العراقي والعراقية في رواية -الحفيدة الأمريكية- أنعام كجه جي

رائد الحواري
2016 / 9 / 27


عندما انتهيت من قراءة الراوية قلت: "لو كنت ربا لحاسب كل من لم يقرأ هذه الرواية" وهنا أنا بعد قراءتها بأكثر من ثلاثة اشهر اتحدث عنها، هل لأنها تركتني في حالة من الإنسانية خفت عليها من التلوث في عالم/زمن المادة والمصالح؟ أم أنني خفت أن لا أجد فيها ذلك التأثير الذي أصابني عند أول قراءة لها؟، أم خفت على نفسي أن تصاب بحالة من الهشاشة الأنثوية فأكون بكاءً عند أي موقف؟، لست ابالغ أن قلت بأنني أمام احد الأعمال الروائية العظيمة التي تأثرت بها إلى حد التقديس، حد البكاء.
يوجد في الرواية تناص مع ما جاء في رواية "عائد إلى حيفا" لغسان كنفاني، فكان هناك لقاء بين موقف "أبو خلدون" عندما حاول أخذ صورة أخيه الشهيد الذي شاهدها في منزل جاره الذي بقى في حيفا، لكنه تراجع عندما فكر بأن من صمد ـ بصرف النظر عن درجة القرابة ـ في وطنه أحق بالصورة من الأخ الذي هاجر وبصرف النظر عن الأسباب التي دفعته للهجرة، فموقف "زينة" عندما وجدت جدتها المسيحية محاطة "بطاووس وحيدر ومهيمن" العائلة المسلمة وكيف يعاملونها تأكد لها بأنهم أحق بهذه الجدة منها، وعندما كان "حيدر" يقرأ آيات من القرآن والجدة تحتضر كانت اشارة إلى توحد/جمع المفاهيم الدينية وتجاوز التباين بين أفراد المجتمع العراقي، فلاجتماع الذي تشكل فيه أقوى من أي أفكار أو معتقدات.
ونجد أيضا تناص مع ما جاء في قصيدة "غريب على الخليج" لبدر شاكر السياب عندما قال: "عراق عراق ليس سوى العراق" فعندما كانت "البتول" أم "زينة" تبكي وتدعو الأب لكي يسامحها عند اداء القسم للحصول على الجنسية الأمريكية، كانت تتلاقى مع ما طرحه السياب في قصيدته. الأعمال الأدبية المهمة والمؤثرة تتركنا في حالة من التفكير وهيجان العاطفة، فهي تثير مشاعرنا وفي ذات والوقت تجعلنا نفكر بما حصل، بما فعلنا، بما اتخذناه من مواقف، فهي توقد فينا ضميرنا، الوطني والقومي والإنساني، وتجعله كنار المجوس التي لا تنطفئ، فتجعلنا نحاسب الذات، ونخضعها لقانون الأخلاق والمبدئية دون سواه، هل كنا صادقين فيما فعلناه، فيما قولناه، أم غير ذلك؟، هل الدوافع المنفعية/المادية هي التي تدفعنا لنقوم بهذا العمل أم هناك الدوافع الاخلاقية والإنسانية؟، هل الإنسان العراقي يقدر على التخلي عن عراقيته ـ رغم كل المبررات والمحفزات التي سيحصل عليها مقابل هذا الأمر؟ وهل تبيح له عراقيته أن يقدم على هذا فعل؟.
كل هذا الأسئلة وأكثر تجيبنا عليها "زينة" التي تفجر فينا مفهوم الوطنية، مفهوم الإنسانية، مفهوم الانتماء للعراق، فالعراق في لرواية ليس جغرافيا أو مدينة، وليس تاريخ، أو علاقة اجتماعية أو عائلية، العراق في الراوية يصل إلى مرتبة الإله، مرتبة المقدس، الذي يجعل ضميرنا حيا متقدا يحرقنا عند أي هفوة أو زلة أو خطأ نقدم عليه، فالعراق هنا هو الرب الذي يحاسبنا على ما نفعل، على ما نقول، وهو أيضا ضميرنا الإنساني الذي يحافظ على كينونتنا من التماهي مع الماديات والرغبات والحاجات، فهو
المرسخ للروحانيات/للحب/للصدق/للإخلاص وكل الصفات الإنسانية النبيلة، ويبعدنا عن كل افعال/اعمال/أفكار التي تدعونا للتخلي/لترك هذا الإله/العراق وعبادة إله/وطن آخر.
تصوير حالات/مشاهد/صور الكافر تجعلنا نبتعد عن القيام بما قام به، فهي حالة مزرية وبائسة، هذا ما بدأت به "زينة" حديثها فقالت: "لكن الغزل ما عاد، اليوم، يناسبني، من يغازل امرأة تحمل مقبرة بين الضلوع؟
بائسة أنا، طاولة زينة مقلوبة، مشروخة المرآة" ص9، عندما تتخلى امرأة عن علاقة الحب مع الرجل فهذا يعني بأنها وصل إلى القنوط من الحياة، فالمحفز لوجدوها/فرحها مقترن بوجود هذا الحب ومن يقوم به، لكنها تركت هذا الحب والحبيب وانغمست في يأسها، من خلال هذا الجحيم تحذرنا "زينة" من أن نكون مثلها، بما هي عليه وفيه.
تبدأ حديثها عن المبررات والدوافع التي جعلتها تقدم على فعل الكفر/الخيانة والعمل مع الجيش الأمريكي كمترجمة في العراق، فالمادة والعوز هما دائما كانا المبرر لفعل الكفر/الخيانة "ـ الوالدان؟ لم يغمض لهما جفن طوال الليل من الفرحة، وبقيا إلى جانبي يتوسلان أن أسرع بتسجيل أسمي قبل أن تطير الفرصة إلى غيرنا.
.. النساء لا يبكين من الهجران فسحب بل من شحة ما في اليد، النقود سعادة أخرى، وأنا سأجلب السعادة لوالدتي ... لن أدع الفرصة تفوت" ص16و17، دخول الجحيم يبدأ بهذا التفكير، بهذه الحسبة المادية، يعتقد الإنسان أنه بها سيترك بؤسه وينتقل إلى الرفاهية والسعادة، لكن هل الأمر كذلك، أم أنه يغوص في جحيم آخر، اشد ألما ووجعا؟
"زينة" تقدم تحدثنا عن رحلتها إلى العراق بتفاصيلها الدقيقة، وكأنها تريدنا أن نعرف كل خطوة تخطوها وما يصاحبها من مشاعر واحساس، فتقول عند بداية رحلتها: "عندما وضعت قدمي على درج الباص، في تلك اللحظة، فقط، أدركت أنني قد طويت عمري الماضي كله، أمام عيني، صفحة جديدة وحياتي لن تكون بعد الآن مثلما كانت عليه" ص31، أفكار متفائلة تحملها "زينة" مع بداية رحلتها إلى الوطن، إلى البلد الذي ستسهم في تسليمه للاحتلال الأمريكي، لكن هل ستتخلص من عقدة العراق وتنجح في أن تكون أمريكية خالصة؟
الجيش الأمريكي
الجيش الذي جاء ليحتل العراق لم يكن متجانس العرق، أو موحد العقيدة، فكل جندي جاء مع هذا الجيش له حساباته الخاصة ومصلحة شخصية، فهو جيش مصالح وليس جيش وطني أو قومي، لكن أفراده مجتمعين كانوا يقوموا بعمل واحد، احتلال العراق، فأحد عناصر هذا الجيش كان عراقي صافي العرق والانتماء للعراق لكنه جاء الآن ليساهم في احتلال الوطن الذي دافع عنه في السابق، "كان قد خدم في الجيش العراقي، قبل هجرته واستقراره في فيلادلفيا، وخاض حربي إيران والكويت، ومات الخوف في قلبه بعد أن رأى من الجثث ما لم تراه أعيننا" ص58، كأن "زينة" بهذا المشهد تريدنا أن نعرف طبيعة الجيش العظيم الذي يحتل الدول والذي يرهبه كل الشعوب، فهو جيش مرتزقة أكثر منه جيش وطني أو قومي، "نحن النساء الخمس في المجموعة، أن نتظاهر بالصبر والتحمل أكثر من الرجال؟ كانت بيننا واحدة تجاوزت السبعين من العمر، لم تضع الشركة أي شروط أمام المتقدمين، مهما كان عمرك أو دينك أو أصلك أو جنسيتك أو مستواك الدراسي فأنت صالح ما دمت تتحدث بالعربية والانجليزية، حتى لو لم تكن تفك حروفها" ص58، هذا المشهد يؤكد طبيعة الجنود الذين يخدمون في هذا الجيش، فهم مجموعة من الأشخاص جاءوا ليتقاضوا رواتب مرتفعة، تخلصهم من الديون والقروض البنكية التي تثقل كاهلهم، فليس لهم أي هدف سوى هذا، الهدف المادي، حتى لو كان على حساب تدمير بلد وتشريد شعب، فهذا (الجندي) هو كحال صائد الجوائز الذي يتعرض للقتل والاصابة ويقوم بالقتل الآخرين ليحصل على جائزة مالية.
لكن هل كان عناصر هذه الجيش مكونة من الأفراد العامة فقط، أم أن هناك من هم متفوقين ومن المثقفين والمتعلمين؟ تجيبنا "زينة"...بينهم شاب من البصرة، عاش في بوسطن ويتكلم الإنجليزية بأنفة لورد بريطاني.
ـ أين تعلمت هذا التغريد يا مالك؟
ـ في أكسفورد
كان يحمل الدكتوراه في الأدب المقارن، وكتب أطروحته في الأساطير لدى شكسبير والسياب، فلماذا ترك البلبل الغريد فضة المعاني وجاء إلى تنك الاستجوابات الأمنية؟
... ـ أكلنا خرة يا زينة
الجيش أفسد أخلاق شكسبير أيضا" ص123، جاء هذا الحديث ليؤكد حالة التنوع والاختلاف وطبيعة الدوافع التي جاءت بهذا الجندي ليخدم في الجيش الأمريكي، فهو جيش خليط لا يحمل عقيدة أو فكر أخلاقي بالمطلق، وكل ما يهمه هو تنفيذ الأوامر ومن ثم الحصول على المال لقاء ما يقوم به من مهام تطلب منه.
وهناك عناصر أخرى انضمت لهذا الجيش كانت حاقدة على النظام السابق مما جعلها تقدم على فعل الخيانة للعراق بحجة التخلص من الديكتاتور، "...الذي هرب من ملاحقة البعث للشيوعيين، قاصدا أوروبا الشرقية، وانتهى في كعبة الرأسمالية.
أراقب ما حولي فأرى خليطا عجيبا من المتدينين المتأمركين، ومن اليساريين الذين ضيعتهم بوصة موسكو" ص26، أرادت الراوية أن تفضح كل من ساهم المشاركة بهذا الجيش الذي احتل العراق، فهم بمجملهم خانوا العراق وتبعوا خطوات الشيطان، بصرف النظر عن الدوافع أو المبررات.
وما يلفت النظر في المشهد السابق فضح وتعرية اليسار العراقي الذي خان اليسار وخان العراق وانطوى تحت لواء الامبريالية ـ "أبشع صورة للرأسمالية" ـ ألم تصفها الماركسية بهذا الوصف؟ .
تحدثنا "زينة" عن اعمال هذا الجيش (العظيم) في العراق فتقول: "...في مداهمة البيوت التي نشك بأنها تؤوي إرهابيين، ليل طويلة مثقلة بالترقب والصراخ والتوسلات والنحيب والنظرات الحادة الأمضى من السكاكين" ص98 إذن الجيش الأمريكي يقوم بالاعتداء على العراقيين وترهيبهم واعتقالهم لمجرد الشك بأنهم يؤوى من يقاوم الاحتلال.
العراقي قبل الاحتلال
لكشف الكذبة التي جاءت بهذا الجيش الجرار، الذي دمر وخرب العراق وقتل وشرد العراقيين، تحدثنا الراوية عن الحياة في العراق قبل الاحتلال، فهل حال العراقي كان أفضل مع (الديمقراطية) التي جاء بها الاحتلال؟ أم أن حكم (الديكتاتور) كان جنة بالنسبة للعراق وللعراقي بعد (الديمقراطية) الامريكية؟، "ـ حيدر. اسمه حيدر يا زينة أنه أخوك بالرضاعة" ص74، بهذا الاجتماع كان يعيش المواطن العراقي، فلا يوجد حواجز أو موانع بين المواطنين، فهذه المسيحية لها أخ مسلم شيعي بالرضاعة، ومثل هذا المشهد يؤكد على وحدة وتكامل المجتمع العراقي.
"حيدر" المسلم الشيعي تثق به "جدة زينة" المسيحية حتى بعد الاحتلال وتفشي ظاهرة الطوائف، لكن ما كان بينهما في السابق، في العهد القديم كان يحول دون حدوث أي تغير أو تبديل بهذه العلاقة الحميمة التي تشكلت بين العراقيين، "ما الذي يجعل جدتي تضع ثقتها برجل من جيش المهدي، يأتي بها إلى عمان" ص127، الاجابة تكون بالعلاقة التاريخية التي تجمع الجدة بحيدر وعائلته.
فالعلاقة التاريخية التي تجمع العراقي أكبر من أن تتأثر بهذا القول أو ذاك، ذروة هذه العلاقة التي تجمع العراقيين كانت من خلال هذا المشهد، "حين طرقت الباب فتح لي حيدر وباس رأسي، فيه شبه من مهيمن، تنقصه عشر سنوات ليصبح هو، أشار إلى الغرفة الداخلية، فتحت الباب، وجدت طاووس متربعة فوق عباءتها على الأرض. تتمتم آيات من القرآن قرب السرير، والعذراء تصغي" ص181، هذا هو العراق الذي كان، هذا حال العراقيين، لا يفرقون بين دين ودين، بين مملة وأخرى، فالعراق يجمعهم. من أهم ما في هذا المشهد التوحيد بين القرآن والعذراء التي تستمع له، رغم رمزية المشهد إلا أنه يعطي صورة واقعية عن حال العراقيين قبل الاحتلال وقبل تفشي سرطان الطائفية، وهو من أروع المشاهد فنيا وتعبيريا وفكريا وموضوعيا، أنه مشهد يجعلنا نستفيق/نصحوا مما آلت إليه أوضاعنا، فعل يعقل أن ننسى كل ذلك الزمن الذي كان بيننا وننساق وراء هذا الدجال وذلك الكذاب؟، أجزم بأن الرواية لو اقتصرت على هذا المشهد فقط لكانت تستحق الاهتمام، فما بالنا أن كانت مترعة بمشاهد واحداث واقول توزاي أو تتفوق عليه، وهنا تكمن أهمية الرواية، أهمية اخراج الجرح العراقي/مأساة تموزي إلى العلن ومكاشفة الذات والأخرين الذي ساهموا أو وقفوا على الحياد ـ هم بحيادهم وقفوا مع الطرف القوي ـ فهم مجرمي بحق العراق والعراقي، بحق الإنسانية ولا مجال للمسامحة أو الغفران.
الراوية تحدثنا في اكثر من مشهد عن تجاوز العراقي لطائفة، وكيف كان العراق أكبر من كل الطوائف، بحيث استطاع أن يوحد المجتمع ليكون فأي مواطن هو عراقي أولا وأخيرا، "صاح بهنام بالعربية وولعه بالشعر القديم، عن محفوظاته من قصائد الغزل التي أدار بها رأس أمي فما عادت ترى رجلا غيره بين البشر وحين أصرت على الاقتران به قال لها جدي:
ـ هذا آشوري، أش جابو على العرب؟
ـ آشوري بلوشي برتكيشي ... أريده ولن أتزوج غيره" ص133، إذن الفواصل بين الطوائف لم تكن موجودة، وكان المجتمع العراقي يتجاوزها ـ في حالة وجدها عند البعض ـ بهذا الطرح يكون العراق ـ كان ـ متجاوزا الطائفة ومتحدا اجتماعيا ومدنيا.
ومن المشاهد الأخرى التي تتحدث عن تجاوز الطائفية في العراق، "ـ كيف كان جدي قوميا هو المسيحي الكلداني؟
ـ ولم لا؟ هل تمنع الأديان حب الوطن؟" ص90، بهذا الشكل كان العراق يصهر كل مواطنيه في بوتقة الوطنية والقومية، فلا فرق بين دين ودين، فالوطن والقومية جامعة للكل، والعراق يوحد الجميع.
العراق بعد الاحتلال
حال العراقي بعد الاحتلال تغير، فمع بداية دخول الاحتلال الأمريكي العراق شعر المواطن بأن الشر والخوف والموت والتشرد سيدخل مع هذا الجيش المتوحش، من هنا وصفتهم لنا الراوية بهذا الشكل، "ظهروا من وراء أشجار السرو وراحوا يرمقون رتلنا بنظرات من نار" ص14، بهذا المشهد يتأكد لنا عدم ترحاب العراقي بالمحتل.
بعد الاحتلال كان العراق منتهك مباح لكل الأشرار والشرور، "صارت بغداد مشاعا لأهلها. والعراق بلا وال" ص24، التدريج بالمشاهد وتقديمها على مراحل، جاء ليخفف من الصدمة التي ستحل بالمتلقي، فالراوية متأكدة بأن هناك انقلاب/طوفان/زلزال/اعصار حل في العراق، لكنها لا تريد صدمنا من أول مشهد، ولهذا قدمت لنا مشاهد تمهد لما هو أعظم، لما هو جريمة بحق الإنسانية التي اقترفتها أمريكيا والمتحالفين معها بحق العراق والشعب العراقي.
"ونحن نعبر جانبا من بغداد، حطاما لم أر مثله من قبل...بلى.. إن هذه المباني المحترقة المتداعية التي تصفر فيها الريح تشبه الرماد الذي هطل على نيويورك بعد ذلك الحادي عشر الأليم من سبتمبر" ص48، أول مشاهد الخراب الذي جاء به الاحتلال، تعمدت "زينة" أن تجعل الفعل مؤثر من خلال استخدامها الفعل المضارع "تصفر" كتأكيد على استمرار فعل الحرق والخراب الحاصل في العراق، فهو لم ينتهي، وما زالت (بغداد) تحترق وتنتهك، واعتقد بأن التركيز على ذكر بغداد تحديدا، دون سواها من المدن، جاء ليعطي "الحرق" تأثيرا أقوى في المتلقي، بحيث يشعر بحجم الكارثة التي حلت في العراق، فلا مجال لتجاهل هذا الاحتلال أو التغاضي عنه.
اعمال الاحتلال دائما تكون كارثة على المواطن والوطن، تحدثنا "زينة" عن أعمال المحتل فنقولك "كل يوم، يأتي رجال ونساء لكي يشتكوا ويحتجوا ويطالبوا. هذا أحرق جنودنا دكانا له، وتلك دهست سيارة عسكرية بقرتها، وثالث كسروا زجاج بيته أو تهدم البيت كله بعد أن سقطت عليه قذيفة، نحن سبب كل الكوارث في المدينة المدللة.
يأتون في الصباح، بعد أن يقفوا في طوابير طويلة أمام البوابة وينصاعوا على مضض لإجراءات تفتيش دقيقة وقاسية، " ص96، مشهد قاسي يصور حال العراقي بعد الاحتلال، فبعد الكرامة التي كان يتمتع بها في وطنه أصبح يعامل باحتقار، يتعرض للأذى المادي والمعنوي، الجسدي والروحي، وها هو يقف ذليلا أمام المحتل لعل وسعى يحصل على شيء مما خسره من ماديات، أما الروحانيات، فهي بالتأكد من خلال هذا الطابور وتلك الإجراءات لن يحصل عليها بالمطلق، بل سيتعرض للذل والإهانة أكثر.
عملية الاقتحام لمنازل العراقيين كانت تتم بطريقة شرسة ووحشية، تحدثنا "زينة" عن الاستاذ الجامعي الذي تعرض منزله للاقتحام فتقول: "كسر أربعة من الجنود الباب الحديدي للحديقة ودخلوا إلى الطاولة وركلوا الباب الخشبي وصاروا في الداخل، كانت هناك أسرة نائمة وامرأة استيقظت وبدأت تولول، ثم ظهر رجل بدشداشة بيضاء مادا يديه مفتوحتين نحو الجنود وهول يقول:
،yes
صرخوا فيه وأشاروا بأن ينبطح ففهم على الفور. .. والرشاش m16 مصوبه إلى رأسه" ص105و106، هذا ما جاء به المحتل الأمريكي للعراقي، (ديمقراطية) لا يحسده عليها أحد، فدخول البيوت عنوة، وترويع ساكنيها أمرا عاديا عند الاحتلال، وما يقوم به يمثل حق/واجب هذا الجيش الذي سيزيل حكم (الدكتاتور) ويأتي (بالديمقراطية)!.
لا تكتفي "زينة" بهذا المشهد بل تكمله لنا، فتحدثنا عما علق بضميرها من تأنيب: "...وفي عيني صورة المدرس الذي يلتصق خده بالأرض، يداري كرامته الجريحة في بيته وأمام امرأته وأطفاله... وفوق هذا يطلب المعذرة منا" ص110، مشهد من أصعب المشاهد التي جاءت تصف امتهان كرمة العراقي من قبل الاحتلال، فتعلقه بذاكرة "زينة" المجندة الأميركية التي من المفترض أن تكون مخلصة للجيش الذي تخدم فيه، جاء بعكس الصورة المطلوبة، ويكشف لنا بأن الاحتلال يبقى احتلال ويمارس فعل إذلال الوطنيين إن كانوا مع المقاومة أم على الحياد، لكن ما بالنا بمن يخدم الاحتلال، فهل يجد معاملة استثنائية؟ أم أنه أيضا يعالمون بعين طريقة الإذلال؟
سادة القوم الذين جاؤوا مع الاحتلال هم أولى الناس بالذل، فقد رضوا أن يكونوا خدما ويعملوا ويحكموا ويسودوا تحت حراب الاحتلال، فهم فاقدي للكرامة، فلا بأس من معاملتهم باحتقار من قبل اسيادهم، هذا ما كان من قبل الاحتلال الذي لم يتوانى عن اهانة عضوات البرلمان، "كانت ثلاثة محجبات من نساء البرلمان يعترضن على شمشمة كلابنا لثيابهن" ص119، المحتل لا يحترم أي إنسان يقبل به، فهو على يقين بأن هذا العميل باع وطنه وباع نفسه، فلا بأس إذن من إذلاله، فهو لا يستطيع أن يتخلى أو يترك عمله كعميل أو كمعاون أو مساعد للاحتلال، من هنا وجدنا هذه المعاملة المهينة ليس للنساء ـ علما بأنهن يعاملن بطريقة استثنائية في الأماكن العامة في المجتمعات المحافظة ـ بل لعضوات برلمان أيضا، وهنا كان الإذلال مزدوج ويحمل لهن أكثر مما يحمله للمواطنة العادية، وبهذا يكون العراقي مهما كانت مكانه ومهما كانت صفته معرض للإهانة وللإذلال من قبل الاحتلال.
لكن كيف كان العراقي يأكل ويشرب؟ وكيف كان ظروف حياته العادية؟، وما هي التغيرات التي حصلت له، تحدثنا الراوية عن هذا الأمر فتقول: "ـ مولدة.ماكو كهرباء، ماكو ماي، إزدحام. مفخخة. حرامي... عركة. مات. إنخطف. فلت. إغتيال. إيراني. إنفجار. الله يرحمه. خطية. هاون. بريمر. أميركان. تحشيبش. ماكو شبكة." ص124، تعمدن الراوية أن تسرد لنا الحال باللهجة العراقية لتكون أقرب إلينا، ولكي تشعرنا بعدم تدخلها في سرد الاحداث، فمثل هذا الواقع لا يمكن العيش فيه، لعدم توفر الحد الأدنى من شروط الاستقرار والأمن.
من هنا كانت عملية النزوح والهجرة والهروب من جحيم الاحتلال تعد مسألة طبيعة لمجتمع يتعرض لهذه الظروف، "إنه مفهوم الآن خمسة ملايين عراقي تركوا الحياة التي يعرفون ومضوا إلى المجهول" هذه احدى نتائج الاحتلال، تفريغ الوطن من أهله، وجعلهم يبحثون عن النجاة بجلودهم فقط، هذا ما جاءت به (الديمقراطية) للعراق وللعراقيين.
ما كانت لتحدث هذه الهجرة الجماعية لو أن من قدموا مع المحتل عملوا على توفير الحد الأدنى من الأمن للمواطن، لكنهم جاءوا ليثروا الفساد في العراق، جاءوا ليشاركوا الاحتلال جرائمه، وهذا ما قالته لنا ؟زينة" عنهم: "رأيت عند وصولي إلى الموصل فلتانا عجيبا. مراكز الشرطة مقفلة ومضروبة، وعشرات الملثمين يسرحون في الشوارع، أهذه هي المدينة التي يرف قلبي عند ذكر اسمها ... مدينة أخرى" ص150، الخراب يسير حسب منهج واضح، وتفشي ظاهرة الفساد والعصابات المسلحة التي ترهب المواطنين ولا تضر المحتل مسألة تخدم اهداف الاحتلال، وهذا المشهد تكرر في كافة الدول التي تعرضت لاحتلال سورية، ليبيا، وفلسطين.
كما قلنا الراوية تعمدت تقديم الخراب على دفعات، بحيث نتقبله ولا نصعق منه، فهي تريد منا أن نتعرف على حجم وطبيعة الخراب الذي حل في العراق، لكي لا ننسى، ولكي نتأكد بأن المحتل ومن جاء معه عملوا على تخريب وتدمير العراق.
"حكيت له عن مبان حكومية تحولت إلى رماد وخرائب سود، نساء فقيرات من أرامل الحروب أخذن أطفالهن وذهبن للسكن في مؤسسات وزارة الدفاع. معسكرات أقفرت من العسكريين. قصور وزارت صارت مقرات لأحزاب معارضة." ص165، هذا ما حصل في العراق بعد الاحتلال، بركان/زلزال دمره فلم يبقى منه شيء، فكل المشاهد مأساوية وقاسية، إن كانت متعلقة بالماديات أم بالإنسانيات، فالخراب كامل وشامل.
العراقي في المهجر
العراقي يحمل عراقيته أينما حل، فهي ملازم له، لا يتركها ولا تتركه، من هنا نجدها حاضرة فيه وفاعلة، "لم اسمع والدتي تتحدث بغير اللهجة العراقية في البيت، رغم أن أبي كان يريدها أن تتعلم أيضا الآشورية، لغته الأم، أما الإنجليزية فظلت لغة الشارع والعمل ونشرات الأخبار" ص 21، رغم الواقع الجديد إلا أن العراقي كان محافظ على لغته، على لعجته، فهي جزء منه ولا يستطيع التخلي عنها.
التخلي عن (العراقية) كان يعني للعراقي الموت أو المنفى، أو فقدان شيء منه، من هنا تصف لنا "زينة" حالة أمها وهي تؤدي القسم للحصول على الجنسية الأميركية بهذا الشكل: "مددت يدي وتلقفت يد ماما المتيبسة، بينما الجموع تضع أيديها على مواضع قلوبها، وتلهج بالنشيد الوطني الذي تعزفه فرقة الجاز: "يا رب أحفظ أميركيا... غاد بلس أميركا" وكان صوت السيدة العراقية بتول الساعور، أمي، هو النشاز الوحيد الذي يولول بالعربية: "سامحني يا أبي ... يابا سامحني" ص29، هذا المشهد قاتل لكل من يفكر/يريد التخلي عن عراقيته، فرغم ما سيحصل عليه ـ بعد الحصول على الجنسية ـ إلا أن العراقية "بتول أم زينة" وجدنها وكأنها تقدم على فعل خيانة أو كفر أفعل وغير أخلاقي، بهذه الصورة يتأكد لنا بأن العراقي لا يستطيع التخلي عن عراقيته مهما كانت الدوافع والأسباب، فهي كالروح بالنسبة له.
واعتقد بأن هذا المشهد ومشهد الجدة وهي تحتضر من أروع المشاهد التي قدمتها لنا الراوية، لما فيهما من تركيز على المشاعر وتناولهما لفعل إنساني راقي، يمثل العظمة الأخلاقية والتي وصل إليها العراقي.
العراقي الذي اجبر على ترك العراق لم يكن يملك إلا خيار واحد أما الموت أو الخروج، هذا احد نتائج الاحتلال الأمريكي الذي عمل على تفريغ العراق من أبناءه، "كمال وسهام وأبنائهما في نيوزيلندا، بتول وزوجها في أمريكا، وأبناء المرحوم داوود لقاء وسعيد في سوريا، وسامر في دبي، ..أختي غزالة في الأردن" ص63، عندما يكون هناك اسماء فهذا يعني بأنهم من عائلة واحدة أو من الأصدقاء الذي المقربين، وهذا يعطي فكرة عما آلت إليه الأحوال بالنسبة للعراقي، فالعائلة والواحدة اصبحت مشتتة في أكثر من دولة.
الراوية ركزت على هجرة العراقيين فقدمت لنا رقم موضحة من خلاله حجم المأساة التي وقعت على العراقي بعد الاحتلال، "أنه مهموم لأن خمسة ملايين عراقي تركوا الحياة التي يعرفون ومضوا إلى المجهول" ص144، بهذا الرقم يمكننا أن نتخيل/نفكر/اعطاء المأساة التي وقعت في العراق حقها من الاهتمام، فهل يعقل أن تأتي (ديمقراطية) بهذا الفعل (الخلاق) ونبقى نقول: (الآن ديمقراطية) و(الدكتاتورية في السابق)؟
العراقي الاصيل
تعمدت الراوية أن تقدم لنا نماذج طيبة عن العراقيين، وكأنها بهذا التركيز على تقدم ما هو جميل وجيد تريدنا أن نتشبث بالعراق الذي ترك فينا هذه الصفات، ونبل الأخلاق، فمثل هذا الوطن الذي يعطنا هذه الصفات لا يمكن أن يكون مكانا عاديا، بل مكان استثنائي، مميز، لا يشبه أي مكان آخر ولا يوجد له مثيل بالمطلق.
من المشاهد الطيبة التي جاءت في الرواية مشهد الجدة التي ذهبت لزيارة حفيدتها "زينة" في المعسكر الأمريكي في العراق، "رفضت جدتي أن تأكل أو تشرب أي شيء في المعسكر، ورغم حرارة الجو دفعت بيدي الممدودة لها بقدح الماء، كأن ماءنا زرنيخ" ص75، إذن الجدة تعتبر كل ما هو أمريكي، محتل، عدو، لا يمكن أن تقبل أن تأكل من طعامهم أو تشرب من شرابهم، لأن هذا معناه عند العراقي وجود ألفة، حياة مشتركة، تسامح، ولهذا أصرت الجدة على بقاء العداء متقد، فالمحتل هو من أفقدها اولادها وشتتهم، ولهذا لا يمكنها أن تتعايش معه بالمطلق.
وها هي الجدة تحذر ابن جارتها "طاووس" من الذهاب إلى العمل عند الأمريكان فتقول لهك "ـ لا عني حيدر، مو تمام، لا أحد من أهالينا وجيراننا يعمل مع الاحتلال" ص76، تعمدت الجدة أن تستخدم قولها كلمة "احتلال" كتأكيد على العداء مع المحتل الأمريكي، فالتعامل معه يعد جريمة بحق الوطن، وجريمة بحق الذات.
ونجد الجدة توبخ حفيدتها "زينة" عندما دخلت عليها بلباس المحتل: "لا وافقك الله يا زينة يا ابنت بتول... ليتني مت قبل دخولك علي هذه الدخلة السوداء" ص113، هناك عداء مطلق بين الجدة والمحتل، حتى لو كانت حفيدتها مع/ضمن هذا الجيش، فهي ترفض التعامل معه بالمطلق ولا تحب أي شيء فيه، بل تكره وتبغض هذا الاحتلال وما صدرة عنه.
لم يقتصر توبيخ الجدة "لزينة" بالقول فقط بل نجدها ترفض أن تعانقها رغم حبها لها، فهي بهذا الشكل تعد من الاعداء وليس من الاحباء، "وتقدمت من جدتها تريد عناقها فصدتها ومضت إلى غرفة داخلة...ترتمي في حضنها. تتشبث بها. تصر على عناقها. والعجوز. مثل طفلة حردانة، تتمرد على ذراعي حفيدتها" ص114، الجدة حسمت أمرها فهي تعتبر حفيدتها "زينة" عدوة لها ولوطنها، من هنا وجدناها تصدها وتبتعد عهنا، فرغم ما تحمله الجدة من عاطفة اتجاه حفيدتها إلا أنه بهذا الموقف كانت تريدنا أن نكون مثلها، نقدم على ما هو عقلاني ومنطقي لا أن ننساق وراء عاطفتنا.
بعد انتهاء الزيارة التي كانت عبارة عن معركة بين زينة وجدتها، قالت الجدة كلام حاسما وقاطعا لحفيدتها: "إنها ستكسر رجلي إن أنا رجعت مع "هؤلاء العجايا" تطردني وتبكي وتحمد ربها الذي أغمض عيني جدي قبل أن تبصرا "خاكي الخزي" الذي عادت به حفيدته الأمريكية" ص119، إذن لامجال للنقاش أو البحث في مسألة التعامل مع المحتل، فأي شخص مهما كانت مكانته وقربه سيكون عدو إذا تعامل مع المحتل، من هنا كانت الجدة واضحة في موقفها وصادقة في عاطفتها عندما حمدت ربها الذي أمات زوجها قبل أن يشاهد ما أقدمت عليه حفيدته من خيانة للعراق.
وعندما تحضر "زينة عند جدتها وهي تحتضر نجد الجدة ما زالت على موقفها ، "حركت لسانها اليابس وشتمتني بالمصلاوي" ص180، فالعداء للمحتل مطلق ودائم، من هنا وجدنا "زينة" الي عرفت جدتها جيدا كانت تفكر في ارسال طبيب لها لكنها حسبت هذا الأمر فوجدته سيكون على هذا النحو "لكني خفت أن تخيلقه وتسحته. وتطرده وتلم عليه أهل المروة. تموت ولا تدع عسكريا أميركيا يكشف عليها. أما أنا فيمكنها أن تطردني وأن تشتمني وأبقى واقفه أتلقى الخلوقات، متدثرة بحبها لي، اتلقى غضبها وأمتصه رغما عنها" ص181.أيضا هذا المشهد يحمل مشاعر إنسانية جياشة، إن كان الأمر متعلق "بزينة" أم بجدتها فلكتهما تقدم على فعل صعب، الجدة ترفض الترحاب بحفيدتها التي تحبها، لأنها جاءت مع المحتل الأمريكي، و"زينة" تتحمل كلام جدتها القاسي ونفورها لأنها تحبها، وكأن حب العراقي يكون للعراق أكثر منه لأي شيء آخر، ولهذا وجدنا الجدة بهذا الصد لحفيدتها، ووجدنا الحفيدة بهذا الانصياع والخضوع وتتحمل الشتيمة والاهانة فهي تحب جدتها العراقية. ولهذا وجدناها تتخلى عن امريكيتها ـ كمحتل ـ وتعامل جدتها كعراقية أصيلة.
من مآثر الجدة هذا الأمر، الذي يشير إلى القيم الأخلاقية التي تتمتع بها ووفاءها للعراق، فهو عندها أعز شيء في الحياة، "لعل جدتي ماتت بحسرتي. بحسرة عملي وبدلتي العسكرية
ماتت بسبب عاري
عار الحفيدة الأمريكية
تقول طاووس إن رحمة كانت تحتفظ بنصف قنينة عرق مستكي من مخلفات جدي. تلفها بكيس المخدة وتحرص عليها. لا تمد يدها إليها إلا في أوقات الشدائد.
ـ جدتي تشرب العرق؟
ـ لا بس تقرب البطل من خشمها وتأخذ شمة طويلة. تبكي من ريحة المرحوم وبعدين ترتاح.
أسألها عن القنينة، تحلف طاووس بالعباس أبي فاضل أن جدتي أخرجتها وكرعتها كلها يوم رأتني "بهدوم الأمريكان وراكبه دبابة" ظلت الليل تولول مثل العدادات، تنعى البنية الحبابة التي أخذها الموت عروسا له" ص187، حرص الراوية على سرد مشاهد واحداث تشير إلى الكيفية التي يفكر ويتعامل بها العراقي مع المحتل، وكيف يجلد مشاعره ويقتلها عندما يتعلق الأمر بالعراق، كانت تهدف من وراءه إيقاظ الأخلاق العراقية التي هادنت/تقبلت/تجاهلت/نسيت المحتل وما قام به، فهي تريدنا أن نتقدم من العراق وأن نعادي ونحارب كل من عمل على تدميره وتشريد شعبه.
فعل الشرب لم يكن عاديا بالنسبة لمرأة مسنة، كان احتجاج ورد فعل على الاحتقان الذي تركه مشاهدة حفيدتها باللباس الأمريكي،، لم تكن أن تتصور أن يكون هناك خائن من عائلتها، فهي ما زالت عراقية، وليس من صفات العراقي الخيانة.
إذا كانت ردة فعل الجدة بهذا الشكل، فكيف كان مشاعر الحفيدة بعد موت جدتها؟ "لو كان الأمر بيدي لرتبت لها حماية عسكرية، لكن رحمة كانت ستقوم من تابوتها وتبصق علينا، لا يتعين على حبي لها أن يدنس لحظاتها الأخيرة على وجه الأرض" ص188، هذه المشاعر أهم ما جاء في الرواية، مشاعر إنسانية نقية وصافية، وكأن أصحابها ملائكة السماء، منتمين لبعضهم البعض، منتمين لوطنهم، ولكلا منهم طريقته في الحب، واظهاره والتعبير عنه، فهو يبقى حب واخلاص واحترام للآخر، رغم تباين واختلاف المظاهر السلوكية والأقوال، يبقى هذا الحب هو حب العراقي للعراقي وللعراق، فهو حب مميز، ليس له ولن يكون له شبيه أو مثيل.
نجد العراقي دائما منتميا للعراق، حتى لو لبس أي ثوب، يبقى عراقيا حتى النخاع، أب "زينة" عندما اخبرته ابنته ما شاهدت في العراق من خراب ودمار كان بهذه الحالة: "حكيت له عن مبان حكومية تحولت إلى رماد وخرائب سود... وكان أبي يشرب جزينا هو صامت. اتى على القنينة وازاد عليها كأسين من الوسكي...وقف ولوح بسبابته :
ـ الويل الويل من شعب العراق" ص165، الأب يتخلى/،يتجاهل/ينسى جنسيته الأمريكية ويتقدم من جديد من عراقته، وكأنه ما زال في العراق، يعيش مأساته هناك، ولهذا وجدناه يريد الانتقام/الرد على ما فعله الاحتلال الأمريكي في وطنه، فهو ينتمي لوطنه العراق، ويتحامل ويعادي أمريكيا.
الجيش بالنسبة للعراقي شيء مقدس، والانتماء له يعد احترام للذات ولهذا الجيش العظيم، الذي كان مثلا يحتذى للجيوش المقاتلة وليس للجيوش الاستعراضية، من هنا كان العراقي يعتز ويفتخر بهذا الجيش، "ـ هل نسيت يا زينة؟ اليوم ستة كانون الثاني ... عيد الجيش
فهمت ما كانت تؤديه من طقوس، أنها تعيد ما كان زوجها يفعله عاما بعد عام في مثل هذا اليوم من السنة، ألم يواصل جدي يوسف الاحتفال بهذا العيد، على طريقته، بعد أن طردوه من الجيش؟" ص90، الانتماء للجيش العراقي كان مقترن مع الانتماء للعراق، فنجد الجد يحتفل بيوم الجيش رغم أنه طرد منه، لكن هذا الأمر لم يكن يحول دون أن يبقى الجد منتميا ومرتبطا بهذا الجيش الوطني.

الصراع
من جمالية هذه الرواية تناولها لحالة صراع، صراع النفس بين ما تحمله من أخلاق وبين الواقع المعاش، بين الأفكار المتشكلة وبين مفهوم العصر، بين الواجب والحاجة، بين العراق وأمريكيا، بين الماضي والحاضر، بين الخير والشر، فالرواية مترعة بالصراع، وهذه احدى جمالية النص الادبي، فالراوية تكتفي بسرد المشهد ولنا، وتريدنا نحن أن نقف/ننحاز للطرف الذي نريده، هي تسرد الاحداث، وعلينا أن نختار الموقف الذي نراه مناسبا.
حالة الصراع لازمت "زينة" الأمريكية، التي تسعى لتأكيد انتماءها لهذا البلد الذي سيمنحها الجنسية الأهم في العالم، والذي سيحسن من دخلها المادي، ويجعلها تترك حياة العوز والحرمان، فهذ القرار الذي يعني مشاركتها في الحرب/تحرير بلدها الأم، وأيضا ابتعادها عن أسرتها التي تحب، كل هذا جعل من الفتاة تمر بحالة من الاضطراب وعدم الاستقرار النفسي، فكانت بهذا الشكل، "إنه فرصتي لرد الجميل للبلد الذي احتضنني منذ أول الصبا وفتح لي ولأسرتي صدره، لكن بدايتي في ديترويت لم تكن مشجعة، أصابني "الهوم سيك" وكنت أبكي كل ليلة قبل النوم. كل ليلة وطوال ثلاثة أشهر" ص93، هل أرادت الراوية أن تقول بأن هناك ـ في العقل الباطن عند "زينة" ـ حدس جعلها تشعر بأن ما تقدم عليه ليس بحميد ويحمل الشر لها ولبلدها العراق؟
تركيز الراوية على إنسانية "زينة" أعطا الرواية بعد عالميا إنسانيا وفي ذات الوقت وطنيا عراقيا، فها هي زينة تحدثنا عن شراسة وعنف وقذارة الدور الذي يقوم به جيش الاحتلال : "في الليالي، كان علي أن أشارك في الدوريات وفي مداهمة البيوت التي نشك بأنها تؤوي إرهابيين/ ليال طويلة مثقلة بالترقب والصراخ والتوسلات والنحيب والنظريات الحادة الأمضى من السكاكين، ...هناك من يتباهى بأنه يصنع التاريخ، ونحن كنا نصنع مستقبلا جديدا لهذا البلد الذي يحتضن عظام أجدادي وكان يوما، حاضني" ص98، مشهد لا يتقبله أي إنسان، فعمل المحتل في وقت الليل، وقت النوم والراحة للمواطنين يعد بحد ذاته إرهاب وتعدي على المواطن العراقي فهو يحمل/يعطي مفهوم الثقل والضغط على المواطن العراقي، وبعد أن أضافت الراوية مشاهد الصراخ والتوسلات جعلت فعل المحتل فعل سلبي، غير إنساني، وبهذا تكون الراوية قد أوضحت لنا لماذا تمر بحالة الصراع، فهي كإنسانية ترفض هذه الأعمال البشعة ولا توافق عليها، من هنا كانت حالة الصراع تأخذ أشكال متعددة، مرة تحاول أن تقنع نفسها بأن ما تقوم به يخدم بلدها الأم ـ العراق ـ ومرة تحاول أن تبرر مشاركتها مع جيش الاحتلال، فهي في النهاية تمارس دورها كجندية فيه، لكنها لم تنجح في هذا الأمر، كما أنها لم تتخلى عن دورها مع جيش الاحتلال.
مشهد آخر أرق "زينة" وجعلها تنتفض إنسانيا قبل أن تنتفض كعراقية صورة المدرس الذي تم اقتحام منزله "...وفي عيني صورة المدرس الذي يلتصق خده بالأرض، يداري كرامته الجريحة في بيته وأمام امرأته وأطفاله... وفوق هذا يطلب المعذرة منا" ص110، إذن لمشاعر الإنسانية أيضا تلعب دورا في رفض ما يقوم به المحتل، فما بالنا إذا كانت هناك عوامل وطنية وقومية وثقافية عند "زينة"؟
بداية وجود الصراع بين عراقية "زينة" وامريكيتها كانت من خلال التهكم والسخرية التي أقدم عليها الجنود وهم يقلدون بسخرية العراقيين وهم يحيون مرسم عاشوراء التي قتل فيها الحسين بن علي، فهي المسيحية، لا تقتنع ولا تهتم بهذا الشكل من الطقوس الدينية، لكن طريقة التهكم والسخرية جعلتها تنتفض وتحتج على هذه الأمر، "لكن ضحكاتهم استفزتني رغم أن الدين لم يكن ديني، لنقل أن وعيي تشكل على أصوات مؤذية. لذلك تصرفت مثل أي متطرف غيور على عقيدة. .. لم تكن صوتي هو الذي يخرج من بين شفتي لعله صوت أبي المذيع أو صوت طاووس، أو المؤلفة التي تتقمص وتقلد نبرتي" ص120، ردة الفعل من "زينة" كانت نتيجة مسألتين الأولى كشخص محايد ينزعج من سخافة هذا التقليد والمقلد، وثانيا المشهد جعلها تشعر بأنهم الجنود يهينون شعبها، وطنها، وهذا الجمع بين المشاعر الشخصية والوطنية كان يتصاعد وينموا حتى غلب الجانب الوطني والقومي على لجانب الشخصي أو الإنساني، لكن بدايته كانت من خلال "زينة" الإنسانية المنتمية لوطنها الجديد، أمريكيا، ولكن طريقة تعامل هذا الجيش مع الآخر ـ العراقي ـ الذي حاولت أن تتعامل معه بحيادية وتجرد ـ دفعها سلوك جيش الاحتلال وتعامله مع الآخر ـ العراقي ـ لتنمي وتتقدم من هذا الإنسان/الشعب الذي يتعرض لعمليات قمع وقتل وحشي، ومن ثم تتوغل أكثر نحو الاتجاه الصحيح، نحو العراق، الذي تثقفت بثقافته من خلال الأب والأم ومن خلال اللهجة العراقية التي لم تتكلم بغيرها في المنزل، فهذه اللغة جعلتها تشعر بأن من يتعرض للعنف وللقتل هو شعبها وليس شعب آخر، وأن من تتعامل معه وتخدمه هو العدو، وليس صديق أو حليف وهو لا ينتمي لها وهي لا تنتمي له.
هذه المشاعر احد الدوافع التي جعلت "زينة" تجد وتجتهد أكثر نحو اللقاء مع جدتها، فرغم العاطفة والحب الذي تحمله لجدتها إلا أن الظروف كانت تساعدها للإسراع في اتمام هذا اللقاء وتوطيد علاقتها بها، "...تعبت من المخططات البوليسية للخروج من المعسكر، من التحايل على التعليمات المشددة للجنود وللمترجمين بالأخص...لكنني أريد أن أشبع من جدتي رحمة، أمكث معها بدون جنود في الغرفة المجاورة، أسمع تاريخ عائلتي تقطره في وعيي كما تقطر طاووس ماء الورد، تحكي وأنا أصغي وأحفظ. وعندما تتعب من الكلام تتنهد بعمق وتنظر نحو كمن ينظر معجزة. هل كان المطلوب مني أن أقف وأهتف بسقوط أمريكا؟" ص126، حجم الضغط وعدم وجود من يستمع لها/يفهم مشاعرها جعلها تسرع للقاء الجدة، فهي تريد من هذا اللقاء أن تهدئ نفسها، أن ترتاح مما تمارسه وتشاهده من وحشية يوميا، وفي ذات الوقت تريد أن تتعرف أكثر على العراق، عراقها الذي عرفته من أمها وأباها.
لكن حضورها إلى العراق في هذا الظرف الصعب، لم يكن ليمر على الجدة دون أن تبحث عن الأسباب الحقيقية وراء حضورها في وقت احتلاله، وهذا ما جعل "زينة" تبحث عن مبرر/حجة لوجودها في العراق، "أتمتع بلعبة حجب مهمتي في الجيش عن مهمين وعن جيراني. أتظاهر بأنني مغتربة عراقية استاقت للوطن والأهل" ص127، هذا الأمر كان يؤكد حالة النفسية الصعبة التي تمر بها "زينة" فهي بحاجة إلى ونيس/رفيق/أم/أهل/أصدقاء تستطيع أن تفضي لهم ما تشعر به، تفرغ عندهم قسوة الظروف التي تمر بها، من هنا وجدناها تسرع أكثر في لقاء هؤلاء الأهل.
في القاء الأول مع الأهل كانت زينة تواجه حقيقة غائبة عنها، حقيقة وجود علاقة استثنائية بين الجدة وجيرانها، رغم اختلاف الدين بيهم ورغم اختلاف العمر، فهم يعيشون بهذا الشكل، "أنا غريبة حتى عن جدتي، أم أمي، إن حيدر ومهيمن وطاووس أقرب إليها مني لأنهم ظلوا مثلها، عراقيين خلصا، ذهب ليرة، لا تشوب وطنيتهم جنسية أخرى، يندفع الدم إلى شرايينهم حين يذكر اسم العراق، كوكب دري فذ في المجرات، يغنون لبغداد بانخطاف دراويش يدورون حول أنفسهم وأصواتهم غاثرة من التهجد، كأنهم مأخوذون إلى نقطة قصية، أرواحهم شاخصة إليها، مدينة السلام، المدورة، الزوراء، موطن ألف ليلة، بغداااد قلعة الأسود" ص131، من خلال هذا المشهد تم تفجير العراقية في نفس "زينة"، جعلها تعرف ما معنى العراق، وما يعنيه العراق للعراقي، فهو حب رباني سماوي ، أرضي، إنساني لا يمكن أن ينتهي أبدا، بل على العكس هو حي، وحاضر، وفاعل، ومؤثر، ويعاد تشكيل عند من ضعفوا أو أصابهم مرض النسيان، فهو العلاج والشفاء للكل، فأي عراقي لا يمكن أن يشفى بدون العراق، بدون بغداد، هذه المدينة العملاقة، التي أخذت تجدد حضارة السومريين والاكاديين والبابليين والآشوريين، فهي مدينة غير عادية، فيها يشعر/يجد العراقي مكانه/حضوره/فاعليته/تاريخه، فهي وتاريخ العراق والعراقي صنوان.
إذا كانت هناك عواطف/أفكار تدفع "بزينة" نحو العراق، فقد كانت أيضا هناك عوامل في لاتجاه الآخر تساعدها في هذا الأمر، طريقة تعامل العراقيين مع المحتل، فهم يقامون، لا يستسلمون لهذا المحتل بسهولة، فوجود خسائر بشرية عند الاحتلال يجعله يتصرف بطريقة أكثر وحشية، طريقة مهينة للعراقي، ومن كان منهم يقع في الأسر كان يتعرض لطرق قذرة وسافلة.
"زينة" يثار فيها الصراع بين دورها كجندية أمريكية من جهة ، وبين عراقيتها وشعبها الذي يتعرض لممارسات همجية من المحتل من جهة ثانية. "يحتقن أنفي عندما أرى على الشاشة جنديا يسقط مفتديا علم بلاده. يجاهد لكي لا يلامس قماشه الأرض....من أتى بهذه القحبة التي تسحب السجين مثل كلب وراءها.. من أتلى بها إلى جيشنا؟... تخيلت أن المجندة ليندسي تربط أبي من رقبته بحزام من أحزمة الطلاب وتجره وهو عار، تصاعد الصديد إلى حلقي وأنفي كيف سأنظر في وجه بابا؟ ص154، وجود حالة الاضطراب وعدم الاتزان تعطي الاحداث حيوية وتجعل المتلقي يدخل/ينفعل مع النص، فها هي "زينة" تحدثنا عن مشاعرها المضطربة والمتناقضة عندما دخلت العراق مع قوات الاحتلال، "كنت أريد أن أتباهي أمامهم بأنني منهم، سليلة منطقتهم، أتكلم لغتهم بلهجتهم، وبأن جدي هو عقيد الركن يوسف الشاغور الذي كان، في أربعينيات القرن الماضي مساعد لمدير التجنيد في الموصل.... مثل الممثلين البارعين في التقليد، القدرة على التقمص وتغيير الشخصيات وعلى أن أكون ابنتهم وعدوتهم في آن، وأن يكونوا هم، في الوقت عينه، أهلي وخصومي" ص15، حمل هذا المشهد حالة التضاد بين عراقية وأمريكية "زينة" فهي تنتمي إلى هذا المكان، وأهلها فيه، هنا، لكنها في ذات الوقت جاءت كمحتل، يسهم في تدمير العراق وتشريد شعبه/ا، وهذا الأمر يشير إلى عدم اكتمال/نضوج فكرة المشاركة مع هذا الاحتلال، أو لوجود ذاكرة خصبة وأرث ثقافي يحول دون الانسجام مع ما تقوم به.
تحاول "زينة" أن تقنع نفسها بأن ما تقوم به لصالح العراق والشعب العراقي، فتحدثنا عن تخيلها/أحلامها/فكرتها عن الجيش الأمريكي الذي جاء ليعمر ويبني العراق، فتقول: "إنني ذاهبة في مهمة وطنية، جندية أتقدم لمساعدة حكومتي وشعبي وجيشي، جيشنا الأمريكي الذي سيعمل على إسقاط صدام وتحرير شعب ذاق المر.... مساكين أهل العراق، لن يصدقوا أعينهم حين ستفتح على الحرية. حتى الشيخ العجوز منهم سيعود ولدا صغيرا وهو يرتشف حليب الديمقراطية ويتذوق طعم الحياة كما عشها أنا هنا" ص18، محاولة اقناع الذات بأن ما تقدم عليه هو خير ويخدم العراق وأمريكيا في ذات الوقت، وأن هذه المشاركة تعد عملا نبيلا وإنسانيا ووطنيا، فلا ضرر من هذه المشاركة، فهي من سيعيد للشعب العراقي الحرية الديمقراطية التي افتقدها على مدار حكم صدام!.
لكن بعد أن تشاهد "زينة" قصف بغداد والخراب الذي لحق بها، تأكدت بأنها تقدم على أمر في غاية السوء، فعل يتناقض مع عراقيتها وإنسانيتها وأمريكتها، هي تعمل الشر وتقتل شعبها وتدمر بلدها العراق، "ورغم حماستي للحرب اكتشفت أنني أتألم ألما من نوع غريب يصعب تعريفه، هل أنا منافقة، أمريكية بوجهين؟ أم عراقية في سبات مؤجل مثل الجواسيس النائمين المزروعين في أرض العدو من سنوات؟ لماذا أشعر بالإشفاق على الضحايا، وكأنني تأثرت بالأم تيريزا، كنت أنكمش وأنا اشاهد بغداد تقصف وترتفع فيها أعمدة الدخان بعد الغارات الأمريكية، كأنني أرى نفسي وأنا أحرق شعري بولاعة سجائر أمي أو أخز جلدي بمقص أظافري، أو أصفع خدي الأسير بكفي اليمنى.
لماذا أعجز عن الجلوس في مقعدي لخمس دقائق؟ أقول للأخرى التي هي أنا إن هناك أطفالا يفزعون وأبرياء يموتون بلا ذنب في بغداد، أقول لها إن الأطفال يمكن أن يكونوا أبناء رفيقاتك في لدراسة، والأبرياء قد يكونوا أولاد عمك وبنات خالتك، والجثة المتفحمة على مدخل مستشفى الكرخ قد تكون لسهيل، أبن الست لميعة" ص23و24، الراوية تركز/تسلط الضوء على مشاهد القتل والدمار، وفي ذات الوقت أثر هذا المشهد على "زينة" فهي العراقية التي يتكلم أهليها في البيت باللهجة العراقية، والتي تحمل الثقافة العراقية، فكيف لها أن تبقى ساكنة بدون حراك اتجاه ما تشاهده من قتل شعبها وتدمير وطنها.
لكنها هنا لم تكن عراقية بل جندية أمريكية، فكيف السبيل للتوفيق بين عراقيتها وأمريكيتها؟ هل يمكنها أن تنحاز لطرف بعينة، وتحسم الأمر بالنسبة للطرف الثاني؟.
الراوية تجعل هذا الصراع مستديم، بلا نهاية، وكأنه صراع الإله العراقي "تموزي " مع الموت، لا ينتهي أبدا، هذه أحدى أهم الأفكار التي تطرحها الرواية، وكأنها بهذا التأنيب/تعذيب/جلد الذات تمارس ما كان يمارسه اجدادها العراقيين القدماء عندما كان يغيب/يذهب "الإله "تموزي" إلى العالم السفلي، فهذا الألم/جلد الذات يعد أهم سمة عند العراقيين، فها هم الآن وبعد أكثر من خمسة آلاف عام يمارسون هذا الأمر، ويندبون غياب الإله "تموزي" الذي أخذ/استبدل بشكل "الحسين بن علي" لكن فعل تعذيب الذات ما زال على حالة، كما هو لم يتغير أو يتبدل، فهل هناك شعب على الأرض يؤكد حضوره ووجوده على وطنه كما هو حال العراقي؟
الوطن/العراق يبقى مستيقظا/حاضرا/فاعلا /متقدا لا يخبو، فهو كالهواء للعراقي، لا يستطيع أن يكون بدونه، هذا ما كان "لزينة" حينما شمت رائحة العراق، "في تلك اللحظة، مع رائحة الطوز النافذة، شمتت العراق وكأن البلد كله تجمع في أنفي... وميزت عبقه الذي أعرف ولفح هوائه الساخن على الوجوه، وكانت نادية المصرية ترتعش ورلى تسعل وكأنها ستموت. مددت يدي أضرب على ظهرها وكأنني مسؤولة عما يصيبها، هذا بلدي ورلى ضيفتي، راحتها واجبي." ص40و41، العراقية تطغى على كل شيء، فها هي "زينة" تتحدث عن عراقيتها، وتعامل زميلاتها المجندات مع المحتل بحرص المضيف على أكرام وراحة الضيف، فهي هنا عراقية خالصة، تخلت ـ ولو مؤقتا ـ عن امريكيتها، هواء العراق الساخن اللافح ايقظ فيها العراقية، وموت امريكيتها.


عراقية "زينة" كانت تسيطر عليها، وكأنها لم تأتي كجندية أمريكية، بل كمواطنة عراقية لتخدم بلدها، ولكي تعيد ذكرياتها الجميلة فيه، "تماسكت في مواجهة جيش الحنين، ...كانت صورة طفولتي تنثال على وجهي مثل زخة مطر حار يكوي ولا ينعش . أتفرج ببلاهة السياح على الأعرابيات حاملات السلال فوق الرؤوس وهن يتوقفن للفرجة على موكبنا" ص48، اعتقد بأنه لا يوجد شعب في العالم كالشعب العراقي، الذي يبقى العراق حيا فيه، فهما كالجسد والروح، لا أهمية أحدهما دون وجود الآخر، هذا ما أرادت الراوية أن تخبرنا به، فالعراق/العراقية هما روح العراقي،


إذن بهذا يتم تقدم "زينة" من عراقيتها وانسحابها ـ فكريا/عقائدا ـ من امريكيا، فهي عراقية، وستسير بعد هذه المشاهدة نحو العراق والعرقيين.
وهذا ما حدثت به مهيمن قائلة: "...أنا عراقية الأصل والمولد، ولا يمكن أن يكرهوني أهل البلد الذين يشبهونني في سمرتي، وأشبههم في الملامح واللغة والدم الفور" ص159، التقدم نحو العراق والعراقية أصبح أكثر وضوحا عند "زينة" فرغم استمرار عملها مع المحتل نجدها تتقدم أكثر من وطنها وأبناءه.
تعود "زينة" إلى أمريكيا تقضي أجازتها من الحرب في العراق، ثم تعود إليه لكن هذه العودة كانت قد جعلت الصراع أكثر و ضوح، فنجد "طاووس" جارة وصديقة الجدة تخاطبها بهذا الشكل، " "كلب أبو بيتين" هكذا وصفت طاووس حالتي بعد عودتي من ديترويت، لا أنا قادرة على استرجاع حياتي السابقة ولا على التآلف مع حياتي في الخضراء" ص162، العراقية أخذت مفعولها في نفس "زينة" بحيث أصبح نفسيا تتصارع مع الأمريكية، وهذا الأمر لم يكن واضحا تماما لها في السابق، كانت تفكر بما تقوم به، لكنها هنا ـ بعد أن تراكمت تلك الأعمال والمشاهد والأفكار في ذاكرتها ـ جعلت حالتها النفسية ترفض وتحارب الأمريكية فيها، من هنا قالت عن ذاتها: " عدت إلى بغداد بعد بضعة أشهر من الضياع النفسي في ديترويت" ص163، فحالة الاضطراب هي حالة صحية، تصيب الذين يستخدمون ضميرهم ويحكمونه فيما يقومون به، وهي وجدت بأنها لا يمكن أن تنسجم مع أعمال الاحتلال، ولهذا وجدنها بهذه الظاهرة الصحية، التي تشير إلى ضميرها/إلى عراقيتها الحية.
تركز الراوية على ما تمر به "زينة" من عملية ألم المخاض، الذي يشير إلى أن هناك مولود سيخرج إلى الحياة، فتقول على لسانها: "ولم أكن معطوبة في جسدي لكن مواضع في ذاكرتي كانت تؤلمني" ص164، لكن ما هذا المولد؟، وهل يستحق كل هذا الألم؟ تجيبنا "زينة" بهذه العبارة: "شلت يمني إذا نسيتك يا بغداد" ص195، التي تنهي فيها الرواية، فهل هناك أبلغ وأعمق من هذا القول؟.
الجيش العراقي وفلسطين
العديد من الكتاب يحاول ان يتجاهل ذكر الجيوش العربية، ويعود ذلك إلى تقاعسها وخدمتها للنظام الرسمي العربي، فغالبية الجيوش العربية تخدم النظام وتعد احدى اهم اركانه التي تحميه، من هنا وجدا عدم الذكر ـ الإيجابي ـ لها إلا نادرا، إذا ما استثنينا ما كتبه جمال الغيطان من روايات "الرفاعي، الحصار من ثلاث جهات، أرض أرض" ورواية أديب نحوي "سلاما على الغائبين" لكن الكاتب العراقيين تحديدا هم على تواصل مع الجيش، وقدموه بشكل مقبول، حيث كان لهذا الجيش دور قومي ووطني، ولم تخلف عن القيام بواجباته القومية والوطنية ابدا، فحروبه في فلسطين والشهداء الذين ضحوا ما زالت شواهدهم قائمة يزورها الفلسطينيون ويتذكرون دور هذا الجيش العظيم.
الراوية تعطي الجيش العراقي الصورة الايجابية، من خلال حديثها عن جدها "يوسف"ـ هل نسيت يا زينة؟ اليوم ستة كانون الثاني...عيد الجيش"ص90، العديد منا يتجاهل الاعياد الرسمية العربية التي لا تعني له شيئا، لكن الراوية أصرت على تذكرنا بهذا اليوم العظيم ليس للعراق وحسب بل لكل عربي، وكأنها بهذا التذكير تريدنا أن نتقدم من امجاد ذلك الجيش الذي تم القضاء عليه وانهاء وجوده تماما.
وعن دور هذه الجيش المقاتل في فلسطين تقول لنا: "...تلك التي بعثها لها من جنين، أثناء حرب فلسطين، كان قد ذهب مع فرقته لفك الحصار عن قوة عراقية حوصرت في قلعة المدينة، أنجزوا المهمة وبقوا هماك، أعلنت الهدنة لكن الحرب ظلت بين العرب واليهود إلى يومنا هذا" ص91، إذن الجيش العراقي جيش مقاتل، وليس جيش استعراض، جيش مراسم، وهذا الاحترام للجيش يعود إلى قناعة العراقيين بدوره الوطني والقومي في الحفاظ على سيادة العراق والمنطقة العربية.
عناصر الجيش العراقي يتمتعون بالكرامة والوفاء، من هنا وجدنا "عبد الكريم قاسم" احد قادة الجيش العراقي يحفظ الود القائم بينه وبين جد "زينة" "يوسف" "بعد تقاعده من الجيش، استدعاه الزعيم عبد الكريم قاسم، رفيقه القديم في حرب فلسطين وقال له بطيبه المعروفة: "لا احد يشك في وطنيتك ولا في إخلاصك للجيش، لقد فاتحتك في الانضمام إلى الضباط الاحرار وأنت رفضت، لكن بيننا خبزا ملحا وأنا قد رشحتك مستشارا قانونيا لمصلحة السكك الحديد، وأرجو ألا ترفض عرض أخيك" ص92، هذ المشهد يشير إلى الاخلاق العالية التي يتمتع بها الجيش العراقي وإلى العلاقة الوطيدة التي تميز عناصره، فها هو "عبد الكريم قاسم" رئيس الجمهورية بشخصه يطلب من رفيقه السابق في الجيش للعمل لخدمة العراق، ونجد طريقة/اسلوب الخطاب المهذب من رئيس الجمهورية، وهذه الاخلاق تعبر عن سلوك الجيش الأخلاقي.
الرمز
رغم أن الرواية تتحدث عن حدث واقعي، ما زلنا نعيشه، إلا أن الراوية استطاعت أن تقدم لنا مشاهد رمزية، تعمق الفكرة وتجملها، وهذا الشكل من الأفكار يعطي مساحة للمتلقي لكي يتوقف قليلا عند هذه الجمالة ويتمعن فيهما أرد من وراءها.
أول مشاهد التي حمل الرمز كانت من خلال الحلم الذي جاء فيه: "اجتزت باب الحديقة وتقدمت من جدي لك أقع على يده وأقبلها، لكنه سحبها فانسحب جسده بالكامل من المشهد، وفي اللحظة نفسها تحول لون فستان عرسي إلى الأسود وبقيت في مواجهة جدتي، نتبادل نظرات الأسى في الحلم...الفلم" ص44، فهنا كان انسحاب الجدي يشير إلى غضبه من "زينة" إلى عدم رضاه عما تقوم به، وكانت تحويل لون فستان العرس من اللون الأبيض إلى الأسود أيضا يعطي اشارة إلى السلبية التي تقوم بها "زينة" بالخدمة في جيش الاحتلال.
"هذا الشعب متحمس لتغيير النظام، يحلم بالحرية ويرحب بقدوم الجيش الأمريكي، لماذا، إذا، يطفح العيون السود البارزة من شقوق العباءات بكل هذا الصد؟ نظرات تعكس ألفة ولا فرحا، كأن الحزن بؤبؤها، كيف ستكون أيامي المقبلة في البلد الذي لم يعد يعني لي أكثر من أنه حاوية لعظام الأجداد؟" ص49، نجد في المشهد السابق رمزية نظرات العيون التي تشير إلى عدم رضاها عن دخول الاحتلال للعراق، وكان العباءات أيضا تجمل فكرة التخفي، فكرة العزة، فكرة النسوة اللواتي فقدن ازواجهن وابناءهن في الحرب، كل هذا الاشارات نشير إلى عدم رضا العراقي عن هذا الاحتلال.
"كنا على تلة مغطاة بالأعشاب وكان التمر في غذوق النخلات المتيبسة قد جف وتقلص وبات في حجم العنب الصغير" ص57، النخلة، رمز العراق كنت متيبسة، وثمرها، الذي يشير إلى الشعب العراقي، أيضا بدى صغيرا، مقزما، لا يشير مظهره إلى ما كان عليه، إلى طبيعته الكبير والناضجة، وكأن العراق وشعب العراق بدو عندما دخل الاحتلال ضعاف/ناحلين، فقد تحولها من اسياد إلى عبيد، من سادة إلى خدم.
"يبست نباتات كثيرة في جنائن المنطقة الخضراء لكن النخيل خلق لكي يعيش" ص172، اشارة إلى العملاء الذي يخدمون الاحتلال، فتحولوا من عراقيين يتسمون بالعراقية إلى خونة يخدمون العدو، من هنا كانت "الاعشاب" قد يبست، بينما "النخل" العراق وجد ليحيا حتى في الظروف القاسية.
"أقول مثل أبي: شلت يميني إذا نسيتك يا بغداد" ص195، التركيز على اليد اليمين، يعني اليد التي نعتمد عليها، فهي أهم من اليسرى، وهذه الدعوة تؤكد تعلق العراقي بعاصمته بغداد.
"حين طرقت الباب فتح لي حيدر وباس رأسي، فيه شبه من مهيمن، تنقصه عشر سنوات ليصبح هو، أشار إلى الغرفة الداخلية، فتحت الباب، وجدت طاووس متربعة فوق عباءتها على الأرض. تتمتم آيات من القرآن قرب السرير، والعذراء تصغي" ص181 هذا المشهد الذي يعد من أجمل المشاهد التي رسمتها لنا الراوية، يحمل رمزية رائعة عندما قالت" تتمتم آيات من القرآن قرب السرير، والعذراء تصغي" فكان اللقاء والاستماع والتفاهم والتوحد بين العراقيين، فالدين بالنسبة لهم تم تجاوزه، فالمسيحي يستمع للمسلم، والمسلم بعمل/يقول/يدعو للمسيحي بالشفاء والعافية.