القصة مرآة الواقع -السيد عباس فاضل الاعتيادي- سهيل الخالدي

رائد الحواري
2016 / 10 / 7

القصة مرآة الواقع
"السيد عباس فاضل الاعتيادي"
سهيل الخالدي
عندما يعيش الكاتب مأساة شعب لا بد أن ينعكس ذلك فيما يكتبه، فالواقع يترك تأثيره على الإنسان، فما بالنا أن كان هذا الواقع يعيشه الكاتب نفسه، بعد هزيمة 48 و67 تعرض الفلسطيني لقهر اضافي من قبل البعض الجاهل، فكان يتم اقصاءه أو عدم منحه حقوقه كإنسان، من هنا وجدنا الطرح الطبقي واضح في هذه المجموعة، ونجد البعد الوطني الفلسطيني كذلك، ونجد المأساة التي يعانيها، إن كانت في تشتت الأسرة، أو من خلال وفاة وفقدان افرادها، يبدأ القصاص مجموعته بقصة "توب .. توب .. يا بحر" والتي تتحدث فيها أم عن فقدان ابنها في البحر، وجاءت كلماتها في بداية القصة
"توب توب يا بحر أربعة والخامس دخل
ما تخاف من الله يا بحر أربعة والخامس دخل" ص7، بهذه الحرقة كان الأم الفلسطيني تعيش حياتها بعد أن فقدت ابنها "سعد"، فقد نجح الراوي في اثارة المتلقي عندما جعل الحديث عن أم، وجعلها محور القصة.
"رائحة الطابون" تطرح الوضع الطبقي، وكيف أن الفقراء أكثر تفاعلا وعطاءا ونجاحا من الأغنياء، فيحدثنا الراوي عن نفسه وكيف تفوق في التعليم رغم بؤس الواقع الاقتصادي والاجتماعي الذي عاشه، بينا كانوا أولاده الذي وفر لهم كل مقومات النجاح بهذا الشكل: "فأولادي الذي يوصلهم السائف كل صباح إلى أرقى المدارس، ويأتيهم معلم خصوصي كل يوم، يأتوني كل عام بشهادة رسوب!" ص22.
قصة "خطوات في الفراغ" تتحدث عن الفدائي الفلسطيني الذي كان يمثل الحلم والأمل والعطاء الصادق للوطن، ونجد دور المرأة الايجابي أيضا، وكيف أن الفدائي كان يتخلى/يترك/يفضل الثورة على المرأة رغم ما فيها من عناصر جذب، فيحدثنا الراوي عن الفدائي بهذه العبارة: "مر بجانبي فدائي فلسطيني متأبطا سلاحه يمشي كالواثق من نفسه... لذيذ هو الموت مع هؤلاء ومثلهم" ص26، بهذه الصورة الجميلة كان الفدائي، الذي نفتقده اليوم، فما أجمل تلك الأيام التي كان الفدائي يمثل كرامة وعطاء الأمة.
قصة "المنجم"، تتحدث عن الوضع الطبقي وفساد النظام الذي يستغل افراده مراكزهم لاستغلال الآخرين وتحقيق ثروة على حسابهم وعلى حساب الثروة الوطنية، "فالمراقب أبو علي يرتشي عن كل طن يسجله زيادة ربع دينار يأخذ ثلثه والباقي يقسمه مع المدير العام" ص37 و38.
ويتناول فيها تلازم الصراع الطبقي والوطني الفلسطيني، بحيث كان عليه أن يناضل على جبهتين، واحدة اقتصادية والثانية وطنية تحررية، " وبعد ايام أضيفت إلى تهمة التدخل في المقامات العليا تهمة الانتماء إلى منظمة طلابية، ثم تهمة توزيع منشورات، ثم تهمة رسم خريطة فلسطين" ص36، وما يحسب من جمالية لهذه القصة استخدام الآيات القرآنية بطريقة غير مألوفة فيقول" "يتأكد أنه كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن أمريكي خبير" ص36، كناية عن طريقة تعامل المخابرات مع الأفراد الشعب وكيف كانوا يعدون التهم واجبار المواطن على التوقيع عليها.
قصة "الاحتراق في الظل" تتحدث عن فساد التعليم وكيف كان المعلم يمثل النظام في قسوته وبطشه، وكيف كان الفلسطيني يعامل كمواطن من الدرجة الثانية، فعندما حاول الاب مقالة المدير للاحتجاج على ما يتعرض له ابنه كان "فإنه لن يسمح لك بالدخول إلى مكتبه قبل المرور على طابور الموظفين ودفع الرشاوي فأنت فلسطيني" ص50،
قصة "طفل من مخيمنا" تتحدث عن الأطفال في المخيم وكيف استطاعوا أن يثبتوا جدارتهم ويسهموا في احضار الدواء للمستشفى المحاصر، فهم لا يقلون فاعلية وعطاء عن الرجال.
وقصة "الطفل الذي روض خيول الروم" ايضا تتحدث عن دور الاطفال في الحرب وكيف استطاع الطفل ان ينجح في توفير المال الازم لتوفير المواد الغذائية للمخيم المحاصر.
قصة "السيد عباس فاضل الاعتيادي" تتناول فيها الراوي كيفية التصرف مع الاحداث، فهما كانت صعبة كان يرد السيد فاضل بهذه العبرة: "ـ أنهم لم يفعلوا شيئا غير عادي" ص75، وما جمالية هذه القصة كتابتها بطريقة الأدب الساخر.
قصة "الدشرة" يتناول فيها الراوي حال الجزائر، فقد كانت اللهجة المحكية الجزائرية واضحة فيها، حتى أن المتلقي يشعر بأن الراوي جزائري تماما.
قصة "حرائق ابن صفدون" يستخدم الراوي لغة تراثية تحاكي اسلوب الرواة في الزمان الماضي، "(تاريخ ابن صفدون، في أخبار من يمضون، من عرب الشفافطة، والعرب النفافطة وسادتهم الصعاليك، من زنط وأمريك، وأخبار من عاصرهم من عرب الحجر، ذوى الصبر الأكبر.." ص96، " فقد هجرت الريف فاشتهيت الرغيف" ص97، من هنا يمكننا أن نعتبر هذه اللغة المميزة احدى اهم عناصر الجمال في القصة، ليس لأنها تحاكي اللغة التراثية وحسب، بل لطريقة التعامل مع الواقع العربي الرسمي بشكل غير مباشر، فعندما قال: الشافطة والنافطة،وأمريك" تجاوز الصراحة وقدم لنا شكل ادبي جميل عما يريده طرحه من نقد لواقع.
قصة "الانتظار" ينتقد الانتهازية في الثورة الفلسطينية التي يمارسها البعض "وكأنه قائد ثوري ينط نطا من فندق إلى فندق" ص107، بينما نجد هناك صورة المرأة المعطاءة والتي كانت بهذه الصورة، "لها أولاد بعدد فصائل الثورة، وكل منهم استشهد في قصيل لكن أحدهم لم يعطيها رغيفا كلهم قالوا لماذا لم ينضم أولادك جميعا إلى فصيل..." ص106، بهذا التناقض كانت الثورة الفلسطينية تعمل، مجموعة تضحي بالدماء، وأخرى تتاجر بها.
قصة "مقامات العصفور" تتحدث عن حرب لبنان ومواجهة الاحتلال الاسرائيلي، يستخدم الراوي لغة خاصة توحي بالتحالف بين الدين السياسي وبين الاحتلال، فهما يعملان للقضاء على الثورة، على الشعب المقاوم، ".. ودكت الطائرات المخيم دكا، وصارت الدماء أحواضا وبركا، وقصف الأطفال قصفا وصارت الأحلام عصفا.. ومن بين الدماء والخرائب كالذي هو بين الصلب والترائب، صاح الفتى حمدان قال: قال الإصحاح نموت واقفين ولن نركع" ص114، بهذه اللغة ينتقد الراوي الدين السياسي الذي وقف يبرر ما يجري في لبنان من خرب وقتل بقوله "عقاب من الله على الفسق" فقد كان رجال الدين السياسي يسهمون ويدعمون المحتل فيما يفعلونه، من خلال تحليلهم الديني لما يحدث من قتل وخراب، وبما أن قوة الاحتلال تمثل سلطة الله على الأرض، فلا بأس من التشفي وأخذ العبرة من هؤلاء الفاسقين، ليكونوا عبرة لغيرهم، وجاء استخدام الإصحاح "نموت واقفين ولن نركع" كرد وبديل عن الدين الذي يحمله هؤلاء المتدينين.
قصة "حب" تتحدث عن الحب الفلسطيني، الحب الذي يكون للوطن أكثر منه للمرأة، وهذه القصة تمثل ذروة العطاء والصفاء عند الفلسطيني.
قصة "جسد بلا مفاتيح" تتحدث عن حاجة الإنسان للحياة الطبيعية فكانت هذه الحكمة "ما الذي يغري في جسد مشرع بلا مفاتيح" وتحمل هذا القصة الرمز الذي يمثله المفتاح للفلسطيني.
المجموعة من منشورات اتحاد الكتاب الجزائريين" مطبعة دار هومه الطبعة 2004.