النص المخصب في ديوان -هكذا تكلم الغريب- معتز أبو مصلح

رائد الحواري
2016 / 10 / 3

النص المخصب في ديوان
"هكذا تكلم الغريب"
معتز أبو مصلح
أن يقدم الشاعر مجموعة قصائد تحمل بين ثناياها بعدا اسطوريا، تراثيا، إن كان قومي/وطني أو عالمي، فهو شيء جميل ورائع، ويجعل المتلقي يندفع بقوة نحو النص الشعري.
"معتز أبو مصلح" بدأ ديونه بقصيدة "مأساة أخيل" ثم يتناول اسطورة الإله "تموزي/بعل" في قصيدة "طفل القنيطرة" ويعرج أيضا إلى الإله "مردوخ" والربة "أنانا" وكأن الشاعر أرد من المتلقي أن يتقدم من الفكر الأسطوري المحلي، فهو يحمل أفكار تحررية وإنسانية رائعة، ومما جاء في هذه القصيدة:
"آه يا تموز خذني معك
لا لشيء
فقط لأعيش وحينئذ
سأقول: عرفت الممات
ولتكن صورتي
في الربيع القادم خذني معك
وأكون أنا
في زفاف "الإنانا" أنما هودجك" ص12، فهنا يختزل الشاعر اسطورة الإله "تموزي/بعل" من خلال حديثه عن غيابة في العالم السفلي، ومن ثم ترقب عودته في أعياد الربيع في أول شهر نيسان، لكي يتم الاحتفال بطقوس الخصب مع الربة "أنانا"، فمثل هذا التناول لأعياد للربيع وطقوس الموت بهذا الاختزال يمثل تمكن الشاعر من الفكرة الأسطورية وتقديمها المتلقي بأبسط وأسهل صورة، لكنها واضحة تماما.
وعندما تحدث عنة الإله "مردوخ" قال:
"خذ قرارك مردوخ
دشن سمائي بالنور
حكم إله العماء وراء الزمن
ولتكن ثورتي" ص13، الحديث عن تمرد الإله "مردوخ" على أم الآلهة "تعاما" وأبو الإلهة "أبسو" وانتصاره عليهما، بعد أن يرسل الرياح إلى جوفها فيمزقها ويعيد تنظيم الكون حسب رؤيته، يحمل بين ثناياه الدعوة للتمرد على سلطة الأباء/المحتل/الظلم/التقليد والبحث عما هو جديد، هذا من أهم الأفكار التي جاءت في ملحمة "في العلا عندما".
ويحدثنا في قصيدة " معزوفة دمشقية" عن ملكة تدمر "زنوبيا" التي تمردت على الحكم الروماني، فيقول فيها:
"عند الفجر
أتت زنوبيا
برفل خلف خطاها بردى
عاد النهر
لكن الطوفان أتى قبل النهر
وكان القلب شظايا
تطفو مع رجف الوتر" ص17، تناول التاريخ الثوري للمنطقة السورية يعطي بعدا فكريا للمتلقي بأن الثورة/التمرد على الظلم والظلام حالة طبيعية في منطقتنا، وهو يعد أحدى المآثر الأخلاقية التي يتمتع بها السوري وكل الشعوب الحية، فرغم عدم نجاح "زنوبيا" في حركتها إلا أنها تبقي فكرة التمرد/الثورة حية ومتقدة.
وذروة التألق جاءت في "قصيدة سومرية" التي يقدمنا فيها من "ملحمة جلجامش" والتي تطرح فكر الخلود، وتجاوز حالة الموت، التي تبقى احدى أهم الأفكار التي تؤرق الإنسان أينما كان، لم يكن "جلجامش" يبحث عن خلوده هو فقط، بل أراد الخلود للإنسان، للمجتمع الذي أوجده، من هنا لم يأكل عشبة الشباب عندما أخذها من الخالد "أوبشتيم" بل أراد إيصالها إلى مدينته "أوراك" فكرة إيثار الآخرين على النفس "لو كان بهم خصاصة" فكرة قدمتها لنا ملحمة "جلجامش" فالإنسان في منطقتنا لا يبحث عن خلاصه كفرد وحسب، بل ينشد خلاص شعبه ووطنه، هذه الفكرة طرحها الشاعر بهذا القول:
"عاد جلجامش
عاد من موته ليعيش خلوده
تاركا خلفه للشعوب عهوده
ناسيا حكمة قالها:
لي موتي
ولكن
خلودي في أمتي" ص22، بهذه الفكرة الرائدة التي قالها "أنطون سعادة" قبل اعدامه "أما أنا فسوف أموت، لكن حزبي باق" وكأنه سعادة والشاعر يتكلمان بلغة/بفكرة جلجامش عن الخلود.
ويجمع الشاعر بين الوحش المرعب في الملحمة "خمبابا" وبين شيوخ النفط والغرب الاستعماري فيقول فيهم:
"ما عدت أنا أنكيدو
لن أدخل معك الغاب لتقتل "خمبابا"
فاليوم أنا "خمبابا"
من نطفو نفط جئت
ولا يرويني إلا النفط
وندي أنت
وسومر دني
وإني كولومبس
أنا كولومبوس
... أشعل البحر كولومبس
فك دجلة عن رأس سومر
والفرات عن الخصر
سن النخيل رماحا
رماحا تجول بأحشاء سومر
دق الطبول وراح يقول:
كولومبس لا يقهر
كولومبس لا يقهر
فتعالي سومر
غني لي: هيت لك..." ص31 ـ 33، بهذا الاستخدام للتراث وللتاريخ يقدم لنا الشاعر ما يحصل في منطقتنا، فالجمع بين الوحش الرهيب الذي تحدثت عنه الملحمة والغرب الاستعماري بهذا الشكل يعد عملا ابداعيا متقنا، وعندما جعل من سومر أنثى تقول "هيت لك" أردنا أن نعي حجم المأساة التي نمر بها، وفي ذات الوقت استنهاضنا من خلال الحديث عن تلك المرأة/ تلك البلاد التي يريد المغتصب أن يتمتع|/يستبحها.
الديوان من منشورات اتحاد الكتاب الفلسطينيين، القدس، الطبعة الأولى 2000