محاضرة عن سوريا...

غسان صابور
2016 / 10 / 1

مــحــاضــرة عن ســــوريــا...
حضرت بالمكتبة الرئيسة الرسمية لمدينة ليون الفرنسية, حيث أعيش منذ أكثر من خمسين سنة, بعد انتظار ليفتحوا لنا أبواب الصالة, لأسباب أمنية.. صالة تتسع لمائة شخص.. وكان بالانتظار أكثر من ثلاثمئة شخص.. مما اضطر إدارة المكتبة لفتح قاعات ملاصقة بها شاشات تلفزيونية مع كراسي وطاولات احتوت الذين لم يستطيعوا الدخول للصالة الرئيسية... المحاضران قسم من عدة اختصاصيين بالأزمة السورية.. وما أكثرهم بهذه الأيام.. نظرا للطلب الزائد على مادة ما يسمونه " الثورة السورية " وكتابهم الذي يحاضرون من أجله ترجمته كالتالي :
" كم الساعة.. هناك... سوريا جسد أو تجسيد الحرب الأهلية "........
المحاضران باحثان اجتماعيان سياسيان جامعيان.. يقدمان وهما جزء من مجموعة باحثين.. يقدمان دراسات سياسية لمن يطلب.. دراسات مدفوعة باهظة طبعا... المحاضرة دامت أكثر من ساعتين... ولكنني لم أبق أكثر من نصف ساعة... لأنه من تقدمة المحاضرين حتى بداية كلامهما السريع والمتقطع الجمل ونهاية بعضها.. كانت عملية تبييض للمقاتلين الداعشيين المستوردين والمحليين.. (قشة لفة).. وتسميتهم ثوارا ديمقراطيين... بالإضافة إلى تجريم الرئيس بشار الأسد والجيش السوري وتحميلهم مسؤولية كل ما جرى خلال هذه السنوات الستة الماضية...
كأننا نحضر إحدى محاضرات برنار هنري ليفي.. ومغامراته وتمثيلياته المصنوعة باستوديوهاته البعيدة عن مناطق الحرب الحقيقية بأكثر من خمسة آلاف كيلومتر...
لم أسمع من هذين المحاضرين الجامعيين العالمين, أية إدانة للملكة الوهابية أو أمارة قطر أو حكومات أردوغان أو الحكومات الأميركية والبريطانية والفرنسية ( الساركوزية منها والهولندية)... ولا كل ما جرى بليبيا والعراق... كأنما ملايين الضحايا التي وقعت بهذين البلدين وفي ســوريا.. مسلسلات تلفزيونية خيالية.. وليست ضحايا بشرية تستحق أن نتكلم عن الكذب والنفاق السياسي المتراكم من عشرين سنة حتى هذه الساعة...والذي استعمل ضد حكومات هذه البلدان.. من شـن الحروب ضدها وإهلاكها.. لأسباب تجارية ونفطية وغايات استراتيجية لحماية دولة إسرائيل لمئات السنين القادمة...
اسم هذين المحاضرين الاختصاصيين الجامعيين: َAdam Baczko و Gilles Dorronsoro والذي اعترف هذا الأخير أنه مع زملائه المشاركين بهذا الكتاب, بين جملتين من محاضرته, أنهم قدموا عديدا من الدراسات عما جرى " بثورات الربيع العربي.. وخاصة بسوريا " وان ما جرى بسوريا بسنة 2011 كان صورة منسوخة عن انتفاضة تونس السلمية... وكلمات " سلمية " ترددت دائما خلال كل محاضرة الزميلين, عندما يتحدثان عن أشرس عمليات المعارضات الإسىلامية على الأرض السورية.. وتجريم كل ما يجري بالمناطق المساندة للسلطة الشرعية والجيش السوري.. مثلا.. أنهما زارا مرة أو مرتين المناطق التي تسيطر عليها قوات المعارضة الديمقراطية (كما يسمونها دوما).. ولم يتمكنا زيارة المناطق التي تسيطر عليها السلطات السورية.. خشية الخطف والاعتقال والتعذيب.. وحينها.. غادرت الصالة معترضا.. وبصوت عال : كيف يتحدثون عن سوريا وخرابها وجراحها وآلامها وهجرتها.. كأنهما عــاشــا بها من بداياتها.. حتى هذه الساعة.. حتى أن أحدهما كان يتحدث عن سوريا من خلال تجربته الأفغانية.. مقارنا ما لا يقارن.. بعيدا كل البعد عن دراسة وعلم السياسة.. دون أن يتحدثا مع مسؤول سوري.. أو مجموعة من السوريين على الأرض.. بكل حياد...
مجموعة مقدمتهم التي سمعتها, والتي حضرت قسما منها.. كانت نسخة طبق الأصل من تحليلات السيد برنار هنري ليفي.. ومن بعض السوريين المعارضين الذين يعيشون بفرنسا... ولم يقابلوا واحدا من مئات ألوف السوريين المحايدين أو الذين يرفضون كليا النظام الداعشي وشريعته التي سببت آلاف الضحايا وتمزق البلد وتجزيئه وهيمنة الظلام والخراب والعتمة عليه.. لعشرات السنين القادمة...
عجبا كم يتراكم الكذب والدجل وتغيير الحقائق.. وتبييض مآسيها وتبرير جرائمها, بين صفوف ما تبقى من الأنتليجنسيا الأوروبية, ومحترفي الإعلام والوعظ والمحاضرات, والتي أصبحت مهنة.. بدلا من إيمان وعقيدة.. وصارت من المهن المشهورة المدرة للربح الباهظ والسريع.. كممثلي السينما وأصحاب البرامج التلفزيونية الشعبية (الغير ثقافية طبعا).. ولاعبي كرة القدم... وخاصة من ظهروا وبرعوا بالتمثيل والكذب والدجل, خلال هذه السنوات الستة الأليمة الحزينة المعتمة.. من الحرب المجرمة الآثمة ضد سوريا وشعبها المنكوب...
لم أكن من المدافعين المحترفين عن النظام السوري, خلال السنوات الخمسين سنة الماضية.. وخاصة التي سبقت فترة الحرب الأخيرة ضدها.. وكانت انتقاداتي الصائبة الحقيقية.. دوما مركزة حقيقية.. ولكنني لم أسمح أبدا للمشوهين المغرضين المتصهينين أية فرصة للتهجم على حضارتها وثقافتها وشعبها.. ولم أترك للمتآمرين عليها من هؤلاء التماسيح الذين انتفخوا من خيراتها, وغادروا سفينتها عندما عصفت الرياح العكسية ضدها.. أن يتابعوا بــث سمومهم ضدها متشاركين مع المتآمرين عليها... وخاصة بهذه السنوات الستة الأليمة التي حركت ذئاب الأرض كلها ضدها... لأنـه من الــعــار كل الــعــار ان نترك الوحوش تنهش جسدها المتعب... علينا أن نتخلص من هؤلاء الذئاب المتآمرة عليها.. باسم الدين والانطواء والانعزال والتعصب الديني والعودة إلى التوحش والكراهية والقتل... وحين يعود الســلام.. ولا أدري متى سيعود... حينها نتكاتف مع من تبقى من الأحرار والعلمانيين.. ونحاول إعادة البناء السليم.. والوطن السليم.. والقوانين والشرائع السليمة لوطن جديد... ولسنا بحاجة إلى محاضرين محترفين.. ليتحدثوا عنا وعن تاريخنا وعن بلد كانوا مشاركين بتجزيئه وتفجيره وتشريد شعبه......
*************
عـــلـــى الـــهـــامـــش :
ــ " الـمـعـارضـة الـديـمـقـراطـيـة "...
كلما اشتدت الأزمة السورية, وحقق الجيش السوري بعض الانتصارات على الأرض السورية, ببعض المناطق الساخنة التي سيطرت عليها فصائل داعش أو جبهة النصرة أو جند الشام, أو العشرات من الفصائل الإسلامية النائمة والمتحركة.. يخرج لنا الناطقون باسم تجمع الدول ــ التي تدعي على الورق ــ محاربة داعش.. (لا ينطقون بهذا الاسم.. بل بتعبير الإرهاب).. يخرجون لنا الحديث عن "المعارضة الديمقراطية" والتي كانت تستضيفها الحكومة الأردوغانية وعديد من الدول الأوربية المشاركة بهذا التجمع, والذي يحارب الإرهاب الداعشي والنصروي, على شاشات الإعلام فقط.. بينما بالحقيقية الحقيقية على الأرض, يفتح لهم ممرات الانسحاب مع عائلاتهم, مؤمنا لهم كل وسائل الانتقال (غالبا باصات حديثة آخر موديل مع مكيفات هواء) للانسحاب من منطقة إلى منطقة أخرى تبتلي بهم وبشريعتهم وإرهابهم وفظائعهم وقوانينهم المرعبة.. ومتابعتهم لقطع الأعناق علنا بالشوارع... وفي نفس الوقت نرى سيدة أو سيد من هذه المعارضات السورية الدونكيشوتية العتيقة.. تتكلم على القنوات الاعلامية الفرنسية المتخصصة بتسويد سمعة السلطة السورية وحلفائها على الأرض.. وعلى يمينها ويسارها " خبير فرنسي " يطيب لها.. بينما الخبراء الثلاثة.. السوري أو السورية والفرنسيان.. لم يطؤوا الأرض السورية على الإطلاق.. منذ اندلاع هذه الحرب الآثمة المجرمة المدبرة المدمرة.. ضد هذا البلد المتفجر وشعبه الجريح...
خــبــراء تـنـكـيـون.. ومعارضة وهمية تنكية وما تبقى.. وإعلام تنكي... وضمائر تنكية...
الحقيقة الحقيقية الوحيدة الباقية.. هو الشعب السوري الباقي هناك.. والذي يعاني على الأرض هناك, كل حقائق الحرب وجرائمها وآلامها وجراحها وحرماناتها اليومية.. وآلامها وانتصاراتها وانكساراتها,, وخاصة تضحية شبابها.. حتى أن هناك مدنا وقرى كاملة لم تعد ترى فيها شبابا أو رجالا ما بين سبعة عشر عام وسبعة وأربعين... مئات الآلاف قــاومــوا.. اختفوا.. ماتوا,, رحلوا,, هاجروا.. هربـوا.. هؤلاء المحرومون من كل شــيء.. كل ضحايا الإرهاب الإســلاموي المريع.. وهذه المذابح الجماعية Génocide والذي لم يعرف مثلها العالم بالقرن الواحد والعشرين.. والذي لا يمكن أن تمثله على الإطلاق أيا من شخصيات هذه المعارضة " الديمقراطية الهيتروكليتية المبعثرة النائمة بتركيا أو بالعواصم والمدن الأوروبية.. والتي توقظ بعضا منها من وقت لآخر, حسب حاجات العرض والطلب.. بعض سفارات الدول التي ساهمت وما تزال تساهم بتفجير الوطن السوري وشعبه.. تنفيذا لمخططات كيسنجرية ــ صهيونية ــ عربانية ــ نفطية عتيقة... ولم تكن أبدا من أجل السلام والديمقراطية والتآخي بين الشعوب!!!..............
بــــالانـــتـــظـــار...
للقارئات والقراء الأحبة الأكارم... هـــنـــاك و هـــنـــا... وبكل مكان بالعالم... وخاصة لكل إنسان حـر بالعالم يدافع عن الحقيقة الحقيقية والعلمانية وكرامة الإنسان... كل مودتي وصداقتي ومحبتي واحترامي ووفائي وولائي.. وأطيب وأصدق تحية إنسانية مهذبة,
غـسـان صـــابـــور ــ لـيـون فــرنــســا