الماء والمرأة في قصيدة -السراب- سليمان دغش

رائد الحواري
2016 / 10 / 14

الماء والمرأة في قصيدة
"السراب"
سليمان دغش
عندما قرأت هذه القصيدة جذبني فيها صورة/حالات/الألفاظ/فكرة الماء التي يستخدمها الشاعر، وكأنه يتماهى مع الماء، أو كأنه يتلذذ بهذا الحضور، فنجد صورة الماء من خلال لفظ "الماء، البحر، الموج، المد والجزر، النهر، الغيم،" ونجد مصادر الماء في لفظ "النبع، البئر" فحالة الانسجام بين اللفظ والفكرة يجعل القصيدة تطابق مع يطلق عليه "النص المطلق" الذي ينسجم فيه اللفظ واللغة مع المضمون والفكرة، وهذا الشكل من الأدب يشير إلى حالة التوحد والانسجام بين لغة والالفاظ والفكرة التي يطرحها الكاتب، فالكاتب يكون في حالة من التوحد مع النص الذي يكتبه، وغير خاضع لأي سلطة/أفكار غير سلطة النص الذي يكتبه.
... لكل هذا الحضور البهي للماء كان وراءه المرأة، فهي الملهمة للشاعر ليتغنى بها:
" فَهَلْ يَعرِفُ البَحرُ حداً إذا ما استَبَدَّ على موجِ سُرَّتها المَدُّ والجَزْرُ؟"
انتَظِرها على شاطئِ البَحرِ وَخُذها
على مَوجَةٍ من صَهيلِ أنوثَتها البكرِ، كأنَّ الخَطيئَةَ في سِفرِ آدَمَ
الجمع بين عنصر الحياة المرأة والماء، يشير إلى مكانتهما، فهما بهذه القصيدة يمثلان حالة عشق التي يتغنى بها الشاعر، وعندما جعل من أسم القصيدة "السراب" وجعله معرفا وأنهاها أيضا بهذا المقطع:
" أَكُنتُ أُطارِدُ فيها السَّرابَ
أم اني سَرابُ السَّرابِ؟ وكُلُّ سَرابٍ لَعَمري سُدى..!
كأني سَرابُ
كأني كأني السَّرابُ" كان يطرح فكرته أن هذه العلاقة، هذا العشق السرمدي، الذي لا ينتهي، فهو يحمل اللذة التي لا تنقطع. رغم ما فيه من تعب، ولا أقول وجع.
ولكي يتعرف القارئ على ما في هذه القصيدة ما جمالية ولغة وأفكر نقدمها كاملة:
قَطَعتُ إليها على شَهقَةِ الرّوحِ نصفَ المسافَةِ
وأكثَرَ منْ نِصفِ عُمري
وما كُنتُ أعلَمُ أنَّ الطَّريقَ إليها يؤدّي إليَّ
كأني أطارِدُ ظِلَّ سَرابٍ يلازِمني مثلَ ظِلّي
فلا يَتَوَقَّفُ ذاكَ السّرابُ القَريبُ البَعيدُ
ولا يَتَوَقَّفُ عَن ظِلِّهِ ظِلّي
أطِلُّ على الماءِ حينَ يُهيَّأُ أني وَصَلتُ إلى البِئرِ
هَلْ أحدٌ ذاتَ يَومٍ رأى البِئرَ يَجري؟!
تساءَلتُ بَيني وَبَيني لَعَلَّ التَّوَقُفَ أجدى؟
فَرَدَّ الصَّدى مِلءَ نفسي
وَصَلتَ إلى شَفَةِ النَّبعِ، قابَ خَطيئةِ آدَمَ ذاتَ سماءٍ وأدنى قليلاً
فلا تَفقِدِ الجَنَّتينِ هُنا وَهُناكَ، تَخَطّى السّرابَ المُراوِغَ
إنَّ الجحيمَ على حافَّةِ البينَ بَينِ
هيَ الآنَ مثلكَ تَعبُرُ ذلتَ السّراب الأخير على وجَعِ النّايِ في قَصَبِ الرّوحِ
بينَ أصابِعها العَشرِ، في حيرةٍ من خَطيئَتِها اللاخَظيئةَ فيها
انتَظِرها على شاطئِ البَحرِ وَخُذها
على مَوجَةٍ من صَهيلِ أنوثَتها البكرِ، كأنَّ الخَطيئَةَ في سِفرِ آدَمَ
قَد أخطَأتها كَما ضَلَّلتكَ وَمَرَّتْ إلى سُدُمِ الغَيبِ سِربَ طَواويسَ
مُتعَبَةً من هَباءِ الزّقاءِِ فَخُذها ولا تَتَلَكَّأْ إلى آخِرِ البَحر فيها
فَهَلْ يَعرِفُ البَحرُ حداً إذا ما استَبَدَّ على موجِ سُرَّتها المَدُّ والجَزْرُ؟
خُذها ولا تسألِ النَّهرَ عنْ لثغَةِ الماءِ فيهِ
سَلِ الغَيمَ في قَبضَةِ الرّيحِ واترُكْ لهُ الأمرَ والنَّهيَ آخِرُهُ وأوّلهُ البَحرُ
مَضى نِصفُ عُمري سُدى
أطارِدُ ظِلَّ السّرابِ المراوِغِ يَستَبِقُ الخَطوَ على هَيْئَةِ الماءِ
والقَيظِ مُجتَمِعَيْنِ معاً في رُؤى الوَهمِِ
هلْ كانَ للماءِ أنْ يَتَوَحَّدَ بالنّارِ إلاّ على وَهَجٍ في هَجيرِ السَّرابِ
أَكُنتُ أُطارِدُ فيها السَّرابَ
أم اني سَرابُ السَّرابِ؟ وكُلُّ سَرابٍ لَعَمري سُدى..!
كأني سَرابُ
كأني كأني السَّرابُ