه كتجارب شكلية تعبر هنا أو هناك عن مضمونٍ واحدٍ؟.
قد تزيد أو تنقص هذه الاتجاهات المتشابكة. الأسئلة تبرز معطياتها بحثاً عن دلالات مختلفة. ذلك بأنْ يعدلَ المستفهمُ صياغاته في ضوء طبيعة الموضوع ذاته؛ أي استعمال كل الطرق الممكنة وفقاً لتحولات "تراثية التراث". وأنْ يغير مفاهيمه التي تكونت عن الأشياء في أحايين كثيرة، عندئذ له أن يُطرح أهمية ذلك العمل حتى بصدد فهم التراث من حيث المبدأ، فعندما ينطلق معنى مغاير له يمكننا ربط كل حلقاته دون ابتسار، حينها نستجلي أطوارَه وترسُباتَه.
يأتي أقربُ توضيح لذلك من المادة المعجمية للتراث، وهي "ورث"، ومنها الإرِثُ والورِاث والإراثُ والتُراثُ(16) ، وأياً كانت التفسيرات الصرفية أو النحوية، فإنَّ هناك فكرة فحواها أن التراث ينقل تاريخاً ممتلئاً بذاته، ثم يُظهِر هذا الأخير عمقَ التراثِ كفعلٍ إذا كان ذا قيمة، فكأنَّ كل شيء قد اُسقِط تاريخياً إلاَّ ما يُورّث، بامتلاء الزمن نفسه، ويشير إلى اتساعٍ مترامٍ لا محيط له حاضراً ومستقبلاً على اختلافه واحتمالات وجوده التي قد لا تنقطع، والتي لن تكون مؤصلةً بالضرورةِ.
سيجد هذا المفهوم توضيحاً من جوانب أخرى تباعاً، لكن بلوغ فعل التراث إلى المستقبل يكشف عن أنه لا يعود نقياً ولا خالصاً. وذلك بحكم إمكانية تعلُّقه بعمل الذاكرة، إن لم يكن يتجسد في ذاكرة مترامية الأبعاد في الثقافة العربية. ذاكرة تنم بؤرتها الرئيسة عن السير عكس مسار التاريخ. ذلك نظراً لوجود تاريخ مقلوب في المجتمع العربي.
فالمعروف أنَّ التاريخ له جانبان، أحدهما أفقي والآخر تراكمي أو تصاعدي. وإذ هما يشكلان الزمن، أو ما يسميه هوسيرل "الوعي بالزمن"(17) ، فإنّ التاريخ في الثقافة العربية رأسه في الماضي بينما تقع أطرافه في المستقبل. بسبب أن حضور المعنى، الحقيقة، موجود بكل كثافةٍ في الماضي. إنَّه الماضي في انفتاحٍ لا يهدأ ولا يغلّق. لقد وصل التاريخ العربي إلى نهايته قبل أنْ يأخذ طريقه صاعداً، وحتى قبل أن يبلغ أهدافه استطاع بلوغ مستقبله. بل إنَّ مستقبله كما أكدت يُؤخذ من ماضٍ مازال يُراوح معتقدات وأعمال الإنسان العربي.
لأنَّ عصر النبوة الأول، ودولة الخلافة الراشدة، هما النموذجان المثاليان اللذان يضخان الذاكرة في جميع العصور. أما دونهما فيبقى العالمُ في طور العود المستمر، في حركةٍ راجعةٍ إليه. وتلك الحركة هي ما ترسخ "التاريخ المقلوب". لكن هناك سؤال حول هذا التاريخ: كيف كان يدعم وجوده، وبأي شكل امتد بأطرافه؟! إنَّ الاستفهام بطريقته الزمنية يبرز آلية هذا الوضع المعكوس كالتالي:
1- يوتوبيا المثال.
ترتبط مفاهيم التراث ومبادئه بمثالٍ تحقق دفعةً واحدةً في صدر التاريخ العربي. مثال اقترن تبعاً لماهيته الاحساس بالعجز عن بلوغه. حيث يستحيل القيام بتلك المهمة بواسطة أي عملٍ تالٍ، ما لم يكن متمثلاً بتفاصيله أو بمدلولاته الكلية. وأنّه حين يُوضّع مُوضِع الاحتذاء يجذب الحاضر والمستقبل كقوة مركزيةٍ لا مناص منها مقارنةً أو تمثيلاً أو سيراً على نفس الخُطى. بالتالي مسافة الاستفهام غير موجوده. فإذا كان أيُ سؤال يحتاج عناية بعمل الزمن فقد أُلغي فعل الزمن سلفاً، وكون المثال معلقاً يحول دون نزوله إلى أرض الواقع، أرض الأسئلة.
2- النموذج الغائب.
مع وجود المثال الأعلى, يبقى هناك دور التطبيق الحرفي له. يجري هذا بواسطة تقمص النموذج. فيغدو التاريخ تشوفاً للاتحاد به أو كما يوضح المصطلح العربي "اقتفاء الأثر". بل لقد أُطلِق على الموروث الديني كلمة الأثر في سياق التدليل على سلوك يُبّتُ في تبريرهِ أو ترجيحهِ فقهياً. وقد تناثرت العبارات لدى بعض الفرق الإسلامية بنفس المعنى، مثل "المهدي المنتظر" و"الإمام الغائب" و"الحاكم العادل". ثم انحرف المعنى نحو خلق نماذج مشابهة ضمن ميادين التفكير والممارسات الاجتماعية والسياسية حتى أمسى سلوكاً يومياً ومعرفياً.
وعن طريق الايمان بهذا النموذج بات معروفاً ما ليس معروفاً. وظل مضمونه أو وضعه فارضاً للقيود على أي استفهام ينال منه. ولغياب الأسئلة التأسيسية حوله بقي في حقيقته مجهولاً. بل أفرز كما لا بأس به من الإجابات الجاهزة إزاء تحوله وإتيانه في التاريخ. فهذا الأخير أصبح كالكلمات المتقاطعة حيث يشكل النموذج الغائب خاناتها الفارغة، ثم فرض علينا ملؤها من خلال الخانات المعطاة.
3- استعارة الماضي.
في حالة العجز عن العثور على النموذج أو استنساخه، لا مفرّ من استعارة الماضي. كما حدثَ في مجال الأزياء ذات الطابع الديني وهي مؤسسات رمزية، تنقل عن طريق الشكل نمطاً حياتياً بعينه له قيمه ومعاييره التي تبحث عن مشروعيتها. وأما الاقتناع بهذا النموذج فيجعل المستقبل ضامناً لها. إن لم يكن بالفعل فبالقوة، مما يفسح المجال آجلاً لتراثية التراث. هذه الفكرة تصادر على الموقف الاستفهامي. لأنَّ السؤال لا يسلم تسليماً مجانياً بماضٍ مطلق. والسؤال بطبيعته يخرج عن إمكانية الاستحواذ على المعنى، هذا الذي يناله العيش في الزمن الفائت لاحتمال استعادته ثانيةً.
4- الحقيقة الضائعة.
أثناء البحث عن المثال، تجتذب الحقيقة بمعناها التراثي تطلعات الأفعال وأهدافها في الثقافة العربية. لذلك هناك بعض الخطابات قد أخذت منحى التشدد ولاسيما في المجال الديني. حيث يبحث أصحابُها طوال حياتهم عن حقيقةٍ ضائعةٍ. لا هم يستطيعون إيجادها ولا يستطيعون الحصول عليها ولا يذهبون وراءها. وبالتالي يتحدثون بمنطق الضياع. كل شيء ضائع، ضياع القيم والأخلاقيات، وضياع التاريخ. حتى حين يقيمون الحضارة المعاصرة، فإنهم يعتبرونها قد ضيعت الإنسانية، فضلاً عن أنها أضاعت الحياة والآخرة!!. وتلك الحقيقة تمثل من وجهة نظر الاستفهام إجابة جاهزة. إجابة آلية من أناس كالربوتات لا تفهم لكنها تتصرف وفقاً لما بُرمجت عليه.
5- النبوءة المقدسة.
يرتبط جوهر "تراثية التراث" باعتبار السلوكيات وأنماط الاعتقاد نبوءاتٍ ذات مضمون يشتق من الكيانات المقدسة، ويُلتمس من وجودها مثل الأشخاص والأحداث والمذاهب. وهذا يفسر المكانة السامية التي يأخذها فقهاء في تاريخ الدين. وانعكس ذلك علي طريقة التفكير إزاء المشكلات في كافة مناحي الحياة. والتساؤل بمنأى عن هذا الطريق، لأنَّه لا يقدس ولا يخرج عن مبدأ النسبية. فأنْ تطرح سؤالاً يعنى محاولة النظر عن قرب لموضعه. بينما التقديس يقول باللامساس، إنَّه دائرة المحرم(التابو) في شأن الاقتراب منه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
1- أندريه لالاند، موسوعة لالاند الفلسفية، الجزء الثاني( H- Q)، ترجمة خليل أحمد خليل، منشورات عويدات، بيروت باريس، الطبعة الثانية2001. ص 1094.
2- أمام الأسئلة المتعلقة بالتراث العربي هناك إجابات تُضخِم صورته، مثل عبارة التفاخرِ: إننا كعرب نمتلك أعظم تراث عرفته البشرية. وهي ترد بهامش مسألة كيف نقرأ التراث؟!. وبخاصة أن الأسئلة تمنع الترجيح المسبق للأفكار. والعبارة موقف سلبي أكثر منها استحقاقاً لصفة التراث العظيم. يقول الشاعر: لئن افتخرت بآباءٍ ذوي شرف فلقد صدقت ولكن بئس ما ولدوا!! والقضية هنا مهمة، لأن الاستفهام يُعاوِد طرح نفسه نقدياً من خلال اللغة. وبالتالي لا إجابة واحدة تستوعبه، كما يجب السماح بطرح كافة الأسئلة دون محاذير. أما الإجابات التي ترجح انزلاق السؤال هي إجابات هشة تخلفُ وراءها معنى هشاً نتيجة افتراض ضمني: أنها إجابة كافية شافية، بينما هي غالباً إجابة خادعة، وتُجهِض الطريق الذي يشُقه الاستفهام بواسطة تجديد الوعي بموضوعهِ، وهذه الإجابات ترجع إلى سلطة التفكير التقليدي، والاتجاه المهيمن في الثقافة العربية إلى التقديس، وعدم القدرة على النقد لأنها في جانبٍ كبيرٍ منها ثقافة تلقين وإجابات جاهزة.
3- Geoge Simmel, On Individuality and Social Forms, Selecting Writings, Edited and With an Introduction by Donald N. Levine, The University of Chicago Press, Chicago and London, 1971. P8.
4- Martin Heidgger, The Age of The World Picture, in: The Question Concerning Technology, And Other Essay, Translated and With an Introduction by William Lovitt, Harper Torch Books, New York, 1977. P116.
5- اللغة تؤسس لعملية تمثيل ومحاكاة simulation خلال سياق التواصل. ذلك بحكم قوة تأثيرها على الافراد عن طريق محاولة فهم أنفسهم لبعضهم البعض. وبخاصة أنَّ اللغة تحمل خطابات قديمة كشفرات للثقافة السائدة، من ثم تنضح بمخزونها التاريخي. وبالتالي حين تتم عملية الفهم يكون محتوى الأفكار حاضراً ومؤثراً في كل عملية تمثيل.
Jane Heal, Mind, Reason and Imagination, Selected Essays in Philosophy of Mind and Language(Cambridge studies in Philosophy) Cambridge University Press, New York 2003.PP 45- 46.
6- هناك كلمات تنطوي على قوى فوق دلالية مثل كلمات الخلافة والشريعة ومشتقاتهما. وهي تنم عن تصور فوق طبيعي للغة، بتعبير رسل "كلمات من عصور مبكرة ذات خلفيات تاريخية، كأنها موضوعات تتمتع برهبة خرافية supersititious awe، فالإنسان مثلاً الذي كان يعرف اسم عدوه يمارس قوى سحرية magic powers عليه".
Bertrand Russell, An Inquiry into Meaning and Truth,(The William James Lectures For 1940), Penguin Books, London, 1962. P 21.
7- على أحمد سعيد (أدونيس)، الثابت والمتحول، بحث في الإبداع والإتباع عند العرب، الجزء الأول، دار الفكر، بيروت، لبنان 1986. ص1.
وبمناسبة كلام أدونيس قد يتشبث الاستفهام بكلمةٍ واحدة ليدلف التساؤل إلى وضعية الكل الذي يضبط إيقاع التفكير في القضايا الحياتية والممارسة العامة. وهو ما يمكن ابرازه في الصفحات التالية. لكن تعد الكلمات وحدات نصيةً. لو خضعت للمساءلة، فإنها تجر كافة التراث العالق بها، وصولاً إلى القانون الرمزي المرتبط بالكل الثقافي. وتلك محاولة تساؤلية لأنَّها تبحث عن الحقيقةَ وراء الوحدات النصية ككلمة الخلافة، والسياسة الشرعية، أو السلطان أو غيرها. ولكن لا يتم ذلك بطريقةٍ سهلةٍ، لابد من تصورات متماسكة عن اللغة والوجود والتاريخ والثقافة.
8- "تراثية التراث" مصطلح يقوم على مفهوم التراث كمخزون روحي وثقافي وحياتي يؤصِل نفسه. والمُلاحِظ برغم اشارة التراثَ إلى الماضي والتاريخ بحكم التعريف، إلاَّ أن هناك فعلاً باقياً له، وهو المتمثل في مشروعيته التي تتجدد تلقائياً مع الأفعال والظواهر الاجتماعية والأخلاقية، ويتم على أثر ذلك الاعتراف بوجوده الحقيقي راهناً ومستقبلاً، وربما هذا هو السبب الرئيس الذي دفعني لربطه بالمستقبل. كما أن هناك إلحاحاً جماعياً لدعم الوجود الثقافي، فكان لابد من الاستنادِ إلى عمقه الممتد. وتعد تراثيةُ التراثِ هذه حقيقة تضاف إلى التراث ذاته، لأنها إمكانيته وأهميته التي تضمن وجوده. لكن ما حدث أن تبقى تلك التراثية حاضرة بقوة، لدرجة أنها تواصل تبرير المستقبل. والتراثية بهذا الشكل تتحول في بعض المجتمعات إلى وجود مستقل بذاته، وهنا تنشأ الأسئلة المتعلقة بالنشأة والتكوين والمبررات.
9- محمد عابد الجابري، التراث والحداثة(دراسات ومناقشات)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة 2006. ص31.
10- المرجع السابق. ص30.
11- إذا طُرح سؤال حول "تراثية" التراث العربي، فهو استفهام يطرح جذور نزعة تراثية تجعلنا نتمسك بالتراث كموقفٍ معرفي، كما أنه يتطرق إلى جعل التراث مفهوماً وقابلاً للمعاودة حتى أخذ هذه المكانة، وما إذا كان تراثاً حقيقياً أم لا؟! وكيف نفصلُ بين ما هو تراثي وما هو غير تراثي، بحسب قناعتنا التاريخية والفعلية به؟! وبذات الوقت كيف تَشكّل؟ وما هي الخيوط التي تؤلف نسيجه؟!
12- المرجع السابق، ص17.
13- حسن حنفي، التراث والتجديد، المركز العربي للبحث والنشر، القاهرة 1980. ص14.
14- المرجع السابق، ص9.
يؤخذ على هذا الرأي أنه يجتذب القارئ بكلمات مؤثرة من قبيل " التراث هو البداية" و" التراث مسؤولية". كلمات تنم عن غياب رؤية فلسفية متماسكة، بينما تعتمد أدواتها وأُطرها على الدلالة التعبوية بشكل مكثف. ويمكن النظر إلى هذا الرأي- بجانب الانتقادات المطروحة في المتن- من ناحيتين. أولاً: كونه لا ينفصل عن اللهجة العامة للتعبيرات التي تُطلِقها الخطابات الفكرية في تلك الحقبة للتذكير بقضايا مهمة للثقافة العربية سواء مع الماضي أو مع الغرب، ولا أدل على ذلك من أن صاحب الرأي المذكور ألّف كتاباً بعنوان "مقدمة في علم الاستغراب". وهو بالمناسبة لم يفعل شيئاً سوى أن وضع الغرب كموضوعٍ للدراسة، وكأن الغرب أصبح مجالاً لرد الاعتبار المنزوع منا تاريخياً دون أسئلة جوهرية حول كيفية التقدم الحضاري، والأمر تمّ أيضاً بدون كيفية فهم الوضع الحضاري للغرب. ثانياً: كون هذا الرأي مساهمةً في زيادة الأصوات القارئة للتراث، فهو لون من الانخراطِ في ذلك الزحام.
15-المرجع السابق، ص9.
16- ابن منظور، لسان العرب، المجلد السادس، قدم له عبد الله العلايلي، أعده يوسف خياط، دار الجيل، دار لسان العرب، بيروت، لبنان 1988. ص907.
17-معروف أنَّ الوعي بالزمن يمكننا من ترتيب أحداث التاريخ، واكتشاف صورته المعرفية وبالتالي اكتشاف معناه وحقيقته. ولقد نفى هوسرل أن يكون هناك زمن موضوعي، فالزمن دوماً مرهون بالوعي، وبذلك يعد الزمن جزءاً من التاريخ أو بالأحرى من تاريخية الوعي الذي ينمو بالزمن، ويدرك موضوعاته في حركة الزمن نفسه لا خارجه، وتلك العلاقة بين الزمن والوعي والتاريخ نوه إليها هوسرل في أكثر من كتاب له سواء صراحةً أو تضميناً. ففي كتابه "بحوث منطقية" حين يحلل اللغة يتحدث عن التعبيرات وهي تحمل زمنها في الدلالة على المعنى، وبذلك يمثل التعبير بالإضافة إلى معناه وعياً بالزمن.(Edmund Husserl, Logical Investigations, Translated by J.N. Findlay, Routledge and Kegan Paul, London.1970.)
وأشار إلى نفس القضية من جوانب أخرى في سياقاتٍ متباينةٍ، وبخاصة معالجة صورة الأشياء والموضوعات في الوعي، وهو الإطار الذي يمثل جوهر فلسفة هوسرل المسماة بالفينومينولوجيا.(Edmund Husserl, Idea 1, Translated by W.R. Royce Gibson, Macmillan, London,1962.)
غير أنَّ هوسرل خصص مساحةً أكبر لهذا الموضوع في كتابٍ مستقلٍ ناقش فيه أصل الزمن، والنظريات الدائرة حوله، و الوعي الباطني بالزمن والموضوعات الزمنية.( ادموند هوسرل، دروس في فينومينولوجيا الوعي الباطني بالزمن، ترجمة لطفي خير الله، منشورات الجمل، بغداد – بيروت، الطبعة الأولى2009.). أما سبب استخدام هذه الفكرة، فذلك أن الوعي تاريخي، ويجب أن نضعه في سياقه، وهو الأمر الذي يفيدنا في رسم صورةٍ تقريبية لموضوعات التراث هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى فإن تكوين التراث تاريخياً قد موضّع المقدس أيضاً متجسداً في حقبةٍ أو جماعةٍ بشريةٍ أو حدثٍ من الأحداث.