مستقبل الإرهاب الديني

سامي عبد العال
2016 / 9 / 29

هل للإرهاب الديني مستقبل؟! ربما ينزعج البعض إنسانياً من هذا السؤال، طالما يطرح موضوعاً سبَّبَ كوارث ومزَّق مجتمعات. لكن متى استطاعت الجوانب الإنسانية تقليص الإرهاب أو تقويته؟! إنه ظاهرة غير منضبطة بمعايير واضحة. كما أنه لم يعترف بالإنسان كإنسان، إنما استباح وجوده وحريته وحياته. بطريقة أخرى...هل للإرهاب مستقبل إذا قطعنا علاقته بالدين؟! ومن ثم يتوزع المستقبل بلا اعتماد متبادل بينهما. لنتجنب انحرافات الأصولية العنيفة ولنقلل من حمأة الجهاد الدموي. وهل علاقة كهذه قائمة ميتافيزيقياً أم بشروط الثقافة؟!
يجب فهم قضايا الإرهاب الديني حتى نراقب مستقبله من عدمه. لأنَّ معرفته السطحية في حد ذاتها قد لا تجدي إلاَّ بصدد أفعال فردية. فتنظيم القاعدة لم يكن معلقاً بمصيره الخاص بل كان أشبه بكرةٍ بين أقدام لاعبين عالميين ومحليين. لقد كان تنظيماً يشابه ألعاباً أكروباتية تتحرك عن بعد. هو كذلك وإن لم نمسك الأيادي الغريبة متورطة بمساعدته. تلك التي ترتديه كقفازات سياسية لأغراضها الخاصة. أشار نعوم تشومسكي أن التنظيمات الجهادية أوراق لاصقة على حاشية القوة الأمريكية. معتبراً الإرهاب صناعة ثقيلة ربما توازي الصناعات الاستراتيجية والحيوية.
هناك عدة أهداف وراء ذلك: أنَّ الإرهاب هو الشبح الذي يضمن تخويف القوى الأخرى. كما أنَّه يسمح بتدخل ومراقبة أمريكا لكل المجتمعات. علاوة عن أنه ينصب أمريكا شرطياً لملاحقة الجناة بلا هوادة. وليس أقل من أنه سيوفر مناطق رخوة سياسياً وعسكرياً كحقول سياسية لالتهام ثرواتها. وكذلك سيتيح الظفر بالاستثمار العسكري فيها.
ذلك الوضع مرتبط بثنائية "الكنز واللص". فإذا كان صعباً الاستيلاء على "كنزٍ ثمين" بمكان ما، فلماذا لا نأتي إليه بلص ماكرٍ؟ واللص هو الإرهاب الذي يتهدد الحكومات الصديقة(الدول العربية). وحينما لا تجد حيلولة دون استشرائه بإمكان اللص الأصلي(أمريكا) أن يتدخل. وبالتالي تستطيع القوة الأكبر الاقتراب من الكنز ورعايته. وبذات الوقت لا يمنعها من اللصوصية الناعمة تحت عنوان محاربة العدو المشترك.
إذن المستقبل لا يفترض الإرهاب منعزلاً عن: تاريخه الديني وإدارته واستعماله واعادة إنتاجه. وتلك القضايا الحرجة تحدد: ما إذا كان له معنى بالنسبة إلى خطاطة معارفنا أم لا؟ وسؤال معناه استفهام مستقبلي. لأنَّ المعنى بمستوياته الدلالية والمعرفية والاجتماعية يحضر في الغد. فالإرهاب ظاهرة لصيقة بظواهر أخرى دائماً. كما أنه لا يعتبر مستقلاً بحال من الأحوال. لكنه لا يكف عن الإيهام بأنه مستقبلي لأطول فترة ممكنة.
فالدواعش كانوا يطلقون وعودا شبه مؤكدة بحكم العالم العربي إن لم يكن الكون قاطبة. وهم يعتقدون ذلك بنسغ الخلافة التي ستحل كافة المشكلات. وستحقق الجنان الموعودة. وكذلك اعتبرت الجماعات الجهادية السلفية والاخوانية أن غزواً قديماً لامبراطوريات ( الفرس والروم ) كانت بشارة مبكرةً لهؤلاء الخلَّف إذا ساروا على طريق السلف.

* مفارقة الدين

ينطوي الإرهاب الديني على مفارقة ضمنية. بيد أنها تحدد مساراته نشوءً وارتقاءً. المفارقة هي: إنه بالوقت الذي يتأصل الفكر الإرهابي فيه يزعم كونه من (صحيح الدين). ذلك أن الدين ينطوي على نزوعين أحدهما يعوض الأخر ويطيل وجوده: نزوع فردي خاص... ونزوع عام يغطي المجال الاجتماعي والثقافي. وبذلك يستحيل فصل النصوص الدينية التي يشتم الإرهابي منها تحريضاً على العنف دون سواها. فالآية التي تذهب" اقتلوهم حيث ثقفتموهم" لا تنفصل عن بعض القرآن " وجادلهم بالتي هي أحسن". أيهما أقرب إلى الموقف تجاه الآخر إذا أردنا توضيحاً للأمر؟
إنَّ الوضع الاعتقادي للمسلم يكبل حركته بطبيعة الثقافة التي يتنفسها. لأن اقتلوهم تنطبع في مخيلته على هيئة أشخاص يعتنقون ديانات أخرى. ويراهم فقط داخل حلبة الصراع الأيديولوجي الماثل فيها. لأن النقيض الأيديولوجي أكثر ظهوراً في الواقع المأزوم. وهذا الالتباس منطقة عمياء سيتمدد فيها الإرهاب مستقبلاً. وفي تاريخ الاسلام السياسي كانت هذه المنطقة سبباً مباشرة لظهور جماعات فرعية من التنظيمات الأم. كـجماعات " التكفير والهجرة" و"أنصار الشريعة" و"الجماعة المقاتلة" في علاقتها بالإخوان المسلمين. وحتى قبل ذلك لا أبالغ حين أقول إن الوهابية السياسية تتغذى منها وتؤكدها.
هناك عدة ملاحظات:
1-التبادل وراد عادة بين الآيتين السابقتين(اقتلوهم-جادلهم). ونادراً ما نرى تسامحاً جذرياً يلغي ما كان قبله. إنه يأتي جزئياً. وفي هذا يضرب المثال الشهير بمرور جنازة يهودي على نبي الإسلام. فيقال إنه مشي وراءها على اعتبار أن الميت روح إنساني: أليست نفساً؟! بينما قد لا يُجدي- أو بالأدق لا يُبذل- هذا التسامح كما لو كان المستحيل. وتصبح الغلبة لـ " اقتلوهم" كفعل أمر يلتهم لغة النصوص الدينية. ويضبط إيقاع العلاقة بين الديانات والمذاهب والمعتقدات. لأن الإسلام – كما قال نبيه أيضاً- يجُب ما كان قبله.
2-النصوص الدينية نصوص تعويضية في إفراطها الدلالي. فلأنَّها غير واضحة لن يستطيع المسلم إلاَّ أخذا لها بعين التشدد. كما أنها تعمل على ربطه بأقرب معنى يراه ملتصقاً بنفسه. فلو قلنا لشخص يعيش في بيئة صحراوية آيات بها القتل والتشدد سيفهمها بأنها على هذا المنوال دون سواه.
3-المعتقدات الدينية تشتغل على الغرائز الأولية للإنسان. لأنها لا تقبل تراكماً معرفياً أو حياتيا سواها. وكذلك تزيل الطقوس يومياً كل العوالق الإنسانية بالجسد والخيال. فالصلاة مثلاً صلة رأسية بين المسلم وربه بلا وساطة. وإذا كانت فيها وساطة لن تقبل بسهولة. ونفس الأمر في عملية الوضوء كجانب رمزي لتلك العملية. إذ يلامس الماء الجسد مباشرة. وتمسحه كمادة خام للمقدس. ولهذا يسمى الوضوء بالطهارة. وهي إزالة الأدران – كما يُتصور- بإخراج الجسد وإعادة تشكيله وفقاً للعلاقة الرأسية مع الله.
ومضمون هذا أن المسلم كما يغتسل بالماء عليه أن يغسل ذاكرته ودماغه من كافة الأدران المعرفية والخيالية. بعض الفقهاء المعاصرين يحمدون الله ويكبرونه أنهم لم يقرأوا خلال حياتهم سوى كتاب الله وسنة رسوله.!! أي أن التجربة الإنسانية ستظل محكومة بثقافة الجلد الخاص. هذا الذي ينتسب المسلم إليه كحصن ضد جلود أخرى يعتبرها مناوئة لديانته. والخطورة أن الاعتقاد يعيش حالة تجريف متواصل لأبعاده الإنسانية. فالإنسان لن يحصل على تلك الأبعاد غنية إلاَّ خلال تنوعات الحياة. كيف سيكسب أبعاداً ثرية وهو يتصور الدين كامنا في حواسه وكيانه المادي؟! وههنا فالتفجر الذي يقدم عليه الإرهابي إنما هو تفجير لكيانه الجسدي. فهو يراه الأنقى والأقذر بنفس اللحظة. والتفجير لون من التضحية به لتلك الفاصلة المزدوجة: الطهر- الدنس. والتفجير تحرير للتصورات من مستوى الجلود كي تصعد إلى السماء دونما عودة.
4-بهذا التأسيس لا يقبل الاعتقاد الديني اختلافاً ولا تنوعاً في الرؤى. فالتأسيس يعتمد – شئنا أم أبينا- على النقاء الذاتي. أي أن: كل متدين يتصور نفسه المالك الوحيد للحقيقة. وفي عين الوقت تضعه الثقافة الدينية فوق المساءلة لمجرد انتمائه إلى الدين المهيمن. هذا إذا ما قورن بغيره من أديان أخرى.
5-ابطال مفعول العنف الديني لن يتم إلاَّ بحياة كاملة انفتاحاً وتواصلاً. لا تنحصر في أخيلة ماضوية ولا تراثية إنما كيف يعيش المسلمون حيواتهم بزخمها المعاصر. الدين ليس بديلاً للحياة أيا كانت. فهو لا يستطيع أن يحل مشكلات العالم. وكم رأينا في المناطق التي تغص بالصراعات الدينية تتعقد المشكلات. وهذا يعني أن شرط وجود الدين ألاَّ يكون ديناً. لأن الحياة ستحدث تغيرات جوهرية في معتقداته ومفاهيمه. وسيصبح مطالباً بتغيير رؤاه للحياة ذاتها.
6-الغريب في أمر الفرق والمذاهب الاسلامية أنها تحافظ على "ثباتها التاريخي" مقابل دوران الواقع حولها. وهذا يقزم أية أحداث ممكن أن تتلاقاها. لأنها تتصور المشكلة في الواقع الذي لا يسير وفق منطقها. من ثم كان العنف هو الأولوية لديها كرد فعل على الاغتراب الإنساني الدائم بالنسبة إليها. فلو ظهرت فرقة الآن فإنها ستكون مغتربة وماضوية. نظراً لأن أسباب وجودها ليس وليدة العصر. بل كان وجودها سلاحاً لمواجهة العصر!!
وطالما أن الإرهابي لا يعترف بالديانات الأخرى سيكون الدين حاضنة لتفريغ الذهنيات المغلقة. ومهما تكن درجات الاصلاح فلن تجدي دونما كسر هذا الطوق الحديدي. والفكر الإسلامي رغم محاولات معالجته إلا أنه مازال لم يكسر أي طوق. لا في الأسس التي يتعامل معها ولا في الصور النمطية للنصوص ولا في طرائق التفكير. فكل ذلك ترسب على هيئة تراث لا نقوى على تصفيته ابداعياً. كما يقول أمين الخولي أول التجديد قتل الماضي بحثاً ونقداً.

•إدارة الإرهاب

عندما تغلغل داعش في الأراضي السورية قال أوباماً: نحتاج عشر سنوات للقضاء عليه. هذا ينبئ عن أن اللعبة أكبر من خريطة صانعيها. وهوليوود قدمت لنا أفلاماً عدة حول هذا التمثيل الخادع(السيمولاكرsimulacrum). تعالج كيف يمكن صناعة الفيروس أو الكائنات الغريبة وكيف يتم التعامل معها.
صحيح البيئة العربية والاسلامية تنتج إرهاباً متواتراً إلاَّ أن القوى الكبرى تستثمر هذه البيئات المنتجة لصنف نادر من العنف. فهذا الذبح والتفجير باسم الرب لم يعد موجوداً في المجتمعات المتحضرة. ولئن كان العرب لديهم احتياطي نفط(الذهب الأسود) فلديهم كذلك الذقون السوداء(اللحى الذهبية). والذهبان يرتبطان معاً لإنجاز نفس الغرض السياسي العسكري. فمن الخطأ اعتبار الجماعات الجهادية معادية لأمريكا وإسرائيل. حتى وإن اعلنت عن ذلك صراحة. ليس هذا حكماً تجاه قضية غير معروفة، بل لسبب منطقي وموضوعي. مؤداه: أنَّ الغاية من وراء الجماعات الآنفة تخدم تلك القوى وأذيالها إقليمياً ودولياً. تخدمها في تفتيت المجتمع وانعاش الرأسمالية الحربية.
فأمريكا وروسيا لا يهمهما محاربة داعش وملحقاته. هما يفعلان ذلك لأن الخريطة التي يعيش فيها الأخير خريطة مهمة. كما أنها ساحة لألعاب عولمية من شأنها توظيف الإرهاب لخدمة المصالح المبتغاة. ولهذا مع تدخل القوى الكبرى في الوضع السوري اختفت القوى الصغيرة وتضخمت الخطوط التي تسلكها القوى الكبرى. وكأن العالم كله قد اختزل في مساحة سوريا. وكأن الدولة السورية- وهي كذلك بالفعل- لا تعنيهم في كثير ولا قليل.
لنتأمل كيف تركت أمريكا الفيروس الداعشي يستفحل على طريقة هوليوود. ثم اضاعت الوقت وراء الوقت في اجتماعات دولية للتعاون في محاربته. ثم السماح للتنظيم بالاستيلاء على مناطق شاسعة على الصعيد المحلي. وبعد ذلك اعتبرت انظام الأسد عقبة كأداء في طريق محاربة الإرهاب. بل ربطت بينه وبين الإرهابيين كنوع من تبادل الشروط الوجودية التي تضمن بقاءهما(الأسد- داعش). ثم وضعت التخلص من الأسد كمرحلة ضرورية للإجهاز على الدواعش.
ومع دخول روسيا انكشف الأمر. استطاعت أن تقضي على تمدد التنظيم فقط. لكنها لم ترد الإجهاز عليه نهائياً زاعمة أنه لا مناص من القتال على الأرض. المهم أنها فسرت لماذا كان الأمريكيون يتباطؤون في انجاز ذلك. ثم تدخلت أمريكا لحفظ ماء الوجه من جهة ولتمديد زمن الصراع العنيف من جهة أخرى. والأمريكيون لا يديرون المشاهد بسذاجة لكنهم يضعون الأرض نصب اعينهم. فدعموا بعض القوى الميدانية مثل قوات سوريا الديمقراطية التي ستبقي على مواضع أقدامهم.
والمصطلح قميء: كيف تكون سوريا ديمقراطية في حين مازال الصراع المسلح جارياً؟ وهل تأتي الديمقراطية تحت الصواريخ وفوق الجثث؟ هذا يوضح ما معنى الديمقراطية في الأجندة الأمريكية. إنها إدارة الصراع الدموي بغايات وهمية وساخرة. لأن الصراع لن يفرز إلاَّ مزيداً من الدمار والقتل. عندئذ لن يكون ثمة مجال لأية ديمقراطية. كما أنه... أية سوريا تلك التي ستبقى حاملة لوصف الديمقراطية؟ فإذا كانت قوة ما تحمل هذا الاسم مدافعة عنه تحت مظلة ليست بريئة فلن يكون هناك مستقبل لسوريا. فضلاً عن كونه معدوماً بالنسبة لهذه القوى. فالشوك لن ينبت إلا شوكاً. والوضع المتأرجح لم يحسم بعد. وما القوى الميدانية إلاَّ دُمى بشرية سيتم التخلص منها عندما تحل محلها قوة أخرى.
نفس الآلية الزمنية تعاملت بها أمريكا مع جماعات الإرهاب الديني. هذا هو الشرط المستقبلي لوجود الارهاب وسط الصراعات المسلحة. كيف يدار بمنطق "تنظيف الأرض" من الألغام السياسية التي تعترض الدولة الأمريكية؟ وبأية طريقة سيُجهز وظيفياً على نقيضة(الأنظمة الحاكمة) وكيف سيُجهز على نفسه أيضاً؟! إن المستقبل مرهون بخلق المضاد البيولوجي للقوى الفاعلة على الأرض العربية. ليس يهم العنوان... دينياً أو دون ذلك، لكن المهم من يقدم قدرات أكثر، ومن لديه فائض خدمات لأمريكا أو غيرها. وكيف سيتحول الميدان إلى سوق لتسليع القوى والأهداف.