لا يحدث إلا في أوطان اليأس!

توفيق أبو شومر
2016 / 10 / 1

إليكم هذه الصور، المنظرُ الأول:
بيتٌ اختارتْ له مالكتُه البلاط المنمنم، وأشرفتْ على دهان سقفه الأملس الناعم، تتدلى منه الثُّرياتُ والأضواءُ، وبلاط مطبخُهُ يعكس الأضواءَ، فتبدو شعلةَ موقدِ الطبخ معكوسة على سطحه، أدراجُه الخشبيةُ المملوءة بالأطعمة المجففة، والأطباق الزجاجية، والصينية الفاخرة، وعشرات المنظفات، والمذيبات، والمُفاعلات، والمُطهرات .
المنظر الثاني:
سيارةٌ فاخرة، كساها صاحبها بالفرو الغالي، ووضع فيها من الروائح الجميلة أثمنها، واشترى لها قطعة من جلد غزال ليُلمِّع زجاجها.
المنظر الثالث:
دكانٌ تجاريٌ، تستلقي فيه البضائعُ فوق الرفوف، وكأنها طيورٌ أليفةٌ، مختلفة الأشكال والألوان، يفتحه صاحبه في الصباح الباكر، ويطرد بقايا الغبار، بمذبة ريشية غالية، لتصفو عُلبُ البضاعة وتلمعُ، لتغري الناظرين .
المنظر الرابع:
شابٌ جميل، اعتاد أن يجلو وجهه بأغلى أنواع الصابون، ثم يتأملُ تقاطيعَ وجهه في المرآة، ثم ينثرُ على يديه شذا الطيبِ المعلب، المستورد من جزر العطور، ثم ينثرُ الجل فوق شعره ليصطف في مدرجات، ولا يترك البيت إلا بعد أن يتأكد بأن قميصه وبنطاله قد حافظا على خطوط السهم الكهربي (المكواة)، ولا يخطو خطواتِه الأولى إلا بعد أن يتأكد من لمعان نعليه، فيفركهما بسائل لامع، ويُغادر البيت!!
ما أروعَ النظافةَ ولكن، إليكم ما يفعله هؤلاء:
أما ربةُ البيت الأولى، فقد حملت بقايا نفايات قصرها المنيف!! وفتحت الباب الخارجي ببطء، والتفتتْ ناحيةَ الشمال واليمين، ثم طوَّحت ببقايا منزلها وقمامته في وسط الطريق، أو تحت صندوق القمامة، ونثرتْ قمامة منزلها، حتى تُضفي منظرا آخر على لون الإسفلت الأسود!
أما صاحب السيارة الأنيقة الجميلة والنظيفة والفارهة، فما إن يتوسط الطريق، حتى يفتح شباك نافذة سيارته، بتأنٍ وثقةٍ، وهو يحمل في يده منفضة السجائر، المملوءة ببقايا الرماد، وينثرها مع الريح في الشارع العام، فوق الإسفلت الأسود القاتم!!
أما صاحبُ الدكان، فإنه يجمعُ غبارَ دكانه، وعوالق رمالِ أحذية الزبائن، وينثرها هو الآخر في الشارع العام، غير بعيد عن باب دكانه، في انتظار أن يعيدها الريحُ إلى الدكان، مرة أخرى، عند أول الهبّات!
أما الشابُ الأنيق، الخالي من الأدران، المشحون بروائح العطور، صاحبُ الحذاء اللامع النظيف، فإنه بعد أن يترك منزله بخطواتٍ، يُنظف ما علِق بمنخريه من غبار الشارع، فيضغط بإصبعيه على طرفي أنفه، ويخرج المخاط وسط الشارع العام، فوق الإسفلت الأسود الكئيب، وأخيرا يتحسس جيوبه، ويُخرج منديلَ ورقٍ أبيض، ليمسح أنفَهُ، ويرميه في وسط الشارع ، تحت أقدام المارَّة!
الإسفلت في وطننا، هو شارعٌ يملكه الجميع، ولا يحق لأحدٍ، مهما كان، أن يدَّعيَ ملكيته، فهو من الأملاك العامة، لذا، فإن أي فردٍ يستطيع أن يفعل فيه ما يحلو له، بدون أن يعترض عليه أحد!
المناظر السالفة لا تحدث إلا عند الشعوب اليائسة، التي فقدتْ الأمل في مستقبلها، وهذه الممارسات هي أبرز علامات الفناء والموات!!