المرأة والطبيعة في ديوان -حروف على أشرعة السحاب- نعيم عليان

رائد الحواري
2016 / 10 / 5

المرأة والطبيعة
في ديوان
"حروف على أشرعة السحاب"
نعيم عليان
لكي ينجذب القارئ للنص الأدبي لا بد من وجود محفزات، ومن هذه المحفزات اللغة الأدبية، شكل تقديم الفكرة، مضمون النص، الاستمتاع بما فيه، إن كان من خلال اللغة أو المضمون، وأخيرا عدم ارهاق القارئ بالألفاظ، بالأفكار.
في هذا الديوان جمع الشاعر كل هذه العناصر معا، فهو يستخدم لغة سهلة ممتعة، توصل الفكرة بطريق غير مباشرة، فيها ايحاء وتورية أكثر منها تصريح فج، ويستخدم مقاطع قصيرة، توصل الفكرة بأسهل الطرق واقصرها، استحضار المرأة وطبيعية كمتنفس/كمخرج من الازمة والضغط الذي يمر به الشاعر، وهذا الأمر اعطا الديوان رونق جمالي خاص، فموضوع المرأة والطبيعة يهدئ النفس، إن كانت نفس الكاتب أم القارئ، فكلاهما يستمتع بالحديث/بوصف الطبيعة والمرأة، وقد نحج الشاعر في قصيدة "هتاف" وقصيدة "ضفاف وظلال" وقصيدة "عباءة وجفون" والتي يقول فيها:
" وحدَكِ يا حَبيبتي
تُزيلُ غبارَ السِّنينِ
تفتَحُ السِّتارَ
أَنا أَتقدَّم على بِساطِ الحُلمِ
لا أُحسُّ بوقْعِ قدميَّ
وحسِيسِ أَنْفاسي
أَكتشفُ مِن جديدٍ
حواسِّيَ الخَمْس
والجهاتِ الأَربَع
أُعانِق القرنفلَ الأَبْيضَ
أَضمُّهُ إلى صدرِي
الَّذِي نسيتُه السِّنينُ
وحدَكِ يا حَبيبتي
مَن يجعلُني أَرْتقي
على نايِ صوتِكِ
أَفْترشُ السَّحابَ
تَبْسطُ الملائكةُ أَجنحتَها
لِتَغْبطَني الأَفلاكُ
وحدَكِ حَبيبتي
يستيقظُ الفرحُ فَرِحًا ونوَّارُ الرِّبيعِ
تُصلِّي الطُّيورُ على مَرايا البحْرِ
صلاةَ الشَّاكرينَ
ووحدَكِ
مَن تتدثَّرينَ بِعباءَتي
وبيْنَ جُفوني
وحينَ أَخْلُد للنَّومِ." فهنا النص أقرب إلى الفرح المطلق، ولولا وجود مقطع " لا أُحسُّ بوقْعِ قدميَّ
وحسِيسِ أَنْفاسي
" الذي يخدم فكرة الحضور الايجابي للمرأة، إلا أن الألفاظ "لا" دائما يعطي فكرة النفور والنفي، لكن القصيدة تبقى بيضاء بالمجمل،

في هذه القصائد كان حضور المرأة يبعد الشاعر حتى عن استخدام الفاظ قاسة/عن السواد/عن الألم، وكأن حضورها/الحديث عنها يجعل الشاعر يخرج من كل ما يتعبه، فيستخدم الفاظ ولغة وفكرة كلها متعلقة بالجمال والحب والفرح والسعادة، وكأن الشاعر بهذه القصائد يطرح فكرة ـ غير مباشرة ـ عن دور المرأة في إخراجنا من البؤس/الضغط/اللم، فهي من يمنحنا السلام.
وهذا ما يسمى بالنص الجمالي المطلق، نص مطلق عن المرأة بحيث لا نجد فيه أي لفظ شاذ، يتعارض ومضمون القصيدة، وهذا الأمر يشير إلى التماهي الشاعر مع المرأة، فعندما تكون حاضرة ينسى/يتجاوز كل الهموم والأم، فهل هناك كائن أعظم من هذه التي تزيل عنا الهموم وتخلصنا من ألامنا وأوجاعنا؟
لم تكن المرأة فقط هي تمنحنا الراحة والسكينة، بل هناك أيضا الطبيعة، التي جاءت في قصيدة "الخصاب" التي اعطا محبوبته صفات الربة "عشتار":
" تصيرُ الأَرضُ خِصابا
يغمدُ الفلَّاح منجلَهُ
يحْمِلُكِ بيْن راحتَيْهِ
في الوجودِ" فهذه صفات الربة عشتار التي بوجودها يعم الأرض الخصب والنماء ويفرح الإنسان بها وبما يحدثه حضورها من خير وجمال، ونجد هذا الحضور للربة "عشتار" من خلال قول الشاعر:
"يرفعُ كفَّيْهِ إِلى السَّماءِ
ثمَّ يشدُّ الرِّحالَ إِليكِ
يصيرُ حبُّكِ دورةً" فبعد ما احدثته من خير وفرح يجد الفلاح/الشاعر نفسه يرفع كفيه للسماء/ كإشارة إلى الحب والامتنان لهذه المرأة/الربة التي احدث كل هذا الخير وهذه البهجة فينا.
بكل تأكيد لا يريد الشاعر من هذا الاستحضار للربة "عشتار" العودة بنا إلى الماضي، لكنه أردنا أن نتقدم من المرأة التي عطينا كل هذا الفرح والجمال، وعندما استحضر التراث الاسطوري أردنا أن نتعرف على مكانتها المرموقة وكيف كان أسلافنا يعظمونها وجعلوها في مصاب الآلهة.
ومن جمالة هذا الديوان استحضار الفكر الديني، من خلال شخصية السيد المسيح، الذي يمثل الإنسان الذي يتألم لكي يخلصنا مما علق بنا من خطيئة وأثم، وأيضا ما يحمله من فكرة تسامح عفو والحب، فجاء في قصيدة "الجوف المشتاق":
" وجْهُ المسِيحِ مزهرٌ متورِّدٌ
مادًّا ذراعيْهِ كالصَّليبِ
يُشبِهُ وجهَ الأَرضِ
في الرَّبيعِ
مَرْيميٌّ
كَالرُّطَب الْجَنيِّ
والبِشارةُ" فرغم وجود لفظ قاسي " مادًّا ذراعيْهِ كالصَّليبِ" إلا أن بقية الألفاظ كانت ناعمة وهادئة، وتخدم فكرة الفرح ولسعادة، وكأن الشاعر يريدنا أن نتجاوز الحديث عن الألم، واقتصار حدثنا عن الربع وما يمثله من جمال وفرح، وهذا ما يجعل مجمل الديوان يغلب فيه الطابع الجمال والفرح على الألم والعذاب.
أذا ما تجاوزنا قصيدة "قمر الحكاية" التي تمثل السواد الكامل إن كان من خلال الألفاظ أو المضمون، والتي يقول فيها:
" ما زالَ أَبو نوَّاس
يغمِسُ ريشتَهُ
فِي قاعِ الرَّذيلةِ
حتَّى النُّخاع
يطلُّ برأْسِه المخْمورِ
من عُنقِ الزُّجاجةِ
يتعمَّدُ
في خمْرِ الحكايةِ
وما زِلنا
نُصفِّقُ كالسَّعفِ
مُتدثِّرٌ هوَ
بعباءَةِ شيخِ القبيلةِ
نَلْحَنُ في الحاناتِ
أَبَا جهلٍ
نمسحُ الغُبارَ
عن الأَحذيةِ
نحْفظُ المعلَّقاتِ
ننْسى حروفَ أَسمائِنا
تبًّا للنَّحوِ والصَّرفِ
وسحقًا لأَقلامِ
المارقينَ." أذا تأملنا في الفكرة التي تحملها القصيدة، والألفاظ "الرذيلة، المخمور، شيخ القبيلة، نلحن، الحانات، أبا جهل، نمسح الأحذية، تبا، سحقا" كل هذا الالفاظ تشير إلى سواد/ألم/قهر/وجع الشاعر، وكلها تخدم فكرة السواد في القصيدة.