التكبير والتكفير

سامي عبد العال
2016 / 10 / 10

التكبير...هذه الصيغة المقدسة لرفع الاسم عالياً بذروة التأليه...بات فاقدَ المضمون. وبخاصة حينما أغرقه الإرهاب في دماء الضحايا أثناء الثورات العربية ومعاركها. كان هذا جلياً في أحداث ليبيا واليمن وسورياً ومصر. وظل تيمة مشتركة حامية الوطيس على خلفية الفوضى السياسية العارمة. فلم تكد تستعر الأحداث حتى نسمع صرخات التكبير مع أزيز المدافع ودوي الرصاص. التزامن كان قاتلا ومؤلماً في حد ذاته. فأية ديانات تلك التي يصعد أتباعُها على الجثث نحو السماء؟!
ذلك العمل كان تقرباً للإله الرائي عن كثب والصامت عن كثب أيضاً. لكن هل هو صيغة اعتراف أم اقرار أم فعل؟ واضح أنه كان يمثل جميع ذلك بشكل عنيف. فالتكفير-فاعلاً- يحرك الألفاظ نحو النيل من المعاني الإنسانية، كالحرية والتسامح والإخاء، وقبول الآخر. وبالتالي فالتكبير إرهابي أنما هو صيغة متنكرة إلى أهداف إقصائية. نوع من الفرز الخطابي تجاه أعداء الدين والإيمان. والأغرب أنْ يسعى أصحابُه - بالصراع على الأرض- إلى حرمان مخالفيه من حق الحياة.
ونتيجة تنكيل المكبرين بأفراد المجتمع فقد سببت اضطراباً في مشاعر متلقيه. لقد غدت صيغة التكبير مرادفة للكوارث والتفجيرات والكر والفر لا للتنزيه الميتافيزيقي. لأنَّها لم تدعوا عندئذ للتطهر من الأدران الأخلاقية بل خاضت في أوحال الدماء. ولذلك هناك من ربط ربطاً شرطياً بين أصوات التكبير والإمعان في التدمير. لأنها أصبحت في العادة مقدمة للقتال وإهدار الحياة. ورغم كون التكبير من صميم التدين الاسلامي غير أن الناس أخذوا يصمون آذانهم عن سماعه. فالإسلاميون اتخذوها علامات مباشرةً لإعلان النصر المزيف واذلال خصومهم.
هكذا مع تساقط أوراق الربيع العربي أمسى الدين مجرد طقوس قتلِّ. ما الداعي وراء الأصوات التي تكبر بهوس الذبح؟ كان جلياً أن هناك فئات اسلامية تمارس أدوار السفاحين تحت عناوين التكبير الأهوج. حتى تشبَّع اسم الله بصور دموية فاجعة. وتدريجياً ظهرت الصور اعتيادية إلى درجة الغثيان. وبدا أنها تمارين شبه يومية لا تقف عند حد. وأخذت تفقأ العيون وسط الدمار القادم بالخراب الداعشي والسلفي والاخواني. وغدا الإنسان –تحت التكبير والسكين- شاة تبحث عن مهرب لن تجده. وهذا بمثابة التصور الفعلي لإرهاب يقتات على الأجساد والعقول والذاكرة. فلو كان لدى العرب ذاكرة ما كان ليذبحوا كالخراف على فضائيات بحجم العالم. المؤمن لا يذبح بسكين مرتين. لكن يبدو أنه سيذبح مرات طالما أضحى الاسلام تكفيراً مساوياً للموت.
وكم بلغت السخرية مبلغاً واضحاً حينما كان التكبير لقطات سينمائية مليئة بالرعب. قتل أحادي من إله يُصوَّر على أنه الفاعل الأصلي. كما جسده تنظيم داعش عندما كان ينفذ اعداماً لضحاياه مصحوباً بالأغاني والأناشيد. ولذلك جاء التكبير نصاً دينياً لا مجرد كلمات متتابعة تشمل "الاسم الإلهي والحدث". فليست هذه الثنائية هي المقصودة إنما هناك ثلاثة أطراف حاضرة. أولا: الشخص الارهابي الذي يردد الكلام. كأنه يقول أنا امتلك القوة الخفية ميتافيزيقياً التي تقف دوماً بجاني. وعلى التوالي ها أنا ذا احمل أداتها القاطعة(السكين) للإجهاز على الضحية. وهذا الشخص هو صناعة تفسيرات وتأويلات متطرفة للنصوص المقدسة. بينما هناك الضحية – ثانياً- في وضع امتثال كامل. سواء أكان نائماً أم واقفاً أم ملاحقاً بالرصاص. والأصوات المكبرة تكمل المشاهد بدلالة الشعائر السحيقة حول القرابين والأضاحي. ثالثاً: هناك عين الرائي، تلك التي تمتليء بكل الواقع، بكل الحقائق، بكل التاريخ في هذه اللحظة الحرجة. لأن الزمن يتقلص إلى وضع التلاشي. فالموت هو الاحساس بالفراغ الثلجي الذي يضرب الدماغ من الداخل. إنَّها ستكون باردة باختراق العدم مروراً إلى نهايتها.
فالتكبير كان يستهدف أن تتردد أصداؤه من جميع الأمكنة، من جميع الاتجاهات. وليست النبرة الصارخة إلاَّ ايقاعاً لخوف متواصل لدى المتابعين. الله أكبر... الله أكبر... خطاب يذهب إلى اخضاع المشاهد عنوة. كأنه يقول: يا من لا تؤمن – كما يصرخ صاحب النداء- عليك أن تسمعه رغم أنفك. يا من تكفر بالدين كما أعتنقه أنت تحت رحمتي. لأن عبارات التكبير ستتحول إلى فعل انتهاك حالاً. كما أنك قد تعتقد أنه شيء بسيط أو هين. لكنه يساوي حياتك وحياة الآخرين بضربة واحدة. لماذا لا تؤمن بما أُمن به؟ هل تعرف العواقب؟ إذا كنت لا تتحسب ذلك، فلتنتظر حادثة القتل. تلك الحادثة التي تقطع المألوف. وبمقدار ضخامة التكبير سيكون أثرها الواقع عيلك كوقع الصخرة فوق دماغك. وكم رأينا الدواعش يعدمون مخالفيهم بهرس( دغدغة) رؤوسهم بالأحجار الثقيلة!!
ولأنَّ الإنسان يشعر بما يعتمل في نفس الآخر، ولكونه يشعر بما يشعر به كما لو كان يعيش حياته كما يقول فيلهلم دلتاي، فهناك من القتل ما سينالك ألماً أو خيالاً أو وعداً أو هدفاً. إنه اختبار لإنسانية مفقودة لن تجدها بسهولة. ولهذا فالتكبير لهو تمثيل بالجثث على طاولة الدين مهما تكن صوره بعيدة عن الوصف. إنه انسداد انطولوجي يتعلق بفقدان معنى الإنسان واختلافاته. ربما الحادثة كفعل لا تصدق. فمن هذا الذي يترصد إنساناً صانعاً منه قرباناً لإلهه. وهل ينتظر الإله من اتباعه ضحية منكسة الوجه؟ هل ينتظر دماء جديدة لكي يقبل التقرب إليه؟ هل يأتي الرضاً الإلهي بالأساس مع قتل ما دون الإله وباسمه؟
والأمر كان أكثر من هذا فالمَشاهد الدموية اعتبرت الاله بهذا التكبير جزءاً من الأعمال الارهابية. كأنه حاضر وسط البرك الطافحة بالطقوس. كأنه يشرف ويخطط ويضرب ويذبح. هذا هو التصور التكفيري عن الله. ليس هناك من حقوق ولا قيمة لأي إنسان ولا لأدنى معتقد مخالف. المهم هذا الطابع الحيواني الذي ينمو و يتضخم على أشلاء الضحاياً. إن بؤساً ميتافيزيقياً لكائن إرهابي يعتقد إنه يرفع رايات الجهاد إنما هو دال على فساد المعتقدات في ذهنه. طبعاً ليست مصادفة أن تقترن أسماء المقدس وصفاته بتلك المشاهد. لأن هناك تاريخ للذبح في هذا المجال. جميع فتاوى القتل تتلخص في تكبير يظن الارهابي كونه ينفذها كما أمرته الشريعة. حتى أصبح الجهاد نموذجاً بلا ضابط وقابلاً لأن يكون قتلاً على الهوية الدينية والعرقية والأيديولوجية.
إنَّ أفعال التكبير رفض لأي تجاوز ممكن لهذا الخراب الذي خلفه الاسلاميون. لأن القتل والتخريب جاءا هذه المرة بحكم المخزون الميتافيزيقي لمعاني الجهاد ومحاربة الكفار. وهذا ما أدي إلى توحش التكبيرات أثناء تقطيع الأجساد وعقب تدمير المباني والجسور. واستعملت للإشارة إلى الظفر بضحايا جدد. وكأن الإنسان مجرد فريسة في غابات مفتوحة- الدول العربية سابقاً- يتعقبها القناصون بأسماء الإله.
وإذا لم ينل الارهابيون من الفريسة مباشرة فإن التكبير يلاحقها إلى مفترق الكفر والإيمان. لأنه إعلاء لشأن ايماني كما يزعمون. وقد وُضع من يخالف في خانة مهدر الدم. وبدا التكبير عاماً وطاغياً. فملاحقة اعداء الدين عند هؤلاء أهم من كل القيم الإنسانية. لقد اعتبروا غريزة الموت في مقدمة الصراع. وليس أدل على ذلك من أن كل المدن التي دخلها الإرهابيون – أثناء الربيع العربي- قد حولوها إلى ساحات إعدام وتعليق للجثث.