تعدد الشخصيات والصوت الواحد في رواية -تفاصيل الحلم القديم- خلود نزال

رائد الحواري
2016 / 10 / 9

تعدد الشخصيات والصوت الواحد
في رواية "تفاصيل الحلم القديم"
خلود نزال
بشكل عام يكون أول عمل ينشره للكاتب/ة يحمل شيء من التسرع، العجلة، إلا أن هذه البداية مهمة جدا لأي كاتب/ة فهي من سيصقل تجربته لاحقا، وينجز حلمه، فالكتابة تبقى عمل إنساني راقي، في هذه الرواية كانت الراوية "آمال" تهيمن على بقية شخوص الرواية، بحث جعلتهم يتحدثون بلغتها، ولا يتزحزحون عنها قيد أنملة، وكأنها الأب الذي يجبر أولاده على قول وفعل ما يريده هو، فلم تبقى لهم شخصية واضحة ، لا في القول ولا في الفعل، فهم انعكاس لشخصية الأب، يقلدونه بكل شيء.
الرواية تتحدث عن اكثر من شخصية، الدكتورة "آمال" وأخويها "باسل" و "علي" والطفل المريض "عصام"، وأخوه "محمد" و"ميساء"، "هيفاء" والطفل "حسن" كل هذه الشخصيات كانت تتكلم بلغة واحدة، لغة الراوية "آمال" وكأن هذه الشخصيات مكونة من عقلية/نفسية واحدة، وتعيش ظرف ومكان واحد، سنحاول سرد شيئا من هذا الصوت لشخصيات الرواية، ونبدأ من "آمال" التي كانت تنعم بحياة قريبة من المثالية، فالأخوة والأب والأم كلهم كانوا مميزين وناجحين في حياتهم، "كان أخي باسل مهندسا ناجحا يعد رسالة الدكتوراه.... أما أخي الأصغر علي فقد كان في سنته الجامعية الأولى وقد اختار الطب... أبي كان استاذا لمادة الفيزياء في احدى الجامعات.... أما امي فقد آمنت بأن الحب هو الشيء الأهم" ص13، ضمن هذه الاجواء المثالية كانت الراوية "آمال" تسرد لنا احداث الرواية، فجعلت من عالمها واقعا لكل شخوص الرواية، وأجبرتهم على العيش في واقعها هي، دون أن تعطي أي مساحة لأيا منهم/للحديث/للخروج عما وضعته لهم.
فنجدها تتحدث عن الطفل المريض "عصام" بهذا الشكل"...وصار حديثنا منذ ذلك الوقت حول موضوع جديد هو موضوع الموت وما بعد الموت من حياة.
اقترح علي مرة أن اشتري كتابا عن الموضوع" ص17، هذا المشهد يوحي للمتلقي بأن الحديث ليس عن طفل، وليس عن طفل مريض، بل عن شخص راشد، لكن الراوية، كانت تحمل ـ في العقل الباطن ـ صورة مثالية لشخصيات روايتها مما جعلها تغالي في رسم صورهم وأفعالهم. فلا يعقل أن يكون هناك حوار حول الموت مع طفل، ثم يكون هذا الطفل قارئ أو مهتم بالقراءة لكي يقترح شراء كتاب؟.
وعندما تحدثت عن "محمد" ابن الستة عشر عاما شقيق "عصام" قدمته لنا بهذه الصورة، "أنا يا دكتورة أومن بشيء واحد في الحياة، هو أن الإنسان لا بد أن يحقق ما يصبو إليه، حتى وإن طال الزمن ما دام يمتلك الصحة والإيمان والصبر" ص21، للغة الأدبية التي يستخدمها الفتى اكبر من عمره بكثير، فنجده يستخدم الفاظ تتجاوز عمره وواقعه فيقول: "يصبو" وكأنه كاتب مخضرم، ونجده يتحدث عن فكرة نبيلة وناضجة وكأنه استاذ في الحياة وقد خاض فيها العديد من الاحداث، بهذا نجد اللغة المستخدمة والفكرة المطروحة اكبر من "محمد" المراهق.
وإذا ما تتبعنا الحوار بين "محمد وآمال" لموجود في الصفحة 23و24 نجد بأننا أمام شخصية تحاور ذاتها، وليس بين شخصيتين مختلفتين أن كان في العمر أو الثقافة أو المهنة.
ونجد شخصية "ميساء" أيضا مثالية، "ـ سوف اعطيك حياتي كلها ولن أقول لك ما تفعلينه بها، وإنما ساترك الأمر لك" ص45، التسلم بهذا الشكل كان يؤكد حالة التفكير التي تفكر بها الراوية "آمال" مما جعل "ميساء" تتحدث بعين الفكرة التي تفكر بها الراوية. من هنا وجدنا "آمال" تتحدث عنها بهذا الشكل، "مسكينة ميساء، إن روحها الطاهرة ما كانت تستحق ذلك العذاب، لقد عاشت نسمة رقيقة تبعث السعادة في قلب كل من يعرفها" ص64، الحديث هنا عن "ميساء" لكن الراوية تتحدث بعين اللغة والفكرة التي تحدثت فيها عن نفسها، وكأنهما شخصية واحدة.
حالة التشابه كانت حاضرة في السرد في اكثر من موضع، وهذا يؤكد بأن الراوية كانت أسيرة ذاتها، بحيث لم تقدر ـ لا في وعيها أو في العقل الباطن ـ أن تتحرر/تتخلص من منطق السيطرة والاستحواذ على كافة الأحداث والهيمنة المطلقة على شخصيات الرواية، فنجد عبارة التشابه جاءت في اكثر من موضع، "ـ أتدري؟ أحيانا أرى فيك أخي باسل، أنتما الاثنان دائما على استعداد تام للتفاني من أجل الأسرة" ص23، هذه الفقرة تشير إلى حالة التماثل بين "محمد" شقيق "عصام" وأخ الراوية "باسل" وتقول في موضع آخر:
"ـ ألم اقل لك أننا متشابهتان في أمور كثيرة؟
... التشابه الذي بيننا ! فعلا. نحن متشابهان في أمور كثيرة" ص73، بهذه تكون الراوية قد اعترفت لنا بأنها تتحدث عن شخصيات متماثلة/متشابه، ولهذا وجدناها تتحدث وتتكلم بلغة واحدة، وتقوم بفعل نبيل لا يشوبه أي شائبة.
الرواية من منشورات اتحاد الكتاب الفلسطينيين، القدس، الطبعة الأولى 1998.