ماذا تعني عودة الصدر إلى التحالف الوطني

ضياء الشكرجي
2016 / 10 / 3


كنت أنوي أن أكتب مقالة عن ثلاثة مواقف للوسط المدني (العلماني)، فيما يتعلق الأمر بطبيع العلاقة مع التيار الصدري، بين رافض لأي نوع من العلاقة، وآخر داع إلى تحالف بين التيارين المدني والصدري، لمتطبات اللحظة التاريخية، كما يرى أصحاب هذه الرؤية، وثالث يدعو إلى مجرد التنسيق الميداني في ضوء مشتركات يجب تحديدها بوضوح، دون مرتبة التحالف، أي مع إبقاء المدنيين والعلمانيين على تميزهم بخصوصياتهم، من حيث الشعارات، والأهداف، وطبيعة الخطاب، والقرارات. كنت أنوي كتابة هذه المقالة، خاصة لعلاقتها الوثيقة بمبادرتنا التي أطلقناها في حزيران الماضي وتمخضت عن ورشة عمل وتداول في الرابع والعشرين من أيلول المنصرم، علاوة على ما للموضوع من أهمية، وذلك قبل العودة الأخيرة لمقتدى الصدر، أو لكتلة الأحرار، التي تمثله من جهة، ولا تمثله من جهة أخرى، والتي هي في كل الأحوال، سواء مثلته، كما هو معروف، أم لم تمثله، كما يصرح أحيانا، بأن ليس هناك من يمثله، فهي منقادة لقيادته، ومؤتمرة بأوامره؛ أقول كنت أنوي كتابة المقالة في الموضوع المشار إليه قبل عودة الكتلة النيابية الصدرية إلى التحالف الشيعي، المسمى من قبيل المغالطة والادعاء بـ«الوطني»، والتي أصطلح عليه بـ«الشيعسلاموي»، لكونه مرتكزا على ثابتين، هما شيعيته وإسلاميته، بعكس الكتلة السنية المسماة بـ«اتحاد القوى العراقية»، أيضا من قبيل المغالطة، والتي أفضل تسميتها بـ«اتحاد القوى السنية»، والتي ترتكز على ركيزتين، هما سنيتها وعربيتها، وفيها الإسلاميون وغير الإسلاميين.
وقبل أن أكتب مقالتي التي كنت أزمع كتابتها، جاءت المفاجَأة غير المفاجِئة، بعودة مقتدى ممثلا بكتلة الأحرار، إلى البيت الشيعسلاموي المسمى بـ«التحالف الوطني»، الذي يكفيه أنه مرؤوس من عمارالحكيم، خلفا لإبراهيم الجعفري، وما أدراك ما الخلف وما السلف.
إني لا أريد كما قد يتبادر إلى ذهن البعض، أو كما يتمنى عليّ البعض، أو يتخوف منه البعض الآخر، أن أعطي الدليل من خلال العودة المحمودة أو غير المحمودة، على خطأ الدعوة إلى التحالف أو حتى التنسيق مع مقتدى الصدر، وعندما أقول مقتدى الصدر، ولا أقول التيار الصدري، فأعني ذلك بدقة، لأن القرارات، نافعها وضارها، هي حصرا قرارات مقتدى الصدر. بل سأحاول - سواء أفلحت أم أخفقت - أن أحلل، بعيدا عن المواقف المسبقة، قدر الإمكان.
سأتكلم أولا عن عودة مقتدى بعد قطيعة لسبعة أشهر إلى البيت الشيعي، ثم أرجع إلى الخيارات الثلاثة؛ التحالف، والتنسيق الميداني، والقطيعة. فبماذا تنبئنا هذه العودة يا ترى؟ أستطيع أن ألخص ذلك بالنقاط الآتية، ولعل هناك نقاط أخرى غفلت عنها:
1. «التحالف الوطني» ولأستعمل الاسم الرسمي هذه المرة، متكون من أحزاب أو كتل سياسية تجمعها كما ذكرت آنفا، وكما هو معروف للجميع، خاصيتان، فهي كلها (شيعية)، وهي كلها (إسلامية)، فحزب الدعوة حزب (شيعي) و(إسلامي)، والمجلس الأعلى حزب (شيعي) و(إسلامي)، وحزب الفضيلة حزب (شيعي) و(إسلامي)، وتيار الإصلاح حزب (شيعي) و(إسلامي)، ومنظمة بدر حزب (شيعي) و(إسلامي)، وعصائب أهل الحق حزب (شيعي) و(إسلامي)، وكتلة المستقلين في التحالف متكونة من شيعة إسلاميين. وعندما يعود التيار الصدري، أو كتلة الأحرار النيابية، إلى التحالف الوطني، فلأن التيار الصدري هو الآخر حزب (شيعي) و(إسلامي)، وعودة التيار للتحالف هو عودة الجزء (الشيعي-الإسلامي)، أو الشيعسلاموي، إلى الكل (الشيعي-الإسلامي)، أو الشيعسلاموي. ومن هنا فليس من غرابة في هذه العودة.
2. مع إقرارنا بتحولات مقتدى الصدر، واقترابه في السنوات الأخيرة أكثر فأكثر من التيار المدني (العلماني)، فإن قراره الأخير، يؤكد ما قلناه وقاله كثيرون غيرنا مرارا، وهو صعوبة التنبؤ بمواقف مقتدى الصدر وقراراته، لاسيما وإن قرارات ومواقف قيادات وأعضاء حزبه، وجماهيره، ونوابه، ووزرائه وقت كان له وزراء؛ كلها مرهونة حصرا بقراراته هو وحده لا شريك له.
3. موقفه هذا يعطي دعما لمقولة أن مقتدي يبقى في دائرة النفوذ الإيراني، مهما اختلف مع الإيرانيين، بل البعض يذهب إلى أن معارضته لكل من إيران وأحزاب التحالف الوطني (الشيعسلاموية) ليستا معارضتين حقيقيتين، بل إنه يقوم بهذا الدور لإفشال الحراك الشعبي المدني، وما يؤيد هذه الرأي، هو ما كان منه عام 2011، ثم التصعيد الذي مارسه عندما انضم إلى الحراك الشعبي، ثم (تبويش) الحراك بالانسحاب تارة من ساحة التحرير، أو بالاعتصام والاعتزال، أو بمفاجأة الجميع بغادرته المفاجئة للعراق إلى إيران أو لبنان. أقول هذا دون أن أتبنى بالضرورة هذه الرؤية، كما لا أستطيع الجزم بنفيها، ولكني أريد أن أقول إن هذه (العودة) تؤيد تلك النظرية.
مع هذا لست مع القطيعة، بل مع مواصلة التواصل والحوار معه، علاوة على إلزامه بعدد من الالتزامات، إذا أراد فعلا التنسيق مع الحراك الشعبي المدني، والوسط العلماني. يجب مواصلة تحييده، وإمالته ما أمكن إلى جبهة الحراك المدني، ولكن مع مطالبته بتوضيح وتفسير لهذه العودة إلى تحالف يعتمد تسييس الدين، والطائفية السياسية، والمحاصصة الطائفية والعرقية والحزبية، ويزاول الفساد المالي. فليعطنا تفسيرا لكل ذلك.
لكني أيضا لست مع المبالغة في التعويل على التيار الصدري، وعلى زعيمه مقتدى الصدر، بل لا بد من التعامل الحذر، ولا بد من أن يجري التوضيح له في الحوارات معه، إن مفاجأته لنا كل مرة بقراراته من شأنها أن تزعزع الثقة، وتجعل بالتالي التعامل والتنسيق معه صعبا للغاية، كما وتفقد الداعين للتنسيق معه ثقة جماهيرهم بهم.
ولا يمكن تبرير هذه العودة بتقديم كتلة الأحرار قائمة من أربعة مطلباً، وضعها مقتدى الصدر لهم، إلى التحالف الوطني، تمثل شروطه لعودة الكتلة إلى التحالف، ومهما كانت أهمية تلك المطالب، لاسيما وإنها قد خضعت لتعديلات قوى التحالف الوطني.
وليس مقتدى الصدر وحده، الذي أكد عمليا بقراره بالعودة التزامه بشيعية وإسلامية الهوية اللتين تمثلان ركيزتي التحالف الشيسعلاموي، بل حتى العبادي أكد عمليا، عن قصد أو عن غير قصد، التزامه بأنه ملتزم بشيعيته وإسلاميته، وبالتالي بشيسعلامويته، عندما اعتبر عودة الصدر إلى التحالف مكسبا عبر عن أهميته بتوجيه الشكر له. أم هل كان شكر العبادي للصدر، من قبيل التعويل عليه كعامل تعضيد لتوجهاته في وجه المتضررين من خطواته (الإصلاحية)، وفي وجه زعماء العرقلة (نوري المالكي، عمار الحكيم، إبراهيم الجعفري، ...)، مع اختلاف دور كل منهم، ومدى تأثيره في توجيه بوصلة التحالف.
مهما تكن مبررات العودة، فهي وحسب قول رئيس التحالف الشيعسلاموي سيئ الصيت (وسوء الصيت يشمل الاثنين، التحالف ورئيسه)، إن عودة مقتدى أعادت للتحالف «تماسكه»، وبالتالي تماسك قوى الطائفية السياسية، وتماسك قوى الإسلام السياسي، وتماسك قوى المحاصصة، وتماسك قوى بدعة دولة المكونات، نقيضة دولة المواطنة، وليس أخيرا تماسك قوى الفساد المالي وهدر وسرقة المال العام.
وتبقى الخطورة في أن مقتدى الصدر يفعل ما يشاء، يقاطع متى ما شاء، وينهي القطيعية متى ما شاء، يُصعّد متى ما شاء، وينهي التصعيد متى ما شاء، يحشد جماهيره متى ما شاء، ويسحب تلك الجماهير من الشارع متى ما شاء، يعاند ويشاكس إيران متى ما شاء، ويستجيب للضغوطات الإيرانية متى ما شاء. وهو في كل ذلك يتخذ قرارات غير محسوبة، ويفاجئ بها القريب والبعيد. وهذه وبحق للعبة خطيرة.
وخطورة أخرى تكمن وراء هذه العودة، هو حسبما يعتقد مراقبون، كما ذكرت جريدة العرب، إن صح قول هؤلاء المراقبين، وهو غير مستبعد أبدا، إن العودة لم تأت بإرادة من شخص الصدر، بل بضغوط داخلية وإقليمية، وبشكل خاص بضغوط من إيران الحريصة على الحفاظ على تماسك التحالف الشيعسلاموي، لأنه يلتزم بخطيها الأحمرين في حكم العراق ويؤكدهما، ألا هما شيعية وإسلامية الماسكين الرئيسين بزمام القيادة السياسية للعراق، هاذين الخطين الأحمرين غير المسموح إيرانيا بتجاوزهما، لأنهما الضامنان لبقاء العملية السياسية العراقية دائرة في محورها، أينما دارت إيران دار العراق معها.
وهناك الكثير مما يجعل المراقب لا يرى في الأربعة عشر شرطا للعودة، ولقبولها بعد تعديلها من قبل كل قوى التحالف، إلا لعبة هزيلة تبرر للصدر قراره بالعودة أمام جماهيره، ليس إلّا.
ومع كل ما ذكرت، لست بصدد الدعوة لاتخاذ قرار القطيعة مع الصدر، بل لا بد من مواصلة التواصل والحوار، لكن التواصل الواعي لخطورة اللعبة التي يمارسها مقتدى الصدر، سواء مارسها بإرادته، أو بإرادة إيرانية، سواء اتخذت قراراته بدراسة وتخطيط، أو بمزاج وعشوائية.
وسواء تواصلنا مع الصدر، أو قاطعناه، المهم أن تكون أهدافنا نحن واضحة، ولا مساومة عليها، قصر أمد تحقيقها أو طال، وهي:
المضي إلى إنهاء دولة المكونات والمحاصصة والطائفية والفساد وتسييس الدين، نحو دولة المواطنة الديمقراطية الاتحادية الموحدة العلمانية الحديثة.
03/10/2016