تجربة الحقيقة ... تجلّياتٌ في ممارسة الخَلق

محمود كرم
2016 / 9 / 28


قد لا نستطيعُ أنْ نتحسَّس جمال الأشياء ، في ذاتِها ولِذاتها ، إلاّ عندما نتخلّقُ كثيراً في تجربة الحقيقة . ولكنْ هل يُمكن للحقيقة أنْ تتمثّل في تجربة ، أمْ إنّ الحقيقة ، تبقى على الدوام فكرة عائِمة وهائِمة في رِحاب الاحتمالات ، وفي التخيّلات الذهنيّة ، والأوهام الشعوريّة ، والاعتقادات الدارجة .؟

ربما وحدهم أولئكَ الذين يتخلّقونَ جديداً دائماً ، في انشغالاتهم الفكريّة والتفكيريّة والإبداعيّة ، يدركونَ تماماً ، ماذا يعني أنْ تكون الحقيقة تجربة . تجربةٌ ذاتيّةٌ كاملةٌ وخالِصة ، تتلخّصُ فيها توجّساتهم واختياراتهم ومعانيهم وتصوّراتهم . ويجدونَ أنّ الحقيقة ، ليست سوى تجربة مكثّفة وعميقة من تجلّيات الذات ، في أفكارها وممارساتها وتوجّساتها وشكوكها وآفاقها واشتهاءاتها المعرفيّة ، وفي تماهيها الخلاّق مع تحوّلاتها ، وفي توافقاتها الوميضة مع أنساقها في التغيير والتجديد ..

وربما الحقيقيّون ، يجدونَ في تجربة الحقيقة ، تلكَ اللحظات التي تلهِمهُم دفقة الضّوء الساطعة . إنّها اللحظات الصانِعة لذلكَ التّوق الشهي ، في الانسجام والتعالق الحميميّ مع تدفقات الأفكار الحرّة ، والفلسفات الخلاّقة ، والتأملات المضيئة . وتجربة الحقيقة ، لا يُمكن لها أنْ تكون فاعلةً وحقيقيّة وناجزة وناطقة وملهمة ، إلاّ حين تتجسّد بعمق في أفكارهم وفي فلسفاتهم وفي تأمّلاتهم . تلكَ الحقيقة التي تعني لحظة الخَلق الحرّ للفكرة أو للطريق أو للمعنى ، وتعني تالياً معايشتها بِكلّ تلكَ المهارة الذاتيّة في ممارستها ، وفي رعايتها بوعيٍّ وتبصّر ، وتعني أيضاً ، بِشكلٍ حقيقيّ ، قدرتهم على نقدها أو تجاوزها ، إلى لحظاتٍ أرحب وأعمق ..

وثمة إثارة معرفيّة بالغة التشويق ، في تجربة الحقيقة ، تلك الإثارة التي عادةً ما نجدها خلف الأشياء ، وما وراء الظواهر ، وما بين الأفكار ، وتحت الركام ، وفي انسيابات الذاكرة . إنّها الإثارة المعرفيّة التي تتوهّجُ سطوعاً في مخاض الخَلق ، خلق المعنى الذي ينسجم بفاعليّة مع وجود الذات على قيد التجربة والممارسة ، ووجودها في غمار تلك الإثارات ، خالِقةً للفكرة واللحظة والذاكرة ..

أليس أمراً مثيراً ، أن نتقصّد المعاني والأفكار في إثاراتٍ من التفكير والسؤال والدهشة والخيال ، بعيداً عن التفسيرات التلقينيّة الساذجة ، وبعيداً عن منطوقات المنقولات التراثيّة ، وبعيداً عن قوالب الثقافات الأسمنتيّة الجامدة ، وبعيداً عن منطق الافهامات اليقينيّة . أليست ثمة إثارة معرفيّة خلاّقة ، في أنْ نبقى نتساءل عن حقيقة الإنسان ، في كونهِ واهباً لوجوده ، وفي كونه صانعاً لحاضرهِ ومستقبله ، وفي كونهِ أيضاً متسائِلاً عن توجّساته وقلقه وأفكاره ، وفي كونهِ لاهثاً خلف ما يروي ظمأه الفكري ، وفي كونهِ مستنطقاً للغموض والخيال والمتاهات ، وفي كونهِ باحثاً عن معنىً يمنح وجوده جوهر الحقيقة ، وفي كونهِ أيضاً صارخاً ومحدّقاً ومفكّراً . أليسَ في كلّ ذلك ثمة إثارة خفيّة ، قد تكون عصيّة على التفسير ، ولكنها في مطلق الأحوال ، صانعة للحظة الخَلق الحرّ للأفكار في تجربة الحقيقة ، ودافعة للتساؤل الحرّ في خضمّ تدافع المعاني والمفاهيم . هذه الإثارة فعلٌ تفكيريٌّ مفعمٌ بِخلق اللحظات التساؤليّة والنقديّة ، والتي تتجّذر عميقاً في التكوينات الجوهريّة لتجربة الحقيقة ..

في تجربة الحقيقة ، تسعى الذات الخالِقة للحظتها التفكيريّة والنقديّة ، إلى تهشيم الوهم ، وتحرير العقل من ترسّبات المفاهيم الاستلابية . لأنّها ، أيّ الذات في تجربتها لحقيقتها الناطقة والملهمة مع الحياة والواقع والأفكار والتصوّرات والتوجّسات ، تحدُّق هنا في الجانب الشاخص والواقعي من الأشياء . إنّها تتجاوز الوهم لِصالح الواقع . الواقع الذي تعرفُ كيف يكون ناطقاً ومفعماً بِوعيّ اللحظة . الوعيُّ الذي يستدعي لحظته الطافحة بالذاكرة المعرفيّة ، والمسكونة في الوقتِ ذاته بِقدرة الخَلق ، خلق الواقع الذي ينتصر للعقل ، والواقع الذي يستنير بِالفكرة والفهم والتحليل والسؤال ، والواقع الذي يستجلي تجربة الحقيقة في تجلّيات لحظة الوعيّ ووعيُّ اللحظة ..

في تجربة الحقيقة ، ثمّة طريق ، يتجذّر رسوخاً عند كلّ نقطةِ فهم ، من حيث أنّ الفهم ، محطّات فكريّة ونقديّة في تفكير الإنسان ، تتراكم معرفيّاً ، وترتحلُ بانسيابيّة خلاّقة من محطّةٍ إلى أخرى ، عبر تلك اللحظات البارقة بِمتعة الاستدعاء الذاتيّ الحرّ للأفكار والتساؤلات والذاكرة الملهمة . والفهم في معناه الأشدُّ سطوعاً هنا ، هوَ ذلكَ الوضوح الناصع في إعطاء الأشياء ، معانيها المنسجمة مع تخلّقات الذات في تجربة الخَلق . فمثلاً لا تعني الحرّيّة ، وغيرها من قيم الذات شيئاً ، إذا كانت فارغة من المعنى الخاص الذي يستخلصه الإنسان ، توافقاً عميقاً مع ثراء تجربته الفكريّة والتفكيريّة ، ومع ما يستطيع أنْ يجدهُ فهماً حقيقيّاً ، يرتكزُ عليه للانطلاق مجدَّداً في ذات الطريق ذاته . إنّه الطريق الذي لا يتوقّف عند نقطةٍ ما ، بل يبقى مفتوحاً على تلك الآفاق الطليقة من الأفكار والاحتمالات والتخلّقات والابداعات . إنّه يسير حثيثاً نحو هدف الإنجاز ، وليسَ الإنجاز في ثقافة تجربة الحقيقة ، سوى نقطة الانطلاق مجدّداً في طريق اللانهاية ..

والحقيقة قد تكون أشبه بتجربةٍ كاملة في معركة . معركة يخوضها ذلكَ الإنسان الشغوف ، باكتشاف المعاني الملهمة لحياتهِ في توجّساته وتأمّلاته وتمرّداته وفلسفاته ، حول كلّ ما يجدهُ متداخِلاً بعمق مع وجودهِ في تبصّراتهِ وتفكّراتهِ ووعيهِ وتجاربهِ . إنّها المعركة التي تنتصر فيها اللحظة الخالِقة لتجربتها الحقيقيّة مع تجلّيات الذات في رحابة الأفكار ، وهيَ المعركة ذاتها التي تدور راحها في ميدان الفعل والعقل والفِكر والتفكّر ، وليس في ميادين التهويمات العابثة والأوهام البائِسة . ففي هذه المعركة ، يخسرُ الوهم دائماً ، لأنّه ليسَ موجوداً من الأساس ، وليسَ هناك معركة إلاّ في رأسهِ ..

وقد لا تعني تجربة الحقيقة شيئاً ، إذا لم تستطع أنْ تمنحَ الإنسان المتطلّع بممارستها واستنطاقها ، جمال الإحساس بها ، فالإحساس بِالحقيقة ، هو جوهر التجربة ذاتها ، وهو نبضها ، وأساس وجودها على قيد التخلّق والإبداع . إنّه الإحساس الذي يوفّر في أعماقهِ ، شغف التواصل ، ومتعة التجلّي ، وفلسفة التمرد ، ووعيُّ المعنى ، وألق اللحظة . وهو الإحساس ذاته الذي يُلهمهُ إدراك الواقع ، ومذاق الخَلق ، ومهارة الانعتاق ، وتجاوز الخوف . وهذا الإحساس الذي يتملّكُ الإنسان عميقاً ، يخلقهُ شعوراً ، ويبعثهُ مستنطقاً وناقداً ومنتقداً ، ويدفعهُ جديداً متجدّداً ، لأنّه يضع الإنسان في مخاض الحركة . فالإحساس هنا في فيض تجلّياته حركةٌ لا تتوقف ، إنّها الحركة التي تجعلُ كلّ الأشياء ، في أعماق الفرد وفي عقلهِ وفي شعوره وفي تساؤلاتهِ وانشغالاتهِ ، وفي معرفياتهِ . تدور في حركةٍ تفاعليّة مع إلهامات العقل والشعور والفِكر ، وتدور في تجلّياتٍ مفعمة بالقبض والبسط ، بالاستحواذ والتخلّي ، بالامتلاك والتجاوز ، بالتجميع والتفكيك ، بالأخذ والعطاء ، بالجنون والتعقّل ، بالسرعةِ والتمهّل ، بالصّخب والهدوء ، بالموت والحياة ، بالنقص والكمال ..

وأنْ تعيش الحقيقة في تجربة ، لا يعني سوى أنْ تكونَ عارياً من أيّة حقيقة ، وحرّاً تماماً في حقيقتك العارية . العارية من أثقال الافهامات السائدة ، ومن أسمال اليقينيّات الاستلابيّة . إنّكَ هنا تملكُ من رحابة الحرّيّة ، ما يجعلكَ واثقاً من حقيقة تجربتك مع الحقيقة ، إنّك حرٌّ هنا في أنْ تكون حقيقتك ، هيَ تجربتك ، وأنْ تكونَ ذاتكَ ، هي ذات تجربتك . ليست الحرّيّة فقط أنْ تملكَ يقين التخلّي عن كلّ ما يُشوّه حقيقتك العارية ، إنّما الحرّيّة هنا ، أنْ تملكَ قدرة الاستدعاء الحرّ ، لبدائِلكَ الحرّة في الأفكار والتجارب والتصوّرات والمفاهيم والفلسفات . وأنْ تملك وعيّ يقينكَ في تجربةٍ مع حقيقتكَ العارية ، يعني أنّكَ في مخاضكَ هذا ، أنتَ توجد حرّيتكَ ، وتمنحها جوهر التجربة ، وأصل الحقيقة ، وجمال الممارسة ، ومهارة التمرين ، وصلابة الاستمرار ، وغزارة التواصل الحميميّ . ولذلك ، فالحقيقيّون ، لا يتوارونَ خلف الأقنعة والظلام والخرائِب والشعارات والتعاليم والقداسات ، إنّهم يأتونَ في عين الشمس ، يسطعونَ بِحقيقتهم العارية من المذهبيّات والتحيّزات والأدلجات ، والعارية من التفسيرات الماضويّة السقيمة والتراثيّات النّصّية ..

وفي كلّ تجربةٍ مع الحقيقة ، أنتَ تعودُ من جديد إلى نقطة اللاشيء ، ولا بدَّ من العودة دائماً إلى اللاشيء ، وكم ترى في أعماقكَ أنّ هذه العودة ضروريّة في كلّ مرّة ، لأنها تمنحكَ القدرة على ألاّ تستبدُّ بكَ أيّة فكرة أو أيّة حقيقة ، خلتها في وقتٍ ما حقيقة مطلقة ، أو وجدتها حقيقتكَ الثّابتة . واللاشيء هنا ، يعني أنّكَ تدركُ حقيقة حرّيتك ، وتدركها جيّداً في تجربتكَ مع الحقيقة ، من حيث إنّها وعيُكَ المتجدّد في تخلّقاتك الفكريّة والتفكيريّة والتساؤليّة ، وهوَ وعيُكَ الذي لا يحبسكَ في ترهّلات اليقين ، أو في تكلّسات الأفكار الجامدة . إنّه يدفعكَ دائماً إلى أنْ تملكَ القدرة ، على العودة حرّاً وواعياً ومُدركاً إلى اللاشيء . وأنْ تعود إلى اللاشيء في كلّ مرةٍ ، يعني أنّكَ في كلّ تجربةٍ مع الحقيقة ، تستطيعُ أن تكون جديداً ، ومتجدّداً ، ومتخفّفاً من أثقال الحمولات والاكراهات الاستلابيّة المستبدّة . واللاشيء هنا لا يلغي رصيد الإنسان هذا ، من تراكماته المعرفيّة ، ولا يلغي خبراته الشعوريّة والذهنيّة في تجاربه الدائمة . بل تمنحهُ نقطة اللاشيء من جديد ، رصيداً جديداً من الحرّية الوافرة ، في اختياراته الحرّة والواعية لها ، وتمنحه عميقاً وعيُّ الحرّيّة ، في الأخذ والترك ، وفي النقد والمراجعة ، وفي البحث والتداول ، وفي التفكير والتساؤل ..