هل يمكن اغتيال الأفكار؟

سامي عبد العال
2016 / 9 / 27

الآن وقد تمَّ النيل من أجساد بعض الكتَّاب والمبدعين، ألم يسأل الارهابيون أنفسهم: هل خرست الأفكار عن الأزيز كالنجوم المتطايرة؟ هل ستُحبس الأفكار داخل أقفاص كحيوانات مفترسة؟! يتوهم الارهاب أنه يحارب أفكاراً حال اغتياله للأشخاص. مثلما جرى مع فرج فوده ونجيب محفوظ وشكري بلعيد ومحمود محمد طه سابقاً. وربما القائمة لن تنتهي بعد هؤلاء. وكأن الفكرة جسد لم يملك المتطرف إزاءه إلا رصاصات قاتلة. كيف ستغتال الفكرة حتى وإن اجهزوا على صاحبها؟! أليس ذلك ظناً خائباً بالمرة؟!
هناك أمثلة كثيرة في التاريخ تثبت ذلك: سقراط تجرَّع السم دونما أن تموت أفكاره. بل زات صحواً وألقاً. فجاء منهجه الجدلي نمطاً فريداً لمحاورة الآخرين. كما صار كلامه عن الفضائل والأخلاقيات مثالاً لمعرفة جوهر الإنسان. فكان سقراط انساناً ضد قوانين الموت بمجرد موته. هيباتيا الفيلسوفة السكندرية وعالمة الرياضيات. مُزقت اشلاءً وفُصص لحمها عن عظامها. ومع ذلك بقيت فكراً ونموذجاً لامرأة تسرى عبر ظلام التخلف والتعصب. والحلاج في الثقافة العربية الاسلامية ذبح وعلق كالقربان أمام عيون الغوغاء. بينما كان صاحب رسالة كأنه علامة تعجب ضد سلطة الفقهاء وعنفوان الفهم المغلق للدين.
مع كل عملية اغتيال- كالتي حدثت لناهض حتر- تحلق الأفكار بعيداً، تنطلق، تمعن في الأزيز، تتوقد شرراً لتلهب الوعي الكسول. ببساطة الأفكار ضد الرصاص. دوماً هي تذهب إلى حيث تريد. لا تتوقف مهما تكن القوى الشريرة. وليس لها حدود ولا قوميات ولا أسوار. وحين يختفي كاتب تتوالد مواقفه وآراؤه بشكل مذهل. لأنها انتقلت من آراء لشخص إلى معانٍ قابلة للتعدد، للتكاثر. بل أضحى الكاتب داخل كل فكرة. وغدا عالقاً بكل معنى. لقد استحال من مجرد شخص كان يفكر إلى أفكار تحمله بجميع مواقفه. وبالتالي انتزعت منه حياته القصيرة ليتوحد بحيوات ممتدة.
هكذا وصل الجنون بالبعض الاسلامي أنْ ينفذ إلى قناعة الآخرين بالموت. وأن يتهدد الفاعلين ثقافياً في صميم وجودهم الحي. وكأنَّ المعيار هو التشفي الأسود على قارعة التاريخ. وأمر القتل هذا يبث تهديداً ووعيداً إلى كل مغاير. لأنَّ جعل الاغتيال واقعةً افتراضية يتيح انفلاتها من قبضة الشأن العابر إلى التعدي على الصامتين. واختراق عيون المشاهد حفراً للصورة داخل الذاكرة الجمعية. معالم دموية كما رأيناها بشخص ناهض حتر تشوه القيم والحقائق الإنسانية. ليس ثمة مبرر إلاَّ هدم كل الأديان من داخلها إذا استحالت إلى أوامر قتل وسفك الدماء. فهي تنفجر بعوامل ذاتية بأيدي هؤلاء الموتورين تحت عباءة الأفعال الهوجاء. إنها مأساة انتحار الإرهابيين حينما يقتلون معتقداتهم قبل سواهم.
القضية أنه عندما ينفذ الارهابي اغتيالاً يكشف عن دموية ديانته. حتى إذا لم تكن ديانته ارهابية(أو هكذا يردد الاسلاميون) فقد ألحق بها سوءاً لا تبرأ منه بتاتاً. لأنه يؤكد رأياً عاماً في تلك المسألة بدليل عملي عنيف. بحيث يصبح فعله الدموي ظاهرة قابلة للتكرار لدى حاملي نفس الفيروس. ويجعل من النصوص الدينية أسلحة فتاكة تحصد أرواح المبدعين. عندئذ ليس يمكننا إثارة أسئلة التأويل والقراءة المنفتحة حولها. بل تجاوز الارهاب ذلك بكثير. لقد جاء النص الديني صخرة معلقة يهوي بها على أدمغة ضحاياه.
أية نكاية ساذجة أن يقتل الجاهل ضحيته دون أن يعرفها؟ هكذا قال قاتل ناهض حتر إنه لم يسمع عنه ولم يقرأ له قبل الحادثة. لكنه عرف من المواقع الالكترونية نشره(أي حتر) لأحدى الصور الكاريكاتورية الساخرة من الذات الإلهية!! فقرر أن يعرف شكله وخط سيره. ثم اشترى آلة القتل منتظراً موعد محاكمته ذاهباً لتفجير رأسه على مرأى من الناس. وأية نكاية فاضحة أن القاتل جاهل بدرجة مهندس. ذات التخصص العلمي الذي يفرغ عقول الارهابيين –في المجال العربي فقط- من أدنى انسانية. وأية نكاية غاشمة أن تنتج مناهج التعليم لدينا عقولاً متحجرة. تترك الفهم والتحليل والنقد باحثة عن فتاوى التكفير وقطع الأعناق. وتتعقب ضحاياها بحجة الجهاد.
أولاً: هذا الاغتيال عدمي خالص دونما تفكير ولا فهم. وهو موقف عدواني بدائي. بالقطع ينتمي إلى عصور الحوافر والغزو والسبي وذبح الأضاحي. لأن الفكرة حينما تثير غريزة الانتقام فليس هناك غير انعدام الإنسانية وغياب العقل.
ثالثاً: تدل مسارح الجرائم – كما في حالة ناهض حتر- على ايقاع الفكرة الكلية. لقد جرت الحادثة بوقاحة أمام قصر العدل الأردني. مغزى ذلك أن اغتيالاً باسم الدين أمام القانون سيمثل إدانة شاملة لكل ارهاب أيا كان. والحادثة تحولت إلى محاكمة عاجلة سيكون القاتل هو الموعود بالإعدام سلفاً. فالسؤال الذي سيتردد: كيف يكون القتل مقبولاً أمام منصات القانون وبالتالي أمام أي قانون آخر؟ فلم يعصف بجسد الضحية بل بالقوانين والعدالة الشاهدة مادياً على ذلك.
ثالثاً: الأفكار تزداد قوة إذا ما قوبلت بالرصاص. لأنَّها –كما أشرت- بدلاً من أن يحملها فرد ستتعلق بكافة الأخيلة والفضاءات. فهي سريعة القفز والانتقال بمجرد التواصل الجمعي. لم يكن ذلك واضحاً من قبل مثلما هو أكثر رسوخاً الآن مع شبكات المعلومات وضمن إمكانيات العوالم الافتراضية. كل الذين اغتيلوا بقيت أفكارهم سارية ومؤثرة إلى الآن.
رابعاً: إذا كان ثمة شيء يميز الأفكار في تاريخ الإنسانية فهو العود الأبدي. كل فكرة وإن ردمت تحت الأنقاض إنما تتحين فرصة ظهورها عبر التاريخ. الأفكار التي ستخبو هي التي تسير بوقود القهر والإرهاب فقط. لأنها لا تحمل مستقبلاً خاصاً بها، لا تمارس الحياة المفتوحة. فهي مفروضة من واقع سلطة خارجية. وما إن تزول الأخيرة حتى تبهت أفكارها وتهترئ. أما الأفكار الحرة فلا تعيش في توابيت، إنها تحيا منطلقة ومتجاوزة.
خامساً: أخبرنا هيجل أنَّ الفكر لا يتوقف عن السيرورة التاريخية. كذلك المفاهيم والتصورات القائمة عليه. فلئن ضمرت الفكرة أحياناً فإنها ستتحول إلى قوة جديدة. مثلها مثل روح الطبيعة التي تتقلب صيفاً وشتاء وخريفاً وربيعاً. تلك الروح موجودة هكذا بأشكال متنوعة لكنها أبداً لا تنمحي. وحتى على المستوى النظري يرى هيجل أنه ليستحيل القضاء على المفاهيم. وربما لا نستطع اعتراضها، لأنها تتحور عبر أكثر المناطق انغلاقاً.
سادساً: الاغتيال – من حيث لا يريد الإرهاب- دعوة صريحة إلى الفهم المفتوح. لأنَّ المتلقي للحادثة سيشعر بكم الألم الثقيل. كأنه قد وقع به مكروه. فالإنسانية في لحظات الكوارث تتصل بعلاقات خفية. وبدلاً من مشاعر التشفي سيكون الإحساس الحميمي المتبادل سيد الموقف. بينما الخاسر الوحيد هذا الارهابي الذي لفظ إنسانيته وأحيا داخله حيواناً متوحشاً.