حكاية دارمي : ( متكشف ومنضاك جدري أعله غلكه )

حامد كعيد الجبوري
2016 / 10 / 3

حكاية دارمي :
( متكشف ومنضاك جدري أعله غلكه )
قلت في المواضيع السابقة عن حكايات ( الدارمي ) وتخطيت حينها بل تجنبت ولا أزال الحديث عن الميزان العروضي ( للدارمي ) لأن القارئ الكريم لا يبحث عن ذلك ولا يعيره اهتماما ، ولمن يبحث عن ذلك يجده بسهولة وبسر ، والكثير من الباحثين كتبوا عن جذور ( الدارمي ) ولماذا أطلق عليه بال( الدارمي ) ولماذا سميَّ بشعر البنات أو غزل البنات ، وأغرب رأي سمعته نقله الدكتور هاشم العقابي قائلا : أن جذور الدارمي وجدت بمدونات ولقي بابلية .
الحكايات التي تنقلها لنا أمهاتنا أو جداتنا قبل نومنا والتي تسمى ( السوالف- السالوفة ) ، وأغلب هذه الحكايات مرويات شفاهية تختزنها الذاكرة الجمعية لبعض الناس ، والكثير من هذه الحكايات ربما من نسج ( الحكاواتين ) أنفسهم تضاف لقصة ابتدعوها أو زينوا حقيقتها بشئ من خيالهم لتحبب وتحفظ عند الناس ، ولا أقول أن غالبيتها غير واقعية ، ومن هذه الحكايات قصة شاب أحب فتاة من أقرانه ، وبادلته المرأة بمشاعرها ، وكانت لهما بعض لقاءات بعيدة عن أعين الأهل ورقابة الناس ، وبعض الأحيان يتبادلان النظر لبعضهما كلما خرجت المعشوقة لواجب أو لعمل ما ، والمجتمعات القروية وحتى مجتمعات المدينة لا تنصف الأحبة والعشاق باللقاء حيث القيود المجتمعية والمعتقدات العشائرية قد تؤدي لقتل الفتاة من قبل أهلها وحتى من رجال عشيرتها إن عجز الأهل عن القتل ، اتفقا العاشقان على الزواج ريثما يستطيع العاشق جمع ( السياك ) المال لإتمام الخطبة ومراسيم الزواج ، سنة أنقضت أعقبتها أخرى والرجل يعمل لجمع المبلغ الذي سيكفي لزواجه ، وتقدم أحد أولاد الميسورين – الأغنياء – لخطبتها ووافق الأب والأخوة على ذلك الزواج ، وقبل أن يشيع خبر ذلك الزواج عرف العاشق بأن حبيبته قد وافق أهلها على زواجها ، وبمحض الصدفة خرجت المعشوقة لتؤدي بعضا من متطلبات عملها اليومي ، لحظها حبيبها فنظر لها نظرة استنكار وتساؤل وأطلق زفيرا وتأوها سمعته المعشوقة فقالت له على الفور
أمن يبعد العين لف راسك ونام
لمن تمر وتكول إلمن هالعظام
ويقال أيضا أنها قالت له باسم والده ( أمن يبن ريحان ) ، والبيت واضح لا يحتاج للتبيان ، وللتوضيح لمن لا يعرف المفردات الشعبية العراقية أقول أن المعشوقة تريد أن توصل رسالتها لحبيبها وتقول من المحال أن تقترن بغيره وستموت ويبلى جسدها وتصبح عظاما وهي متمسكة بحبها وبحبيبها ، وتمر الأيام وتهدد بالقتل من أهلها إن خالفت رأيهم بالزواج ، وفعلا تزوجت الرجل الغريب الذي لا تعرفه خوفا من العقاب ، بعد زواجها وكعادة الزوجات زيارة الأهل ربما كل أسبوع أو حين يمرض أحد أفراد أسرتها ، مرة التقت وجها لوجه مع حبيبها ، لم يكن الحبيب يعرف قول الشعر مثلها فاستعان ببيت ( ( دارمي ) يحفظه وردده لها
جا وينه حجيك ذاك وأزماطك ألنه
عادينه كل الناس حتى اويه أهلنه
وأوضّح وأقول أن الحبيب عاتب حبيبته وكيف وافقت على الزواج من غيره وهما قد تقاسما – بمعنى أقسم أحدهما للآخر بالمقدسات - أن لا يخون أحدهم الآخر ، هنا وقفت قبالته متحدية كل شئ وكل العواقب وأجابته ببيت من الدارمي قائلة
جابوني بالمكوار طكه أعله طكه
متكشف ومنضاك جدري أعله غلكه
وحقيقة أن ( الدارمي ) يفضي عن سباكة شعرية متخصصة ، ناهيك عما يحتويه من معنى عميق جدا ومقاوم وصادم لكل الترسبات المجتمعية التي قيدت به الفتاة العراقية حينذاك ، وهنا أجد لزاما للتوضيح ، تقول المعشوقة لحبيبها لا تعتقد بأن زواجها كان شئ سهل ، بل أنها أجبرت على ذلك عنوة وزفت لزوجها وهي تضرب ب ( المكوار ) وهو عصا غليظة تنتهي أحدى أطرافة بكتلة من القار الأسود ، ولم تضرب مرة واحدة بل مرة بعد أخرى وتساق كما البهيمة وتجبر على الدخول لبيت الزوج ، ومع ذلك الإجبار لم تمكن الزوج من نفسها ولا تزال محتفظة ببكارتها بدلالة القدر المجازي الذي لم تُمكن الزوج من الأكل منه
متكشف ومنضاك جدري أعله غلكه