الجلد باللغة الدينية في قصة -مقامات العصفور- سهيل الخالدي

رائد الحواري
2016 / 10 / 10

الجلد باللغة الدينية في قصة
"مقامات العصفور"
سهيل الخالدي
النص الجيد يفتح افاق جديدة امام المتلقي، وعندما يستخدم الكاتب لغة استثنائية في اعماله لا بد أن نتوقف عندها، متأملين/محللين ماذا أراد من وراء استخدام هذه اللغة، في هذه القصة يتحدث الراوي عن الحرب العدو الإسرائيلي على لبنان، وكلنا يعرف ماذا تعني الحرب، خاصة إذا كان من يقوم بهذه الحرب عدو شرس يحمل أفكار تعود إلى أكثر من ثلاثة آلف عام.
الراوي استخدم الآيات القرآنية والفكر الديني الإسلامي بغزارة في قصته، عندما أراد وصف وحشية العدو وقذارة الحرب التي يشنها، وكأنه لم يجد سوى لغة الفكر الديني الإسلامي كلغة خراب وقتل وتدمير، من هذه الاستخدامات "...ودك بيروت والمخيمات وأمر بحفر جورة دفن فيها البنين والبنات الأحياء منهم والأموات" ص116، فهنا كان التناص مع الدعاء الذي يردده المسلمون "أللهم أغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات" الراوي يقلب الدعاء إلى دعوة، وهذا الاستخدام يشير إلى الصورة السلبية عند الراوي للفكر الديني ومن يستخدمونه، وهذا يشير بطريقة أو بأخرى إلى أن من يتحدث بهذا الفكر هو مساهم في ما يحدث في بيروت من خراب وقتل وتدمير، من هنا جاء استحضار أفكار هؤلاء القوم، وإلا ما الدعي للحديث بلغتهم وأفكارهم؟.
ويستخدم الآيات القرآنية بهذا الشكل، "ودكت الطائرات المخيم دكا، وصارت الدماء أحواضا وبركا، وقصف الأطفال قصفا وصارت الأحلام عصفا.. ومن الدماء والخرائب كالذي هو بين الصلب والترائب" ص114، بدون شك الصورة تتضح لنا أكثر، فكل الألفاظ المستخدمة هي متعلقة بالقرآن الكريم، وهي لغة تعذيب وجلد الأنا/نحن، فمن يستخدم هذه اللغة ويتحدث بها هو جلاد، يسهم ومساهم في ما يحدث في بيروت ولبنان من خراب ودمار وقتل.
ومن الصور التي تأكد هذا النفور ممن يستخدم الفكر الديني لتبرير ما جرى في لبنان، "أصبحت بيروت لهم طريق الجلجلة، وأطفأت بيروت أنوارها.. وزلزلت بيروت زلزالها، وأخرجت الخيام العربية أثقالها وقالت الخراتيت مالها" ص117، فهنا التناص واضح مع سورة الزلزلة، وكلأنا يعلم بأن هذه السورة تتحدث عن الدمار والخراب الذي سيعم الأرض يوم القيامة، فهذا اليوم يتماثل مع ما يجري في بيروت على يد المحتل وبتحليل وتبرير من قبل الاتجاه الديني الإسلامي المتمثل بالإخوان المسلمين، الذي عملوا بكل جهد وتفاني في عزل الشعب عما يجري في لبنان، ومن خلال قولهم: "ما يجري في لبنان عقاب من الله على الفسق والفحش المستشري في لبنان، وقوات الاحتلال هي يد الله التي يسلطها على الكفر والفاسقين، وليس لنا نحن العباد أي تدخل بإرادة الله الذي يعاقب هؤلاء الكفر والفساق" بهذا الشكل كانت اللغة الدينية ومن يستخدمها شركاء في العدوان على لبنان، ولا فرق بين من يقوم بالحرب ومن يبررها ويحلل ما يجري، وكأنه بهذا التبرير يريد من المتلقي أن لا يكون حاله مثل هؤلاء القوم المعاقبين/الهالكين/الكافرين/الفاسقين.
وهناك شكل آخر من هذه اللغة نجده في هذا المقطع، "الغارة تمتد وعود الأطفال يشتد، أو يحسب الخرتيت أن لا يقدر عليه أحد..؟" 116، المقصود هنا كان بكلمة "الخرتيت" العدو، فحتى عندما أراد الراوي أن يضع أمل/مخرج، من هذه الحرب، ويرفع المعنويات بهزيمة المحتل استخدم أيضا الآيات القرآنية، وكأنه بهذا يرد على الإخوان المسلمين بعين اللغة التي يستخدمونها، وكأنه يقول لهم، هذا الدين وهذا القرآن ليس لكم وحدكم، بل لنا أيضا، فإذا ما وجدتم فيه ما يلبي/يناسب فكرتكم الهدامة، فنحن أيضا نجد فيه ما يلبي فكرتنا بالصمود وتحقيق النصر، وبهذا يكون الراوي قد رد بذات اللغة التي يستخدمها العدو، وبالوسيلة ذاتها التي يستخدمها، وبهذا يكون قد افقده الوسيلة واللغة الدينية التي يتلاعب بها كيما شاء.
القصة من مجموعة "السبد عباس فاضل الاعتيادي" منشورات اتحاد الكتاب الجزائريين، طبعة 2004.