يا ماعت: اخلعي حذاءك في المطار

فاطمة ناعوت
2016 / 10 / 10

حدث بالفعل:
أن كتبتُ مقالا عنوانه: “تهاني الجبالي... ماعِت هذا العصر"، في جريدة "المصري اليوم" بتاريخ 23 يوليو 2012، أيام حملة الاغتيال المعنوي الشعواء التي تعرضت لها المستشارة الجليلة "تهاني الجبالي" أيام حكم الإخوان التعس لمصر، على يد ذلك الفصيل الخائن، ومَن والاهم من تيار الإسلام السياسي المتطرّف.
وحدث بالفعل:
أنني أيام حظر التجوال في مصر، كنتُ عائدةً من مدينة الإنتاج الإعلامي في وقت متأخر من الليل، بعدما أنهيتُ تصوير حلقة تليفزيونية بإحدى الفضائيات. وعلى الطريق الدائري استوقفت لجنةٌ أمنية سيارةَ التليفزيون التي كنتُ أستقلّها. ولما فتح الضابطُ بابَ السيارة وشاهدني، ألقى عليّ التحية وسمح للسيارة بأن تمرَّ دون تفتيش. لكنني رفضتُ تلك المكرُمة الطيبة ونشادتُه أن يقوم بدوره في تفتيش السيارة، شأننا شأن جميع السيارات التي سبقتنا، وتلك التي تصطفُّ خلفنا تنتظر دورها. لكنّ الضابط قال: “اتفضلي يا أستاذة فأنتِ نارٌ على علم!” كان يريد عدم تعطيل السيارات المنتظرة في الطابور. شكرته وقلت له: “من فضلك فتّش السيارة،" ثم أردفتُ باسمةً: “مش ممكن يكون السواق ده خاطفني ومخبي أسلحة في العربية؟!” فضحك الضابط وقام بالتفتيش.
ربما ما قمتُ به عطّل صفّ السيارات ورائي برهةً، لكنني أردتُ تمرير رسالة: "أن لا أحد فوق النظام”. ولم أرِد أن يقول أحدٌ: “انظروا مَن تنادي بالمبادئ والعدل والمساواة، تميلُ كفّتُها حين يمسُّها الأمر!!”
ويحدث بالفعل:
أنني أخلعُ حذائي ومصوغاتي وحزام فستاني أو بنطلوني في كل المطارات، شأني شأن كل المسافرين. أحزن دون شك، ليس لما أُضطرّ إليه، بل لما تُضطرُّ إليه البشريةُ كلُّها بسبب سلوك بعض الآفات المريضة الآبقة من مظلّة الإنسانية الذين خطفوا طائرات وروّعوا آمنين وأرهبوا البشر.
ويحدثُ دائمًا:
أنني أتأسى على أيام الإنسانية الجميلة التي أشاهدها في الأفلام المصرية القديمة، بالأبيض والأسود، حين كانت نادية لطفي أو فاتن حمامة أو مريم فخر الدين، يصعدن حتى باب الطائرة ليستقبلن أحباءهن: رشدي أباظة أو عبد الحليم حافظ أو عماد حمدي، دون طقوس تأمينية قاسية، ربما فعلا غير آدمية وتُهين الإنسان. ولكنها الفاتورةُ الباهظة التي يدفعها الشرفاءُ، ثمنًا لما يرتكبه الإرهابيون ذوو الخسّة.
--
غضب المصريون من المستشارة الجليلة تهاني الجبالي حين رفضت خلع حذائها في مطار القاهرة الدولي أمام بوابة التأمين، قائلةً: أنا قاضيةٌ ولا يصحّ أن أخلع حذائي! وسخروا منها قائلين: “هو أنتِ على رأسك ريشة؟!” وهي عبارة مصرية تشي برفض التميّز الطبقيّ للبعض عن بقية الخلق. فما أصل تلك العبارة، وما هي الريشة؟
"ماعت" هي ربّة "العدل والحق والنظام الكوني والخلق الطيب" في الميثولوجيا المصرية القديمة. حاملة الميزان، معصوبة العينين، رمزًا للحياد التام. وكانت تضعُ على رأسها "ريشة" هي رمز الضمير. تُزيّن تماثيلُها جدارياتِ محاكمنا المصرية، وعديد من محاكم العالم، حتى اليوم. تقبض بيسراها على مفتاح الحياة (عنخ) وباليمنى تمسك صولجان الحكم. هي المسؤولة عن حساب الموتى في المحكمة الأوزورية (نسبة إلى الإله أوزوريس) التي يتحدّد فيها مصير المتوفَى. لحظة الحساب، تأمرُ ماعتُ الإلهَ أنوپيس (إله الموتى) بوضع قلب المتوفى في إحدى كفّتي الميزان، وفي الكفّة الأخرى تضع ريشتَها. فإن هوى القلبُ وهبطت كفّتُه، فلأنه مثقلٌ بالخطايا والآثام؛ فيلتهمه على الفور الوحشُ "عمعموت". وإن خفّ القلبُ عن الريشة فلأنه خفيفٌ بلا دنس ولا ذنوب، فيُعادُ القلبُ إلى موقعه بالصدر، لينطلق المغفورُ له إلى الفردوس الأبديّ، بعدما يكون قد أتمّ سرد الاثنين وأربعين اعترافًا أمام اثنين وأربعين قاضيًا مصريًّا، يترأسهم أوزوريس. الاعترافات من قبيل:: لم أقتل، لم أسرق، لم أتسبب في دموع إنسان، لم أعذّب حيوانًا ولا طيرًا، لم ألوث مياه النهر، كسوتُ العاري، أطعمتُ الجائع، رويتُ الظامئ، كنتُ عونًا لليتامى والأرامل.... الخ.
***
اليوم أقول لأستاذتي الجميلة، تهاني الجبالي، "ماعت مصر الراهنة"، اخلعي حذاءك في المطارات كما تنصُّ اللوائحُ. اخلعي نعليكِ فأنتِ لستِ بالوادي المقدّس الآمن، بل على كوكب الإرهاب والشقاء والويل. ولنصّوبْ عيوننا آملين في لحظة جميلة يختفي فيها الإرهابُ الأسودُ من العالم، فتعودُ الريشةُ فوق رؤوسنا.