المفسدون للحملة الانتخابية، والحريصون على نظافتها...

محمد الحنفي
2016 / 10 / 7

عندما يتعلق الأمر بالانتخابات، وبالحملات الانتخابية، التي يقتضيها التعريف بالبرامج الانتخابية، وضرورة تقديمها إلى المواطنين / الناخبين، وشرح مضامينها، وتفسيرها، والتوعية بها، حتى يمتلك المواطنون / الناخبون، والمواطنات / الناخبات، القدرة على التمييز فيما بين الجهات الصادرة عنها، وفيما بينها، حتى يتأتى لهم / لهن الاختيار الحر، والنزيه، يوم الاقتراع، من أجل أن تصير المؤسسة المنتخبة: الجماعية، أو البرلمانية، معبرة قولا، وفعلا، على إرادة الشعب المغربي، وعن كون الانتخابات حرة، ونزيهة.

غير أنه في مثل حالة المغرب، وفي ظل سيادة كل أشكال الفساد: الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، نجد أن الانتخابات، وفي حملاتها الانتخابية، تعرف تشكل نوعين أساسيين:

النوع الأول: يعتمد استعراض العضلات، وإظهار القوة، واستئجار الأشخاص، والعديد من السيارات، التي تعبر عن كثرة الأتباع لهذا الحزب، أو ذاك، اعتقادا منهم، أن استعراض العضلات، والقيام باستئجار الأتباع، والسيارات، سيجعل الجماهير الشعبية الكادحة، تعتقد أن الجهة التي تقوم بهذا العمل، هي الجهة التي قد تكون فائزة، في الانتخابات، مع أن الأمر ليس إلا تمويها، للتغطية على الدور الذي يقوم به سماسرة الانتخابات، في أرجاء الدائرة الانتخابية، والذين يتعاقدون مع العارضين ضمائرهم للبيع، من أجل شراء أكبر عدد ممكن من الضمائر، لصالح هذا المترشح، أو ذاك، في هذه الدائرة الانتخابية، أو تلك، استعدادا ليوم الحسم، الذي يفوز فيه من يدفع أكثر. وهو ما يعبر عن استشراء أمر الفساد الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، الذي اصبح مترسخا في معظم البلدان ذات الأنظمة التابعة، التي لا تحكمها إلا أنظمة فاسدة.

والنوع الثاني: هو النوع الذي يحرص على أن يقدم مترشحا نظيفا، وأن يقوم بحملة انتخابية نظيفة، تستهدف تقديم المترشح النظيف، والبرنامج النظيف، والهادف، والواقعي، والساعي إلى خدمة مصالح الجماهير الشعبية الكادحة، وطليعتها الطبقة العاملة، في أفق امتلاك الوعي بها، والاقتناع بمضامينها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، وبصلاحيتها للأجرأة على أرض الواقع، سعيا إلى تحقيق التغيير المنشود، والمتمثل في التحرير، والديمقراطية، والاشتراكية، وحفظ الكرامة الإنسانية، وتمتيع جميع أفراد المجتمع، بالحقوق الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، وتمتيع جميع العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، بالحقوق التي تقتضيها طبيعة عملهم. وهذا النوع، لا يمارسه إلا المقتنعون بالمترشح، وببرنامجه، وبالأهداف التي يسعى إلى تحقيقها، بعد الوصول إلى المؤسسة البرلمانية. وهو لا يعمل على استعراض العضلات، ولا يحرص على شراء ضمائر الناخبين، ولا يستأجر الأتباع، والسيارات، ولا يحرص إلا على فرض احترام إرادة الشعب المغربي، حتى وإن كان المصطفون إلى جانبه لا يصنعون الأغلبية اللازمة، لفرض أجرأة البرنامج، عبر المؤسسة البرلمانية.

وإذا كان الواقع العنيد، هو الذي أفرز لنا هذين النوعين من المترشحين، ومن القائمين بالحملات الانتخابية، وإذا كان هذا الواقع هو الذي يفرز، في نفس الوقت، أن الغلبة تكون لمن يشتري أكثر، من ضمائر الناخبين، مما يصطلح على تسميته بفعل (المال الحرام)، كما يسمونه، الذي يكون مصدره إما من نهب ثروات الشعب المغربي، أو من التمتع بامتيازات الريع المخزني، أو من الاتجار في الممنوعات، أو غير ذلك، مما لا يعتبر شرعيا؛ فإن هذا الواقع، يتسم ب:

1) سيادة الفساد الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والإداري، والسياسي، وهو ما يترتب عنه إعداد الأجيال المختلفة، على ممارسة الفساد، بأشكاله المختلفة. وهو ما جعل نظامنا التربوي، نظاما فاسدا، في أسسه، وفي منهجه، وفي أهدافه القريبة، والبعيدة، الأمر الذي يترتب عنه الاستمرار في الفساد، وفي إنتاج أشكال غير متوقعة منه، إلى درجة أنه أصبح من غير الممكن، إنتاج القيم النبيلة، وتنشئة الأجيال عليها.

2) اعتماد ديمقراطية الواجهة، التي أصبحت تظهر، وكأنها هي الديمقراطية الحقيقية، مع أنها لا علاقة لها بها؛ لأن الديمقراطية الحقيقية، هي التي تحمل في دلالتها مضامين اقتصادية، واجتماعية، وثقافية، وسياسية، مما يجعل تفعيلها مستمرا، ولا يرتبط فقط بإجراء الانتخابات، التي ليست إلا جزءا بسيطا من المضمون السياسي.

والنظام المخزني عندما يعتمد ديمقراطية الواجهةن فلأنه يحرص على أن تصير آلية لإنتاج الفساد السياسي، إلى جانب الفساد الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، القائم أصلا في الواقع المغربي، الذي لم تستطع أي حكومة من الحكومات المتعاقبة، القضاء عليه، خاصة، وأنها مجرد حكومات فاسدة، ومشرفة على إنتاج الفساد.

3) غياب دستور ديمقراطي شعبي، يضمن سيادة الشعب على نفسه، ويحرص على أن يتمتع جميع المغاربة بكافة حقوقهم الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، التي يتحقق معها احترام الكرامة الإنسانية، ويضمن إجراء انتخابات حرة، ونزيهة، لإيجاد مؤسسات تعبر عن احترام إرادة الشعب المغربي، ويفرض أن تكون الحكومة في خدمة الشعب المغربي. وهذا الغياب، ترتب عنه اعتماد دستور ممنوح، لا يخدم إلا المؤسسة المخزنية، ومصالح من يدور في فلكها، من العاملين في مختلف الإدارات، الممارسين للفساد الإداري، ومصالح الطبقات البورجوازية، والإقطاعية، والتحالف البورجوازي / الإقطاعي المتخلف، ومصالح المنتمين إلى الأحزاب الإدارية الفاسدة، وحزب الدولة الفاسد، والحزب المؤدلج للدين الإسلامي، الذي يمارس الفساد باسم الدين الإسلامي، وأي توجه آخر، يمارس أي شكل من أشكال الفساد الاقتصادي، أو الاجتماعي، أو الثقافي، أو السياسي. وهو ما يعني في العمق، أن غياب دستور ديمقراطي شعب،ي واعتماد ديمقراطية الواجهة، لا يمكن أن ينتج إلا الكوارث، التي تنعكس سلبا على الشعب المغربي، وعلى الجماهير الشعبية الكادحة.

4) غياب إجراء انتخابات حرة، ونزيهة، خاصة وأن الإدارة المخزنية، وبمباركة الأحزاب الإدارية، والأحزاب الممخزنة، وحزب الدولة، هي التي تتحكم فيها، وفي نتائجها، التي يتم إخراجها وفق الخطة المخزنية، التي تهدف إلى جعل الانتخابات تنتهي بنتائج مخزنية، وممخزنة، لا يمكن أن تكون في صالح الشعب أبدا، مهما كانت، وكيفما كانت، لا عتبارات نذكر منها:

الاعتبار الأول: أن الانتخابات التي تشرف عليها الإدارة المخزنية، لا يمكن أن تكون حرة، أو نزيهة؛ لأن الإدارة الفاسدة، لا يمكن أن تنتج إلا الفساد، ولو أرادت الإدارة المخزنية تجنب وصفها بالإدارة الفاسدة، ولو رغبت فعلا في أن تكون الانتخابات حرة، ونزيهة، لاتخذت هيأة مستقلة، للإشراف على الانتخابات، ولاتخذت هي طابع الحياد، حتى لا يحسب عليها فساد الانتخابات.

الاعتبار الثاني: أن معظم الأحزاب التي تقدمت بترشيحاتها، في مختلف الدوائر الانتخابية، وفي الدائرتين الوطنيتين، هي أحزاب فاسدة، وقد تكون هذه الأحزاب نظيفة، ولكن المترشحين باسمها، تمارس كافة أشكال الفساد الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، ولا ترشح إلا الفاسدين المعروفين بفسادهم.

الاعتبار الثالث: حرص الإدارة المخزنية على التحكم في الانتخابات، ابتداء بالتسجيل في اللوائح الانتخابية، وانتهاء بالنتائج، من أجل صناعة الخريطة السياسية المرحلية، التي تصير في خدمة مصالح المؤسسة المخزنية.

وإذا كان لا بد من الحديث عن الفساد الانتخابي، فإنه يجب، كذلك، أن نستحضر الشروط الفارزة لذلك الفساد، حتى نعتبر أن الاختيارات المعتمدة من قبل الحكام، هي المسؤولة عن كل ذلك. وهو ما يعني: أنه مادام الحكام متمسكين بالاختيارات الرأسمالية التبعية، اللا ديمقراطية، واللا شعبية، المنتجة لكافة أشكال الفساد، وفي مقدمتها: الفساد الانتخابي، الذي يعتبر جزءا لا يتجزأ من الفساد السياسي، الذي تمارسه الدولة المخزنية، بجميع أجهزتها، وفي مقدمتها: الجهاز الحكومي، الذي يشرف على تطبيق القوانين، والمراسيم، والقرارات المنظمة للفساد. وهو ما لا يمكن التخلص منه، إلا باعماد اختيارات، نقيضة للاختيارات التي تعتمدها الدولة المخزنية، من أجل فك الطوق عن رقبة الشعب، الذي أشرف على الاختناق، بسبب اعتماد اختيارات رأسمالية تبعية، لا ديمقراطية، ولا شعبية، حتى تنقلب موازين القوى، لصالح الشعب المغربي.

فهل يتوقف المفسدون عن إنتاج الفساد الانتخابي؟

وهل يستمر الحريصون على نظافة الانتخابات، في المطالبة بوضع حد للفساد الانتخابي؟

وهل تعمل الدولة المخزنية، على مساءلة الفاسدين، المسؤولين عن إنتاج الفساد الانتخابي؟

هل تعمل على وضع حد لسيادة الفساد الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي؟

هل تضع حدا لديمقراطية الواجهة، وتعتمد الديمقراطية بمضامينها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، لفك العزلة عن الشعب المغربي؟

هل تضع حدا لسيادة الفساد الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، والإداري، حتى يتاتى للشعب المغربي أن يتخلص من كل أشكال الفساد، التي تنخر كيانه؟

هل تعمل على إلغاء الدستور الممنوح في نسخته الثانية، والعمل على إيجاد دستور ديمقراطي شعبي، بملكية برلمانية، يسود فيها الملك، ولا يحكم؟

هل تعمل على إنتاج الشروط الموضوعية، والدستورية، والقانونية، لإجراء انتخابات حرة، ونزيهة، لا وجود فيها لشيء اسمه الفساد السياسي / الانتخابي؟

ونحن عندما نطرح هذه الأسئلة، فلأننانسعى إلى جعل طرح السؤال، وسيلة لمساءلة الواقع، في تجلياته المختلفة، ووسيلة لمحاسبة المسؤولين، عن اعتمادهم اختيارات رأسمالية تبعية، لا ديمقراطية، ولا شعبية، وعن نتائج اعتماد تلك الاختيارات، على جميع الأصعدة، ومن أجل المطالبة الشعبية، بضرورة اعتماد اختيارات بديلة: ديمقراطية، وشعبية.

فهل ينتفي المفسدون من واقعنا؟

وهل يسود الحريصون على نظافة الحملة الانتخابية مستقبلا؟

ابن جرير في 27 ـ 28 / 09 / 2016

محمد الحنفي