نَحْوَ تَحْلِيلٍ أُنْترُوبُولُوجِي لِلْبُورْنُوغْرَافِيَا (2) : [ الجوانب التي نعتقد أنّنا نعلمها ( الجزء الأوّل ) ]

ضياء البوسالمي
2016 / 9 / 29

رغم وفرة الأعمال الأدبيّة حول البورنوغرافيا، فإنّ هذا الموضوع ظلّ مغيّبا لأنّ الكتّاب عادة ما يقدّمون تعليقا سطحيّا، رأيا متشدّدا و جاهزا أو تحليلا لبعض الأعمال التي تطرح تمثيليّتها إشكالا.
الإنجازات قليلة و نادرة و يمكن أن نضبطها في قائمة محدودة.

في البداية، تجدر الإشارة إلى أنّ الصناعة ( البورنوغرافيا ) موجودة و قد شهدت إنتشارا واسعا و ملحوظا خلال العشرين سنة الأخيرة. في أميركا الشماليّة، عادة ما يُقَدَّمُ رقم معاملات سنويّ يساوي 5 مليار دولار؛ و هذا يعتبر رقما مهما و لكنّه يمثّل 2.8 % من سوق بيع الكحول في الولايات المتحدة الأمريكيّة. كان لهذه الصناعة كذلك تأثيرا إقتصاديا غير مباشر، على الأقل على مستوى السياحة ( مثال كوبا قبل الثورة و الدنمارك في أواخر الستينات ) و على مستوى التطور التكنولوجي؛ تقنيات تسجيل الفيديو و أخيرا، الكاميرا مكّنت من تطوير الصور دون الجاجة إلى اللّجوء إلى مختبر.
نحن نعلم كذلك أنّ تقنيات التّسجيل، إعادة الإنتاج و بثّ الصّورتحوّل المجال السمعي البصري لكتاب و تقوم ببتمرير نوع كامل من البورنوغرافيا من من دائرة العامّ إلى دائرة الخاصّ؛ و هذا ما يعلن - على الأرجح - موت السينما المختصّة و هو ما يجعل كذلك كلّّ محاولة حجب صعبة التحقّق و عقيمة.
من جهة أخرى - و على الرّغم من أنّه لا دليل على ما تقدّم - يبدو أنّه من العقلانيّ إعتبار دَمَقْرَطَةُ البورنوغرافيا في الغرب إنجازا مهمّا. لقد كانت البورنوغرافيا في الماضي - في تعبيراتها الأكثر تفصيليّة - حكرا على صالونات البرجوازيّة، ثمّ تحوّلت تدريجيّا لتصبح متاحة للجميع وللبروليتاريا التي لم تكن تملك من البورنوغرافيا سوى مجرّد قصص فاحشة، لكن أصبح بإمكانها فيما بعد أن تتستهلك بالعين أنواعا متعدّدة من الأجساد المبهرة و التي كانت مخصّصة لأصحاب النّفوذ.

من زاوية أخرى، إذا نظرنا إلى هذه الصّناعة من جهة الأنتروبولوجيا الوصفيّة ( ethnographie ) و قمنا بدراسة كاملة في هذا المجال، نستنتج أنها أن تمنح و تهدي كلّ شيء. لقد وهبت صناعة البورنوغرافيا كلّ الصور الممكنة و ذلك نتيجة لإنطلاقها من قناعة راسخة : الممارسات الجنسيّة تغطي كلّ التنّوع الموجود و الإعتقاد في وجود سوق/ساحة لعرض و "تجسيد" كلّ هذه الممارسات؛ إلى درجة أنّ إشتغالها الدائم على مستوى الجسد فقط حوّلها بسرعة إلى حقل فقير و مُسْتَهْلَكْ. إشتغلت صديقة على تحضير فيلم دنماركيّ بعنوان "الحياة الجنسيّة للمسيح" و قد أحدث هذا الفيلم ضجّة و جدلا دون أن يقع تصويره. تخبرنا الصديقة عن حيرة منتجي البورنوغرافيا : " عندما أظهرتم كلّ حيثيّات جسد الإنسان، و إستغللتم كلّ أنواع الحيوانات التي يمكن أن تُقَام معها علاقة جسديّة وأظهرتم بالتفصيل كلّ هذا الشذوذ، ماذا تفعلون ؟ ماهو هدفكم ؟ " المنتجون قاموا بكلّ هذا و يسألون عن العمل بعد ذلك.
و رغم كلّ ما يُقَالُ عن دور الفنّان في التّجديد و البحث عن الجنون و الخارج عن المألوف، تبقى البورنوغرافيا سجينة حركات "ميكانيكيّة" للأجساد لذلك فإنّ هذه الصناعة تعاني من المبالغة في تقديم مثل هذه الأشياء : مثال الدنمارك له قيمة بالنسبة للكثيرين حيث تعتبر هذه الظاهرة حديثة نسبيا، لكن و على الرغم من ذلك، فقد وقع تجاوز صدمة البداية و متعة خرق و تجاوز الممنوع، لتنخفض نسبة الإستهلاك و تستقرّ بين 12% و 15% من السكان و بذلك تظطر الصناعة إلى الإقتصار على نسبة معيّة من المستهلكين.
هذه الإنجازات المعدودة تبقى ثانويّة أمام الأهميّة التي يعطيها الأدب للتّأثيرات الإجتماعيّة للبورنوغرافيا. أغلب المهتمّين قلقون من آثار إستهلاك كمّ هائل من الصور الإستيهاميّة. والغربيّون و إن كانوا معتادون على التّمييز بين الحقيقي و المتخيّل فإنّ العلاقة بين هذين العالمين أصبحت تثير إهتمامهم. يُعْتَبَرُ هذا الموضوع من أكثر المواضيع التي وقع درسها و لم يقع تقديم حلول، و قد كانت الأجوبة و الحلول الأكثر تضاربا و الأقل تحليلا مُقَدَّمَة على أنّها أكيدة و ثابتة. لكن تبقى هذه المسألة في محور الإهتمامات لأنّ الإجابة ستؤسّس لسياسة إجتماعيّة عقلانيّة في ما يتعلّق بالبورنوغرافيا.