الحُور والخُمور: الدين كرغبةٍ قُصوى

سامي عبد العال
2016 / 10 / 14

هل هي مصادفة تلك الوعود للانتحاريين بأنهم سيعاقرون الحور والخمور في الجنة؟ لقد وجدت وثائق تركها الدواعش في المدن العراقية التي دحروا منها تقول: من يحفظ بعض سور القرآن سينال جائزة ثمينة. الجائز كانت فتاة جميلة يظفر بمعاشرتها. وهي إحدى الفتيات اللائي وقعن في السبي نتيجة معاركهم. المكافأة الجنسية مقابل نص لغوي مقدس. وليس ذلك إلاّ عملاً على منوال الوصف الشهواني للجنة. فكان تلقائياً أن يأتي نموذج النعيم(المتعة) على هيئة ضحية بائسة توهب لعلج عتيد. ليس له أدنى أهمية سوى حفظ إحدى سور القرآن. كما أنَّ الواقعة قد أحالت النصوص إلى غرائز وأبرزت التصورات الجنسية كوسائل دينية.
لكن... أليست فكرة الثواب والعقاب قائمة على هذه المسألة؟ فالنار والجنة مقولتان شهويتان نفوراً ورغبة نحو حياة أخرى. كما يقول الموروث الاسلامي: إنه من الضروري وجود الايمان القائم على الترهيب والترغيب. وهذان الأخيران لا ينشدان غايتهما دونما رغبات قصوى تختلط بالروح والجسد. من ثم كيف يتعامل الدين مع الحياة على الجانبين كموضوع للغياب الحسي عن الحاضر. الغياب الذي يوفره الامتاع سواء بفعل التخدير أم نتيجة الشهوات الحسية. ذلك الحال يقتضي – بخلاف تناقض الاديان والأيديولوجيات- شرح هذه الأرجوحة كي تفسر طبيعة الدين نفسه. فليس الامر كما سنوضح: ما إذا كان الدين الإسلامي يحرم الزنا والخمر أم يعد بنيلهما بمجرد الموت.
مبدئياً هناك اشباع خيالي حول الشهوة الحسية في الاسلام... جاء الكلام منسوباً إلى رسوله في حديث شهير " لو أن امرأة من نساء الجنة أطلت إلى الأرض لأضاءت ما بينهما ولملأت ما بينهما ريحاً". وعنه قيل أيضاً.. " يُعطى المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا من الجماع، قيل يا رسول الله أويطيق ذلك؟... قال يعطى مائة". والنتيجة المحتملة كما يقول رسول الاسلام أيضاً: " ما من أحد يدخله الله الجنة إلاَّ زوجه اثنتين وسبعين زوجة. اثنتان من الحور العين وسبعون من ميراث أهل الجنة". كما أن هناك في الجنة أنهار من عسل مصفى ومن خمور رقراقة كالنور. هذا العالم المؤجل من الشهوات لا يوازيه-كما يقول الدين- إلاَّ نزع فتيل الغرائز الحسية. ولو قارنا بين أحوال الدنيا وملذات الأخرة لكان ثمة مبرر لتسمية الدنيا بهذا المعنى الوضيع. وسيتضح – من وجهة نظر المؤمنين- أن الشهوة هي المسافة الأقرب التي يجب عبورها لملذات أكبر.
من هنا يتأسس الدين على الرغبة الرمزية في قبض الشهوات لأجل بسطها خالصة وقوية في نهاية أخروية. والرغبة الرمزية تغتذي بالغرائز الحسية وتتجاوزها. وأن ترك الغرائز من أجل الأخرى يمنحها تأجيلاً أكثر إلحاحاً. كما أنها تجعل الدين مبرَّراً في حياة المؤمنين طالما يقع الإنسان في الخطيئة باعتقاد المسيحية. وهذا الفعل يخلق من الدين معاني للتمسك بالقادم أو الآتي. جميع الديانات تقوم على هذه العملية اللاهوتية. وتضع الغرائز في أقنية محكمة الاغلاق. ولعل لفظة القوارير الواردة في أحد الأحاديث النبوية عن النساء " رفقاً بالقوارير" تعبر عن خاصية انشغال الدين بهذه الهيمنة. وهنا وجه الطرافة في كون الرغبة الحسية تقع في صراع مع الدين. ويمتد الصراع ليشمل الفضاء الذكوري الاجتماعي في المجتمعات الاسلامية. ويطرح الفقهاء فتاويهم وتفسيراتهم لترويض الرغبات ابتغاء تمرير خطابات اجتماعية وثقافية وسياسية. وتحريم الشهوة يكاد ينتشر في المجتمعات قاطبة من القدم. وهذا ما أشار إليه فرويد بأن تحريم زنا المحارم في أغلب الثقافات كان أشبه بالقانون الكوني!!
أما الخيط المشترك بين (الحور والخمور) فهو ما قاله ماركس تحديداً: الدين أفيون الشعوب. والمخدر هنا قاعدة في فهم الظاهرة الدينية لا مجرد مثال توضيحي. إن فكرة الحور العين تنويع على قاعدة الأفيون. لأن علة الإمتاع واحدة. وكذلك آثار الامتاع ستبدو عند درجة الاشباع المرتبط بالاكتفاء الذاتي للإنسان. أي ريثما يخضع الإنسان ويستقل بإرادته القادرة على التلذذ سيدفع الدين بمنأى عنها. بالأدق سيكون الإنسان كرغبة منفلتاً من ربقة الدين وتقاليده وسلطته. كل تحريم ينتصب في وجه تجاهل هذه الأشياء، تجاهل القضايا التي يطرحها. وفي ذلك يتقاطع الدين مع المجتمع والسياسة. وليس خافياً على أحد أن هناك تجريماً اجتماعياً وسياسياً للمخدرات بمقدار تجريم الشهوات الحسية أيضاً. إلا إذا كانت تمارس في حظيرة النظام العام وتحت قوانينه وآلياته الرقابية. فغياب القيود هو ذاته غياب جميع القيود في أي مجال من المجالات. وهنا تكتسب الأبنية الثقافية بعضاً من دلالة الدين.
وهذا معناه:
1- أنَّ المخدرات(الشهوات) تترك درجة استقلال تمكن الإنسان من الاستغراق النوعي. وكل دين يقوم على نقيض ذلك. بل ربما لا يعد ديناً إلاَّ على نفي فكرة الحرية الذاتية. لأن لو حدث استقلال ستكون الخطوة التالية احياء البصمة الإنسانية الأولية في حياة آدم بالأكل من الشجرة المحرمة. وسيعيد إلى الأذهان عصيانه للأمر الإلهي الأول الذي مكنه رغم كل شيء من حياته الدنيا.
2-غياب الذاكرة. المخدرات بمثابة التهديد المبدئي لمعضلة الوجود الآدمي. فلو كان آدام الذي هو نحن قد نسي وجوده فستقف له الديانات- وبخاصة التوحيدية- بالمرصاد. فالدين من تلك الزاوية ذاكرة متيقظة خوفاً من المساس بها. إن فعل الذاكرة في حفرياته الأسطورية والأدبية لهو فعل ديني بالأساس. وهناك نصوص دينية تذكر الإنسان على أنه مخلق لله. وأنه قد أخذ شكله القويم بإبداع ميتافيزيقي مفارق. "وفي أنفسكم أفلا تبصرون"... فهل سينسى الانسان ذلك ولو من خلال شهواته المخدرة؟
3- الشهوات ترتبط في التراث الديني بالعصيان الآدمي. ولاسيما أنَّ العصيان كان معرفة. ولهذا سيصبح كل شهوة استعادة لعصيان قديم قدم الحكاية اللاهوتية حول نزول آدم وحواء إلى الأرض. وإذا كانت الشهوة تظهر أكثر في معاقرة الملذات الحسية فإنها تكون خطوة مضادة للأمر الإلهي في أي عصر من العصور. ولهذا يحرص الدين في إعطاء المؤمنين شهوات بديلة. والطقوس الدينية ما هي إلاّ تمارين حسية على دفع هذه الصور التي لو حلت لكانت لها نفس الزخم القديم.
4- ارادة الإنسان توقظ حلماً قديماً للتألُّه. الشهوات والغرائز أكبر أدوات الإرادة. إذن يتدخل الدين في الوقت المناسب لإهالة التراب على هذا الحلم. والغريزة تشكل بعضاً من الخلود. لأن الشهوة لا تموت كما نظن. لأنها ما لم تجد فعلاً جسدياً يحركها تتحول إلى رغبة دالة. وهنا تصطدم بالدين. ونظراً لأن الإنسان يحدوه ذلك الحلم في أنْ يكون إلهاً فستمثل رغباته خطراً دائماً على المقدس.
إذن الدين إجمالاً ضروب من التأجيل لهذا الالتذاذ بأنواعه. ولهذا تشير مقولة ماركس إلى إمكانية التبديل التي تسكن صلب الديانات. فالآخرة بديل أو تعويض عن الدنيا. والله تعويض عن كل البشر. والغفران تعويض عن الخطايا والذنوب. والسكينة تعويض عن القلق والاضطراب. إذن الدين أفيون... لكونه يشغل ويوسع فضاء الإمتاع الذاتي. هذا الآتي من مصادره الطبيعية كالجنس والخمر واللهو واللعب.
وجه الطرافة الآخر أن ثمة تنازعاً حول هذه الرغبة القصوى في الإمتاع الحسي. لدرجة هذا التصوير الرغائبي للجنة في كل الديانات تقريباً. وبخاصة في الوصف الإسلامي لها. لقد أعلن الدين الاسلامي تحدي جميع الأوصاف ليقول بإرجاء المتعة إلى الآخرة. ولهذا كان جهاد النفس(الجسد) هو أعلى مراتب الجهاد. وسيكون الجهاد الحربي قبله وبعده هو الأصغر. وإذا أردنا كتابة جوهر المسألة لكان الدين بمثابة خلوص الامتلاك الميتافيزيقي للنفس بعيداً عن قدرتها. هذا هو المستحيل الذي يعبر عنه مضمون الإيمان. فالإيمان هو استحالة الخروج من الذات للإمساك بشيء خارجي عنه. كما أنه لن يكون خالصاً في تكوينه. لأنَّ موضوعه – كما في الاسلام الله والملائكة والكتب والرسل والآخرة- جعله مفقوداً في الآخر. وذلك يحدد الإمتاع كنوع من الرغبة المفقودة دائماً.
ولذا يصعب على المؤمن إيجاد الحقيقة والتوحد بها. فلو قال شخص أنه يعرف الحقيقة لتحول إيمانه من الاعتقاد الذاتي إلى المعرفة. من هنا تعد الغرائر الحسية في الاسلام طاقات منبوذة وليست معارف. بينما تعتبرها قصة الخلق معارف في مداها الأقصى. ولذلك فُسرت الشجرة المحرمة التي نهي الرب آدم عن الاقتراب منها بأنها شجرة المعرفة. وارتبطت بها الخطيئة نظراً لارتهان التحريم بالمجهول والغريزة. إذ تكفّل الرب بكل المجهول بما فيه الجنة والنعيم وذاق الإنسان(هذا الإله المزيف) الشهوات.