الانتخابات والمسار الديمقراطي

محسن ابو رمضان
2016 / 10 / 9



ادى قرار المحكمة العليا بوقف الانتخابات ثم السماح بإجرائها بالضفة دون القطاع وتدخل لجنة الانتخابات المركزية باقتراح اقرته الحكومة بتأجيل اجرائها لمدة 4 اشهر اخرى يتم من خلالها تسوية الاوضاع وتوحيد الانظمة واللوائح والقوانين إلى اعادة تجديد الجدل والنقاش بخصوص الانتخابات وما إذا كان من الممكن ان تحدث في اطار استمرارية الانقسام ، وهل هي شرطاً لتعزيز المسار الديمقراطي .
ولأن المسار الذي رسمه الفلسطينيون لأنفسهم باتفاق القاهرة 2011 واعلان الشاطئ2014 وما بينهما وبعدها من لقاءات وتفاهمات لم يترجم على الارض فقد ظن المهتمون بالقضية الوطنية وبأهمية تحقيق الوحدة كشرط للانتصار لاعادة بناء الحركة الوطنية على قاعدة من الشراكة والديمقراطية وتجنب العنف والاقصاء ، متأملين ان الانتخابات للمجالس المحلية ربما تشكل مدخلاً إذا ما نجحت لتحقيقها بكل من المجلسين التشريعي والوطني والرئاسة .
لقد اثبتت تجربة انتخابات المجلس التشريعي التي تمت عام 2006 بأن الانتخابات ليست بالضرورة تشكل شرطاً للوحدة والشراكة والتفاهم بل وعلى العكس من ذلك فمن الممكن ان تشكل مدخلاً للاحتقان والتوتر كما حدث في منتصف حزيران 2007 عبر احداث الانقسام، حيث ادى ذلك ليس فقط لتفكيك بنية النظام السياسي بل تعزيز الانقسام الجغرافي عبر فصل القطاع عن الضفة بما يضعف من امكانية تحقيق هدف الدولة المستقلة التي يحددها القانون الدولي بما أنها الاراضي المحتلة عام67، وبما عززتها وثيقة الوفاق الوطني التي اعتمدت في حوار القاهرة عام 2005 .
كان من الهام استخلاص الدروس والعبر من تجربة عام 2006 والشروع في حوار وطني جاد ومسؤول بصدد آلية إدارة الخلاف في بنية النظام السياسي وأهمية الاتفاق على عقد اجتماعي " دستور" ينظم الحياة ويدير الاختلاف بصورة تضمن التعددية واحترام الآخر وفق مبدأ سيادة القانون وبما لا يسمح بسيطرة الحزب الحاكم وفرض رؤيته على تركيبة النظام ، أي في اطار الفصل بين الحزب الحاكم والنظام الذي يجب ان يستند إلى معايير الديمقراطية وحقوق الانسان والمواطنة و التي تضمن المساواة وعدم التمييز .
إن الاتفاق على العقد الاجتماعي وبنيته وطبيعة الدستور يجب ان يقود إلى اصلاح الخلل وسد الفجوات في تركيبة النظام بما في ذلك تحديد الصلاحيات ما بين الرئيس ورئيس الوزراء وتحديد طبيعة النظام فهل يجب ان يستمر قائماً على النظام المختلط الذي يجمع ما بين " الرئاسة والبرلمان " أم من المناسب ان يتم اعتماد النظام البرلماني فقط بالاستناد إلى قانون التمثيل النسبي الكامل وليس المختلط ما بين النسبي والدوائر وماذا بخصوص العلاقة ما بين السلطة والمنظمة وبين الأخيرة والدولة.
وعليه فإن ترك الامور كما هي دون الدخول بالتفاصيل بما يضمن دمقرطة بنية المؤسسات الجمعية والتمثيلية الفلسطينية ويمكنها لتساهم في تعزيز الصمود في سياق التحرر الوطني أدى إلى تفاقم المشكلة وتحويلها إلى أزمة ممتدة اصبح عمرها أكثر من 9 سنوات .
الانتخابات ليست هدفاً بحد ذاتها ولكنها وسيلة لتحقيق الهدف بالاتجاه الوطني والديمقراطي، الأمر الذي يجب ان يدفع للتفكير فيما يتعلق بوظيفة الانتخابات ومدى فائدتها ، ولكن وبالرغم من ذلك فبدون انتخابات لا يمكن تحقيق المشاركة والمسائلة والمحاسبة وتجديد الشرعيات وتدوير النخب، فهي الوسيلة القادرة على تحقيق ذلك ، ولكن حتى تحقق هذه الوظائف والأهداف لا بد من الاتفاق على مرتكزات النظام السياسي واسس العقد الاجتماعي بشقيه الوطني والديمقراطي.
بخصوص الشق الوطني فيجب الاتفاق على طبيعة المرحلة والأداة القادرة على تحقيقها وهي بهذه الحالة " المنظمة " بعد اعادة بنائها وتجديدها ودمقرطتها ودخول القوى التي تقع خارجها إلى مكوناتها وخاصة حركتي حماس والجهاد إلى جانب البرنامج السياسي وأشكال النضال القادرة على تحقيق الهدف الوطني الجمعي .
أما بخصوص الشق الديمقراطي فيجب الاتفاق على اسس واضحة تضمن حيادية السلطة " الدولة " وعدم تجيرها لصالح الحزب الحاكم واهمية الفصل ما بينه وبين مؤسسات السلطة بالاضافة إلى الحفاظ على الحريات العامة وحقوق الانسان ومبادئ التعددية واحترام الآخر بما يعزز من مرتكزات الحكم الرشيد الذي يستند إلى مبدأ سيادة القانون والقضاء العادل والنزيه والمستقل .
لقد أدى قرار وفق الانتخابات ثم تأجيلها إلى زيادة حالة الاحباط بين صفوف المواطنين والمتأملين بأن يشكل ذلك مدخلاً للوحدة وانهاء الانقسام ، ولكن لا بأس فمن الممكن استثمار الفترة القادمة لإعادة تجديد الحوار باتجاه اسس النظام السياسي لتصبح الانتخابات الوسيلة التمكينية له بالبعدين الوطني والحقوقي .
إن ارتباط الانتخابات بالاتفاق على اسس النظام ورؤيته وبرنامجه ومعاييره وقوانينه " العقد الاجتماعي " يجب ان لا يعنى تجميدها من الحياة العامة ، بل بالعكس من ذلك فيجب الدفع باتجاه اجرائها في كافة المؤسسات " غير السيادية " كالجامعات والنقابات العمالية والمهنية والأندية الرياضية وغيرها لتصبح اداة لضمان حيوية المجتمع الفلسطيني وتفكيك التكلس في نسيجه وبنيانه .
ولأن البلديات ذات طبيعة خدماتية لا ترتقى إلى مستوى المؤسسات السيادية ، فمن الهام بذل الجهد الممكن لاجرائها عبر تفكيك المظاهر التي أدت إلى تعطيلها و التي من الممكن تذليلها وأهمها تشكيل محكمة انتخابات حيادية مكونة من قضاة مهنيين وغير حزبيين وسحب الطعون التي تمت في غزة إلى جانب السماح بحرية الدعاية الانتخابية دون مضايقات ، لأن قيمة الانتخابات لا تكمن بالتوجه إلى صندوق الاقتراع فقط بل في اشاعة الحريات العامة ، بما في ذلك حرية الدعاية الانتخابية والعمل السياسي والنقابي .
يكمن جوهر الانتخابات وفلسفتها باجرائها بصورة دورية ، حيث لا قيمة لها بأن تجري لمرة واحدة ، حيث ان عدم اجرائها بصورة دورية يصادر من حق المواطن الدستوري كما يخلق علاقة تلاصق ما بين الحزب الحاكم وافراده من جهة ومؤسسات الدولة من جهة ثانية بما يساهم في افراز ظاهرة " الفساد " بما أن الحكم غير الديمقراطي سيكون بعيداً عن آليات المسائلة والمحاسبة.
كما ان غياب المؤسسات التمثيلية الجمعية كالمجلس التشريعي سيؤدي إلى اضعاف دور المجتمع المدني وقطاع الاعمال والفئات الاجتماعية المختلفة لممارسة حقهم بالضغط والتأثير بتبني قوانين وسياسات لصالحهم ولصالح الفئات الاجتماعية المتضررة من الأداء العام .
إن غياب الانتخابات سيقود بالضرورة إلى مركزة الحكم وخلق فجوة ما بينه وبين المواطن الذي سينكفئ على ذاته أو ان يفكر بوسائل غير ديمقراطية للتعبير عن ذاته وضمان تحقيق حقوقه وهذا ضار جداً وغير مفيد للنسيج الاجتماعي ولكل مكونات المجتمع .