جائزة نوبل بين اليهود والمسلمين

ناجح العبيدي
2016 / 10 / 5

جائزة نوبل بين اليهود والمسلمين
من بين الفائزين بجائزة نوبل للفيزياء لهذا العام 2016 هناك عالم واحد على الأقل من أصول يهودية هو البريطاني جون كوسترليتز John M. Kosterlitz الذي تعود جذوره إلى عائلة يهودية ألمانية هاجرت من برلين في ثلاثينات القرن الماضي هربا من القمع النازي. وبهذا ينضم "كوستلرليتز" إلى قائمة طويلة تضم أكثر من 50 عالما حائزا على جائزة نوبل للفيزياء ويملكون في نفس الوقت قاسما مشتركا يتمثل في أنهم "يهود". وهناك قوائم أخرى مماثلة لا تقل طولا في مجال الطب والكيمياء وكذلك الأدب. غير أن هذا الانتماء هو في معظم الحالات ثقافي بالدرجة الأولى وليس دينيا، بمعنى أنهم متأثرون بهذا القدر أو ذاك بالثقافة اليهودية وليسوا متدنيين حقا. وهذا ما ينطبق أيضا على "المسلمين" الذين فازوا بجوائز نوبل في مجال العلوم الطبيعية أو الأدب أو السلام.
غير أن هناك فروقا واضحا بين الحالتين. ولا يكمن الفرق فقط في أن عدد هؤلاء "المسلمين" ضئيل جدا ولا يشكل حتى 3 % مقارنة بنظرائهم "اليهود" رغم أن عدد المسلمين حول العالم يبلغ أكثر من 100 ضعف عدد اليهود. بل إن الفرق الأساسي يتجسد في طريقة تعامل المسلمين مع حملة جائزة نوبل من أبناء ملتهم. صحيح أن الكثير من المسلمين "مؤمن"، وكما جرت العادة، بأن لجنة الجائزة خاضعة للصهيونية وأنها تمارس تمييزا بحق المسلمين، إلُا أن إلقاء نظرة بسيطة على مصير وحياة الحائزين على الجائزة من المسلمين يبين بوضوح أن المجتمعات الإسلامية تنظر بعين الريب إلى المبدعين علميا وأدبيا والناشطين والبارزين فيها وتُشكك بدوافع تكريمهم .
أول "مسلم" على الإطلاق فاز بجائزة نوبل هو أنور السادات في عام 1978. وحصل الرئيس المصري السابق على هذا التكريم لدوره في اتفاقية كمب ديفيد للسلام مع إسرائيل حيث تقاسم جائزة نوبل للسلام مع رئيس الوزراء الإسرائيلي حينذاك مناحيم بيغن.
غير أنه لم يفرح طويلا بهذه الجائزة. فقد أغتيل بعدها بثلاثة أعوام على يد إسلاميين متشددين. ولا يقتصر الأمر على ذلك. فلا يزال الكثير من الإسلاميين والقوميين واليساريين في مصر والعالم العربي يعيب على السادات ليس فقط سياسة السلام، وإنما أيضا نهجه بالكامل، وخاصة سياسة الانفتاح الاقتصادي والتراجع عن المبادئ الاشتراكية وابتعاده عن الاتحاد السوفيتي. صحيح أن السادات لم يكن ديمقراطيا ولجأ أيضا إلى قمع معارضيه وزجهم في السجون، إلّا أن أساليبه لم ترقَ بالتأكيد إلى استبداد سلفه جمال عبد الناصر. لكن "لعنة" التاريخ ظلت تلاحق السادات، بينما بقيت هالة الزعيم تحيط بسلفه رغم مسؤولية الأخير عن أكبر هزيمة عسكرية تحيق بمصر و"الأمة العربية" في تاريخها المعاصر.
الاغتيال وضع أيضا نهاية مأساوية لحياة إسحاق رابين رئيس الوزراء الإسرائيلي الحائز على جائزة نوبل للسلام لعام 1994 الذي قُتل على يد يهودي إصولي متشدد في نهاية عام 1995. وكان السبب أيضا هو خياره للسلام مع الفلسطينيين. إلّا أنه وبعكس السادات يحتفظ معظم الإسرائيليين بذكرى طيبة عن رابين ويبدون تقديرا كبيرا لدوره السياسي.
أما قصة أول "مسلم" ينال جائزة نوبل للفيزاء، فهي تحمل مغزى أعمق من تجربة السادات. ففي عام 1979 فاز عالم الفيزياء الباكستاني الشهير محمد عبد السلام بجائزة نوبل للفيزياء. وبعد وفاة عالم الفيزياء الذي كان ينتمي للطائفة الأحمدية دُفن دون أي تأبين رسمي أو شعبي في قبر متواضع في مدينة ربوه الباكستانية حيث يعيش الكثيرون من أتباع المذهب الأحمدي. وقد كتب على قبره عبارة "أول مسلم حائز على جائرة نوبل على إنجازاته في الفيزياء". ولكن الكثير من المسلمين في باكستان استكثروا على مواطنهم الشهير هذه "الميزة" لدوافع طائفية بحتة. وهكذا أزيلت كلمة "مسلم" من شاهد قبره لاحقا (يمكن مشاهدة الصورة على الرابط التالي: https://de.wikipedia.org/wiki/Abdus_Salam#/media/File:Grave_of_Abdus_Salam.jpg). وجاء ذلك على خلفية قرار الحكومة الباكستناية في عام 1974 باعتبار أتباع الطائفة الأحمدية غير مسلمين . هذا القرار الوهابي التكفيري، الذي جاء بضغط من المملكة العربية السعودية ، لا يزال يجد أتباعا له حتى الآن ومنهم قناة الجزيرة القطرية التي تصر أثناء تغطيتها للاعتدءات التي تتعرض لها هذه الجماعة بين الحين والآخر وبما فيها حرق مساجدها، على نفي صفة المساجد عن دور عبادتها ، والتأكيد على أنها "معابد" في تحريض سافر على العنف ضد أقلية مسلمة.
وما تعرض له عبد السلام بعد وفاته لا يقارن بما حدث للروائي المصري نجيب محفوظ أثناء حياته. ففي عام 1988 دخل نجيب محفوظ التاريخ باعتباره أول عربي يحصل على جائزة نوبل للآداب تقديراً لأعماله الروائية وفي مقدمتها "أولاد حارتنا". لكن الروائي الشهير تعرض لحملة تشهير لأنه أيّد السلام مع إسرائيل وقيل حينها بإن ذلك هو "ثمن" حصوله على الجائزة الرفيعة وليس إبداعه الأدبي. وفي شهر تشرين الأول/ أكتوبر 1995 كاد نجيب محفوظ أن يذهب ضحية لمحاولة اغتيال على يد شابين ينتميان للتيار الإسلامي المتشدد، عندما قاما بطعن الشيخ البالغ من العمر 84 عاما في عنقه لأنه تجرأ وتناول مواضيع دينية في أعماله الأدبية. ولعل الطعنة الأكثر إيلاما وُجهت قبل ذلك لروايته "أولا حارتنا" التي مُنعت من النشر كاملة في مصر لعدة عقود. مصير مماثل تعرضت له رواية "دكتور جيفاكو" للأديب الروسي "اليهودي" بوريس باسترناك والتي كانت السبب الأهم لتكريمه بجائزة نوبل عام 1958 والتي لم تُنشر في الاتحاد السوفيتي إلّا في عام 1987. وما عدا هذه الحالات النادرة فإن أغلبية الدول تفتخر بمبدعيها رغم أن الفضل في اشتهارهم يعود عادة إلى كسرهم للمحرمات.
أول "مسلمة" تفوز بجائزة نوبل هي الإيرانية شيرين عبادي في عام 2003 للسلام. وكالعادة اعتبر المعسكر المتشدد هذه التكريم "مؤامرة أجنبية" هدفها الضغط على إيران، بل وحتى الرئيس الإصلاحي حينها محمد خاتمي قلّل من شأن الجائزة ووصفها بأنها سياسية وغير مهمة. وبدلا من أن تفتخر بها إيران أُجبرت الناشطة الحقوقية عمليا على الهجرة إلى الخارج لكي لا تتعرض للاعتقال. وقبلها قامت الجمهورية الإسلامية بمصادرة ميدالية نوبل وتجميد حسابها البنكي حيث تم إيداع مبلغ الجائزة البالغ نحو مليون دولار. بل وأقدم الرئيس الإيراني السابق احمدي نجاد على إخراج مسرحية سمجة عندما ظهر "جواد تواسليان" زوج المعارضة المعروفة لنظام الملالي في التلفزيون الحكومي في عام 2010 ليتهمها بأنها "زوجة ضالة". ومنذ ذلك الحين انزوت الناشطة الحقوقية في منفاها في لندن حتى لا تثير ردود فعل عنيفة من النظام الإيراني.
ومن الملفت للنظر أن قائمة الفائزات بجائزة نوبل للسلام تضم ثلاث سيدات "مسلمات"، بينما غابت نظيراتهم "اليهوديات" عن هذه القائمة بالذات. وما عدا ذلك فإن تفوق المبدعين والشخصيات "اليهودية" لا يحتاج إلى برهان. وبطبيعة الحال فإن ذلك لا يعود إلى الدين حصرا ، وإنما إلى عوامل أخرى ، وفي مقدمتها التعامل السائد مع المبدعين في المجالات المختلفة وتقاليد تشجيع المواهب من قبل العائلة والدولة والمجتمع. فبدلا من أن يخطف العلماء والمفكرون والباحثون والأدباء الأضواء في البلدان العربية (والإسلامية) نجد أن الشهرة تبقى حكرا تقريبا على شخصيات و"نجوم" من نوع آخر مثل صدام حسين وأسامة بن لادن وأبو بكر البغدادي والقذافي وحسن نصر الله والخميني والقائمة تطول. في المقابل يبدو أن تفوق "اليهود" الواضح في العلوم الطبيعية وفي مختلف مجالات الفكر والفلسفة والموسيقى يرتبط بالتمييز الذي مورس ضدهم في مختلف البلدان على مدى قرون عديدة ومنعهم من تولي المناصب الحكومية ومن ممارسة الكثير من المهن. وبحكم كونهم أقلية فإن هذا يشكل عاملا إضافيا يدفعهم للتفوق في مجالات أخرى.
بعد أيام قليلة سيُعلن عن اسم الفائز أو الفائزة بجائزة نوبل للآداب التي تحظى بأهمية خاصة. وعادة لا يُقحم الدين في الاختيار. غير أن من بين المرشحين هذا العام الشاعر السوري أدونيس والروائي البريطاني من أصل هندي سلمان رشدي. الاثنان يستحقان الجائزة بحسب تقديري. ولكن لو تحقق ذلك فإن الفرحة لن تعم العالم الإسلامي، وإنما على الأرجح سيشهد احتجاجات وموجة "غضب" على القرار "المسيس". فلو وقع الاختيار على أدونيس فإن بعض المسلمين سيقول بأن الفضل في ذلك يعود إلى أنه "علوي" ومؤيد للنظام السوري. ولو جاءت الجائزة من نصيب سلمان رشدي فإن الكثيرين في العالم الإسلامي سيرون في تكريم مؤلف رواية "آيات شيطانية" دليلا جديدا على إمعان الغرب في الإساءة للإسلام. ولا يُستبعد أن أعضاء لجنة جائزة نوبل يعرفون ذلك وسيحاولون تجنب "إغاظة" المسلمين عبر تكريم المبدعين منهم.
د. ناجح العبيدي
5/10/2016