شفاهية الخطاب الديني

سامي عبد العال
2016 / 10 / 7

إذا كان الخطابُ الدينيُّ تكراراً لا يُمل لعبارات التقديس، فقد تعلق بسريان الشفاهية التي تنقل كل وحداته ومفاهيمه ومضامينه. ربما تلك الخاصية المتولدة عبر حاضنة الثقافة الاسلامية لم تتغير منذ مئات السنيين. إنها الأبنية الخطابية العامة المتعلقة بتبجيل الأنبياء والصحابة والتابعين وتابع التابعين والأئمة والشيوخ وأمراء الطوائف والمذاهب. وبهذا ليس هناك أكثر من ترقيع الكلام بنصوص وآيات وأحاديث ومقولات كلية مهدرة السياق. ذلك دونما ابتكار لصيغ الفهم والحوار والتأويل والنقد. كما لا يوجد به أدنى منطق عقلاني. لأنَّه سيسير بوقود التبريرات الراجعة إلى الأصول البعيدة باستمرار.
التساؤل التلقائي: أوليس الببغاوات تجسد تلك الحالة بأفضل ما تكون؟! الشفاهية هنا شرط ضروري لنشر الخطابات الدينية. فالكلام المقدس- كما يُقال- ليس كلاماً ميتاً تكفنه الحروف كمقابر لغوية. إنما الاعتقاد الغالب بين رجال الدين أن النصوص انفاس إلهية تنتقل عبر الأجيال بشكلٍّ حي!!
ولذا يجب الحفاظ عليها من شخصٍ إلى لآخر. إنها الكلام الحي بتعبير جاك دريدا. هذا الذي يضمن حضور أطراف هامشية حول قطب أحادي الدلالة. وكل ظاهرة تكرارية بالمعنى السابق تخلق ظاهرتها الصوتية. فلقد اشترط بعض الفقهاء لنجاعة العلم الديني أن يؤخذ حياً من الشيوخ. واعتبر بعض السلفية أن العلم سيموت بانتهاء حياة العلماء. وذلك يستند إلى حديث مُتداول عن نبي الاسلام... إن الله لا ينتزع العلم انتزاعاً إنما يقبضه بقبض العلماء. وقد أزاح ذلك كافة مظاهر التجديد والغرابة التي قد تحدث أحياناً. بل كان التعليم القائم على النصوص المكتوبة والوثائق مكروهاً ومحقراً مقارنة بالأول.
- هناك شخصنة شفاهية أسطورية لفكرة العلم. وهذا يعني عدم وجود معرفة في شكل مؤسسات ونظريات. لكن على الأكثر شيوخ وأصحاب مذاهب فقهية ودينية. وهذه الشخصنة تزحزحت تاريخياً عن مواقعها الدلالية لتستغرق الثقافة إجمالاً. فأمسينا نسمع ألقاباً مثل: شيوخ الأدب، أمراء الشعر، عميد الرواية العربية، شيوخ الاعلام ورواد صاحبة الجلالة(الصحافة). ذلك للتعبير عن أصحاب الأثر البارز في هذه المجالات.
- الشفاهية تضمن حضوراً سلطوياً للخطاب الديني. لأنَّ أنظمة اللغة المنطوقة تجري بواسطة تكثيف الكلام بالسماع المطلق للمعاني. ولأن الرتم له درجات من الإيقاع القوي والترديد الكامل والصدى المتواتر أثناء التعلم.
- تضمن الشفاهية استمرار تقاليد الحوار( الجدال) كون المركز موجوداً وجهها لوجه. بل يزداد المركز تضخماً .كحال المدارس الدينية التي تقدس صاحب المذهب واتباعه المقربين دون سواهم. وقد اسهم هذا في بروز شخصيات تمثل الاسلام ويقال عنها رموز بينما هم أناس عاديون ومشبعون بالخطاء والعجز عن الفهم.
- اعاقت الشفاهية وجود قطيعة لماهية التعليم الديني وأساليبه ومناهجه. لأن الذهنيات تتوالد عن بعضها البعض كأنها ذهنية واحدة. نفس العبارات تتواتر على الألسن. وذات الأفكار هي هي في الأشكال والمواضيع والقضايا. ولهذا هناك تقارب فكري بين الاتجاهات والايديولوجيات الدينية إلى حد التطابق.
- كانت الشفاهية سبباً لاختلاط الأساطير والتحريفات بالروايات التاريخية والنصوص الدينية من قبل المذاهب.
- حافظت التقاليد الشفاهية عي جميع عناصر التخلف في المجتمعات العربية الاسلامية. لأنها اشترطت وجودها مع وجود بنيتها الثقافية التاريخية. وتلك البنية لم تتغير جوهرياً إنما تحولت إي أبنية تالية.
- أجلت التوثيق والغربلة لكافة الموارد النصية الثقافية والدينية. فلماذا يتم التدوين إذا كان المعترف به هو الروايات الشفاهية التي لا تنتهي؟!
وقد يكون التكرار الشفاهي المشار إليه عملاً اعتباطياً بالنسبة للإنسان العادي. لكنه لا ينتهي هكذا دون أثر. إن تورط العقل داخل أبنية الثقافة يجعل التكرار آلية شبه موضوعية. ويعيد هيكلة صور الخطاب وأساليبه وفق المناخ السائدة. وتنتج عمليات المعرفة آفاقاً قابلة لدلالة واسعة بين رجالات الدين والدارسين ومقدمي البرامج وحلقات النقاش.
بالتالي لماذا عقمت الألسن عن تحطيم قوالب التيمات والنصوص الدينية والأحاديث؟ يبدو أن المهم كون الكلمات جاهزة الاستعمال. وأن الترديد الأعمى هو الأصل. هل يمكننا الآن التأمل في هذه العلاقة المشتركة؟ ولماذا تسود ثقافة الببغاوات؟ جرياً على أن الكلام المنقول إنما هو كلام من فم إلى آخر. فلا توجد أدلة معتبرة على صحته ولا حقائق يقف عليها. لقد غدا تاريخ الخطابات الدينية تاريخ أفواه عن أفواه. لا مراجعة إلاَّ بعد فوات الأوان ولا تدوين لمصادر إلا بعد مرور مئات الأعوام. حتى أضحت خطب الجمعة نموذجاً في سياق الكلام وآثار السمع والتلاوة والطاعة خلف إمام مهما تكن درجة ثقافته معرفته.
لقد اعتبر أحدهم الهجرة عبر البحر غير شرعية. ليس بسبب الاخلال بالقانون الدولي وانتهاك الحدود الخاصة بسيادة الدول. ولكن لأن المهاجرين كافرون. فهم – من وجهة نظر صياحه غير المنقطع- يحاولون الذهاب إلى بلاد الكفار تاركين ديار الإسلام. بل بعد مماحكات فقهية قال بأن أوروبا مأمورة بالهجرة إلى بلاد المسلمين. هو يقول ذلك عن جهل فاضح بأحوال المسلمين المزرية متخذا من تقاليد الدين شعاراً ومعياراً أبله. كما أنه لا يدرك أن الأوروبيين فعلاً هاجروا إلي بلاد الدواعش، إلي تراب الخلافة الاسلامية. لكنهم تحولوا إلى أشباح جاهلية تسفك الدماء وتقطع الرؤوس وتصطاد النساء وتبتاع العبيد. وصلوا إلى هذا الدرك الأسفل بعدما كانوا قد اكتسبوا خبراتهم المدنية في جامعات ومعاهد ومؤسسات أوروبا المتطورة. هل هذا مصير المهاجرين القادمين من الغرب إلى أرض الاسلام؟!
ثمة تصايح مشترك بين( الببغاء وأغلب الفقهاء) بلا مضمون إلاَّ أصوات زاعقة. حيث تحول الدين إلى صياح فوق المنابر والمنصات الالكترونية. وأمست "الـعنعنات" في الآراء والأحاديث والأفكار جداراً أخيراً لأمةٍ فاتتها الحضارة. ألاَ يستطع الفقهاء الإتيان بأي شيء مغاير؟! ألم يرددوا ليلاً ونهاراً تجديد الخطاب الديني؟! أغاية الدين هذا الضجيج وتلك الفتاوى الفوضوية... حتى شارفنا على اعتاب إله مغاير لما نعرف.. وأنبياء جدُد يومياً؟! لعل نموذج الببغائية يحدد ماهية الخطاب الديني التكراري. لأنه لا توجد هذه الظاهرة الخطيرة مثلما توجد في التراث العربي الاسلامي حتى وقتنا الراهن. وبذات الحال أخذت مساحة كبيرة من تاريخه وعصوره وعلاقاته.
فالببغاء طائر ملون- إلى حد الزركشة- يتأرجح صوتاً وهيئة داخل قفص وثير. ينادي كلما سنحت الفرصة على أفراد المنزل. هو أبداً يكرر ويرغي ويزبد دون رؤية واضحة. وإلا ماذا ستنفع عيناه كأنه فقد جميع الحواس باستثناء أصوات متقطعة تشرخ صمت المكان، أن هناك أنفاساً مازالت تتقافز. لكن ليس بلا نغم يعطيه نبرةً ساخرة أحياناً ونادرة الرتم أحياناً أخرى.
وهكذا أيضاً جاء الفقهاء في بلاط الحكام والسلاطين. جاءوا يكررون الفتاوى السياسية التي تخدم أسيادهم بخلاف أي دين. وهم يدركون قبل غيرهم أن توظيف الدين كان أهم من توظيف الحروب. لأن الرعية لن تستكين وتقبل العبودية دون عبوديته لمذاهب الفقهاء أولاً. ومن حينهم ستكون أية عبوديات أخرى ممكنة. أشار أحدهم أيضاً أن تسول الدولة عن طريق ضرائب القيمة المضافة وفرض الإتاوات باسم التقشف إنما هو من باب جبر الخواطر في الاسلام!! وأنه أمر مباح للحاكم طالما يري فيه مصلحة المجتمع. هذا مع العلم أن تلك الاجراءات تعصف بالدستور والمواطنة والعيش الكريم للشعوب.
من أين جاء- الببغاء والفقيه- بالأصوات المكررة؟ إنهما يلهثان بكل ما يسمعا ويتناهى إلى أذنيهما. حتى غدا كلامهما أنبوباً صوتياً ليس إلاَّ. ويستدير الهواء إلى كامل جوفهما. حيث لا يذهب إلى مكان سوى الحشرجة المملة. ليخرج عالياً كطلقات هوائية تتساقط أرضاً تحت الأقدام. والكلام يجف، يذبل كأنه الفراغ. وغاية الأمل أن يطلقا عقيرتهما فقط.
هكذا الببغائية حالة تكرار أجوف لمفاهيم وكلمات لا تعبر عن شيء. وتأخذ في الانتشار بطول الثقافة الدينية والسياسية السائدة. لكن أساسها تبادل العبارات الدينية بلا تفكير ناقد. لتكرس وضعاً آنياً متمركزاً حول سلطة ما. قد تكون السلطة قديمة بل ضاربة القدم في الماضي غلى غرار السلف الصالح. وقد تكون راهنة محاطة بسياج من التحريم والقهر. فالتحريم هو لب الببغائية والخطاب الديني البرجماتي. الاثنان يؤكدان أحدهما الآخر. فالمقولات الدينية تعول عيلها بلا نقاش حتى لو حَرَّمت الحياة ذاتها. لأنها تتماهى مع نظام السلطة (الفقهاء أظافر الدولة المستبدة).