الخراب في قصة -رحلة الشاطر كلكامش إلى دار السلام- علي السباعي

رائد الحواري
2016 / 9 / 28

الخراب في قصة
"رحلة الشاطر كلكامش إلى دار السلام"
علي السباعي
حاولت تأجيل الحديث عن أعمال القاص "علي السباعي" خاصة بعد أن وصلتني على الايمل، لكن شاءت الظروف أن أقرأ "رحلة الشاطر كلكامش إلى دار السلام" وفد فاجأني ايجابيا ما جاء في هذه القصة، فهناك كم هائلة من المعرفة الثقافية المحفز للمتلقي لكي ينهل منها، فهناك حديث عن فنانين، بيكاسو، فائق حسن، والمبدع جواد سليم، صاحب جدارية الحرية في بغداد، وهناك حديث عن بيت هوفن، وحديث عن الكتاب وفنانين العراقيين "جواد سليم، فائق حسن، خالد الرحال، ومحمد مهدي الجواهري، بدر شاكر السياب، محمود بريكان، بلفد الحيدري، غائب طعمه فرمان، محمود جنداري، مهدي عيسى الصقر، وجليل القيسي" فمثل هذا الطرح عادة ما يكون دعوة غير مباشرة من الكاتب للمتلقي ليتعرف على هؤلاء المبدعين، من خلال تناول اعمالهم، فمثل هذا الكلم والنوع من المبدعين يمثل قدرة الراوي على الاختيار الأمثل للنص، للكتاب، وأيضا للعمل الأدبي/الفني، إن كان لوحة فنية أم عمل غنائي موسيقي.
ومما يحسب لهذه القصة تقديمها بشكل ساخر في زمن تفشي فيه العنف والإرهاب وانتشار الجهل وسلطة رجال الدين، وكأن الراوي أرد بهذا الشكل من التقديم أن يطفي لمسة إنسانية، هادئة، بعيدا عن حالة العنف والقسوة السائدة في العراق، وأرادنا أن نتقدم من المعرفة وتجاوزين ما نمر فيه من احتلال وقهر وقتل.
ونجد محفز للمتلقي لكي يتقدم من هذه القصة تحديدا من خلال عنوانها ""رحلة الشاطر كلكامش إلى دار السلام" فجلجامش يمثل مادة مشوقة ومحفزة للمتلقي، لما له من سحر تاريخي ومعرفي وتراثي في الذاكرة العراقية.
مضمون القصة، فكرتها كانت رائدة ومتقدمة، حيث نجد فيها حالة التناقض بين الإنسان المثقف الذي يتعامل مع الكتب ويهتم بها، وبين المواطن العراقي ـ في ظل الاحتلال ـ وكيف امسى هاجس الأمن عنده عقدة، حالة مرض، حالة غير سوية، وكيف أصبحت عمليات التفجير منتشرة ومتفشية في بغداد، بغداد، المدينة العظيمة، التي كانت ملاذ وملجأ لكل خائف، كيف أصبحت مكان للرعب والخوف والقتل، القصة بالمعرفة التي فيها، بطريقة تقديمها، بالسخرية التي فيها، كل هذا يجعل المتلقي يثار معرفيا وفكريا، ويتجه/ينحاز إلى بغداد الثقافة والمعرفة والفكر، ويتجاوز بغداد الاحتلال، بغداد الخوف والجهل.