قصة فانتازيا: ما زالت هناك تطير...

السيد إبراهيم أحمد
2016 / 10 / 10

لا شئ حولها يشي بالبهجة غير التخيل مع التحديق في المساحة الخضراء التي تحيط بمنزلهم، في تلك البقعة الهادئة من الضاحية التي تسكنها، ويفصلها عن البيوت المتشابهة في الطراز المعماري الأكثر ثراءً من بيوتهم غير بحيرة تتوسطها نافورة ومقاعد رخامية حولها.
لكن الشيء الأعظم من تصورها الدائم بهبوط طبق فضائي عند البحيرة، هو أن ترى تلك الفتاة البديعة التي تلعب بدراجتها قرب النافورة، تتسلل سامية التي لم ترزق والدتها بسواها حتى الآن، من غرفتها وهي تقفز فوق الدَرج كفراشة، وتعلو إجابتها على سؤال أمها:

ــ دقائق يا أمي وسوف أعود..

تتوقف الأخرى وتنزل من دراجتها، وتتقدم نحو سامية في حبور، تدعوها لأن ترافقها قيادة الدراجة، يمضيان وقتًا طويلًا يمرحان في دوائر حول النافورة، يتوقفان، ثم يعدوان في خفة السحب التي تسوقها الريح بقوة، يتضاحكان.. ثم يطلقا ساقيهما للريح، لكن الفتاة تطير بحق بينما سمية تسألها:

ــ كيف تفعلين ذلك؟

تواصل الطيران، وكأنها لم تسمع، تعاود سمية السؤال مصحوب بسؤال آخر عن اسمها؟

ــ اسمي ميريهان.. والطيران هوايتي..قدرات.. تجربين؟

ــ لا ليس الآن..

تواصل ميريهان الطيران، بينما تستلقي سامية على عشب الحديقة المائل للبرودة ..تتابعها وهي ترتفع أكثر وأكثر ذاهلة..بينما تقف سيارة تابعة لمستشفى خاصة، ينزل منها رجلان يرتديان الزي الأبيض..يتقدمان نحوها ثم يسحبانها إلى السيارة، كادت أن تصرخ، لكنها لم تستطع فقد ذهبت في شبه غيبوبة، ترى والدها يجري في ردهة المستشفى..يدخل غرفة، ويخرج في أعقابه أحد التابعين للمستشفى، تدور بعينيها فترى أمها مستلقية على سرير في غرفة وحدها في شبه إعياء.. تخرج من بطنها طفلة باهتة الملامح، تعطيها وردة ذابلة، تمسكها سامية مترددة، والخوف يتسلل إليها.. تخطفها منها أمها ثم تلقيها بجوار الطفلة الباهتة الملامح.. تقف سامية مشدوهة من رجل يرتدي بالطو أبيض وهو يحدِّق فيها.. يرفع سبابته آمرًا من حوله أن يخرجوها بعيدًا.. تجري مسرعةً دون أن تنظر وراءها في طرقةٍ طويلة بين مقابر متراصة، تضع على قبرٍ صغير باقة ورد، وخلفها والديها يرتديان ملابس سوداء، يبكيان.. تقفل عائدة من نفس الطريق الذي أتت منه نحو سيارتهم:

ــ لن أعود وحدي..بدونها.. لن أتركها وحدها هناك..

تتقدم ميريهان منها:

ــ ألا تتعبين من الاستلقاء والتأمل، ألم تسمعين ندائي..هيا لنطير..

تمسك يدها ..يطيران.. يمشيان فوق البحيرة، دون أن يبتلا.. من شرفة منزلها تراقبها أمها والمشهد يصعقها:

ــ تصورت أن عندها توحد حين تكلم نفسها، الآن تطير!

تنادي ابنتها.. لاتسكت. تلح في النداء، تهرول سامية نحو بيتها، وهي تعتذر لميريهان، لكن الأخرى تمضي أيضًا نحو منزلها القريب من البحيرة..

ــ مع من تتحدثين يا سامية، وكيف تطيرين، من علَّمكِ هذا؟!

ــ كنت أتحدث مع ميريهان.. صديقتي.. هذه الفتاة الرائعة، وهي التي علمتني الطيران، ألم تشاهدينها؟!

ــ لم يكن هناك أحد سواكِ بنيتي..

ــ ألا تصدقينني.. تعالي معي.. لقد تركت ميريهان دراجتها لنعود ونلعب بها..

تصاحبها أمها رحلة التثبت.. بينما الجو الخريفي يبعث أنوارًا رمادية، تثير الذعر والبرد معًا في أوصالهما، لكنهما لا يأبهان.. حتى يصلا للدراجة، وتركبها سامية وهي تمضي في فرح نحو بيت صديقتها:

ــ تأكدتي ماما، هذه دراجتها..

بينما أمها تتابعها وهي تحملق في المجهول بعينين زائغتين، وقلب تعلو دقاته حتى تغطي أصوات المياه الفوارة في البحيرة..
ـــ تأكدت .. انتظري قليلًا، حتى أدركك..
تسرع سامية، لا تأبه لرجاء أمها، وتنادي صديقتها، تقترب أكثر.. وصوتها يعلو بالنداء أكثر.. وأمها في أعقابها، تخرج امرأة متوسطة السن، تسألها، من تريدين:
ــ ميريهان ..

ــ ميريهان من؟!

ــ ميريهان ابنتك، أليس هذا بيتها وأنتِ والدتها؟!

تنظر السيدة بوجهٍ تعلوه أمارات الدهشة والحيرة والحرج، لا تدري ماذا تفعل:

ــ تعاليا اقتربا.. تفضلا..ادخلا.. أهلًا وسهلًا..

ما كادا يدخلان..حتى أشارت سامية إلى صورة لفتاة موجودة في إطار فوق منضدة جانبية، وهي تصرخ فرحة:

ــ مامي ..هذه صديقتي ميريهان..

تتقدم نحو البرواز وتمسكه، ثم تقدمه لأمها كدليل براءتها..تصرخ أم ميريهان فيها:

ــ دعي البرواز مكانه..

تنظر لأم سامية:

ــ سامحيني..هذه صورة ميريهان ابنتي التي ماتت..فكيف رأتها ابنتك ولعبت معها؟!

ــ أنا أسفة لموت ابنتك، ولكن متى، وكيف؟!

ــ ماتت من عامين، حين دهستها سيارة مسرعة وطرحتها من فوق دراجتها..

تعدو سامية مسرعة نحو بيتها، بينما أمها تعتذر لأم ميريهان، على وعد باللقاء في ظروف أفضل.. تعدو وراء ابنتها، تستمهلها لتدركها، لا تستطيع..

تقف سامية أمام البحيرة تحاول أن تقفز لأعلى، لا تستطيع.. تحس بخيبة الأمل.. ترتمي على العشب البارد متهالكة.. تجلس أمها على المقعد الرخامي الثابت بالحديقة، تراقبها دون كلام.. تحلق ميريهان عائدة ومعها أطفال صغار يطيرون في دوائر متقاطعة، والسحب تحوطهم، كل طفل معه وردة زاهية جميلة، يلوحون لها، تلوح لهم، أمها تتابعها وهي تبتسم، فقد عاد الإشراق لوجه سامية من جديد، تتحدث أمها في الهاتف وهي تستحث الطرف الآخر على المجئ.. تتحسس الأم بطنها التي ارتفعت قليلًا، ترى في يد ابنتها وردة جميلة شديدة الاحمرار..

تقف سيارة يتقدم والد سامية من والدتها، بينما يتبعه رجلين يرتديان الزي الأبيض، يأخذان ابنتهما في هدوء إلى سيارة الإسعاف، وفي ردهة المستشفى الطويل ترى سامية والدها يهرع مسرعًا، بينما أمها تتبعها إلى غرفتها، ورجل يرتدي البالطو الأبيض وشعره مشوب باللون الأبيض، وسماعته تتدلى على صدره يتبعهما مسرعًا قلِقًا، بينما تهمس له الأم:

ــ منذ ماتت أختها ميريهان منذ عامين، في نفس المستشفى، وهي ما تزال تفتقدها، لأنها كانت لعبتها وصديقتها، وشريكتها في غرفتها، وكانتا تلهوان كثيرًا عند البحيرة التي تتوسط الحديقة..
تتحسس سامية بطن أمها، تعطيها أمها وردة زاهية وتطمئنها، أن في بطنها يلهو جنين ينتظر الخروج...

ــ ولكنها يا أمي كانت هناك..

ــ نعم بنيتي، ستكون هناك..

تبتسم سامية، وهي تنظر إلى البحيرة من نافذة سيارتهم، وترى ميريهان ما زالت تطير فوق البحيرة.. تلوح لها..