لماذا لم يهتف أحدٌ...-الشعبُ يريدُ بناءَ النظامِ-؟!

سامي عبد العال
2016 / 9 / 26

"الشعبُ يريدُ اسقاطَ النظامِ"... كانت لافتةً متشابهةً في كلِّ الربيع العربي وتقلباته. ذلك إنْ صحَ الجمعُ فيما لا يُجمع تحت هذا العنوان المشوَّه. لأنَّ العرب سياسياً ممنوعون من الصرف بحسب قواعد وآليات واضحةٍ. لافتةٌ وَحدَت أصوات المظاهرات غرباً وشرقاً من تونس إلى اليمن قبل أن تصبح كارثةً بسوريا. حينذاك دلَّ الهتافُ بحُسن نيةٍ - لا أقول بسذاجةٍ- أنَّ لدينا أنظمةً سياسيةً معروفةً. وإلاَّ لكان الشعارُ هتافاً بلا مضمونٍ. كأننا نُكلِّم أنفسنا فرحين بمعانقة المجهول!!
لكن، هل يستقيم هذا مع مآل التغيُرات السياسيةِ التي جرت؟ أيعتبر ذلك عبوراً لكوارث حدثت بضروس التغيير؟ هل انتبه أحد إلى المصير حتى يقول جملة مفيدة عن المستقبل؟ لماذا خرست اللغة السياسية عن أن تأتي بجديد؟
إذا قلنا يجلس في الغرفة أُناسٌ كثيرُون، فالإشارةُ واضحةٌ إلى هؤلاء. أما إذا قُلنا اسقاطَ شيءٍ غير موجودٍ، فمعناه اسقاطُنا نحن أصحاب الهتاف. من حيث كوننا نهتف بما هو معدوم برأي فلاسفة العرب القدامى. أي باصطلاحهم الفلسفي: تأييسُ(إيجاد) الأيسِ(الموجود) عن ليسٍ(عدم). إذن هل كنا نجري وراء أشباح لأنظمةٍ عربيةٍ غابرة؟!.
المُعادِل الموضوعي لإسقاط أي نظامٍ سياسي هو بناء النظام بالضرورة. فالحياة بعناصرها نتاج لتفاعل الاسقاط والبناء. ألم يقُل أبو البقاء الرندي شاعر الأندلس: "لكلِّ شيءٍ إذا ما تمَّ نقصانُ.. فلا يُغرُّ بطيبِ العيشِ إنسانٌ. هي الأيام كما شاهدتها دولٌ.. من سرّه زمنٌ ساءته أزمانٌ". نفس قضية ابن خلدون: نشوء الدول وهِرمها ثم زوالها، لتظهر دولٌ تاليةٌ على أنقاض السابقة.
حتى لا نهرب من السؤال: ما مُعطى الهتافِ بإسقاط شيءٍ دون الوعي بإعادة بنائه؟ ولا سيما أنَّ الاثنين – لو جاز ذلك- "صنوانٌ وغيرُ صنوانٍ". فلم نطرح إلى الآن عبر ثقافتا العربية اعتبار "الهدمِ بناءً". هذا شرطٌ قاسٍ لن يجعل الهدمَ سلباً ولا محاربةً دونكيشوتية لطواحين الهواء بطريقة سرفانتس. ولماذا نذهب بعيداً؟ الجسم البشري نفسه يعلمنا هدماً يومياً للخلايا وإعادة بناء أخرى. فكُرات الدم لا تبقى على حالِّها، منها ما يموت بالآلاف ثم تتجدد تلقائياً مع الغذاء.
قبل الاسقاط والبناء ما هو النظام أصلاً؟ إنَّ شعارَ اسقاط النظام رُميَ عرّضَاً أثناء الحراك العضوي الحي. ويفسر لماذا تُسيطر على الجُموع في الواقع العربي انفعالاتٌ سياسيةٌ عنيفة. كما أننا نتلقف الكلمات ونبتلعها دون وعي ناقد إلاَّ من طُغيان المزاج الغالب. فالأنظمةُ السياسية العربية ليست أنظمةً بمُعطاها المتداول في العالم الراهن. إنَّها هياكل حفرية لكائنات منقرضة أو خرافية كالديناصور والماموث وطائر الرُخ. كانت سياسات زين العابدين ومبارك والقذافي وغيرهم ضروباً مُهجنّة لطيور الرخ بألفِ ليلة وليلةٍ. رأينا الزعيمَ الأوحد إلى درجةِ اختفاء المجتمع، والأمن حتى الاختناق الحياتي. ولا حظنا الاستبداد الناعم والخشن معاً، الاقصاء السياسي والعنف المجاني بلا جريرة. ثم كان دور النهب الاقتصادي لمن شاء من رجال السلطة دون حقٍ... ماذا بقي من المجتمع ليتألم؟.
لقد وجَدَ الإنسان العربي أمامه سلطات سياسيةً أشبه بكتل رجراجةٍ من المكونات الزلقة والأنسجة المتلونة بحثاً عن مصالحها. إذا اقترب منها سيلتصق بها وإذا حاربها ستلتهمه. فلم يجد لها مدخلاً ولا مخرجاً واضحاً حتى يصوب لها سهام النقد. فالوزير، لا أقول الرئيس، كان زنادَ المدفع الرسمي، المؤسسةُ كورةٌ تتدحرجُ تحت أقدامهِ، الموظفون عمال وخدم في الوزارة ليس إلاَّ. وغيره و غيره من المسؤولين الأدنى على ذاتِ المنوال. فأصبحت السلطة الحاكمة كابوساً يجثم فوق صدر المواطنين البسطاء. أرادوا دفعاً لهذا الكابوس الأبهم الذي لا معالم له فقالوا "يسقط النظام" ضربةً واحدة!!.
وهؤلاء البؤساء لا يدرون أنَّهم جزءٌ أصيلٌ من النظام الذي يستهدفون اسقاطه. هم صورته المشوه، هم لعنته القاتلة، وهم فائض "حطبه الرمزي" الذي لن ينتهي بسهولةٍ. لأنَّ النظام السياسي في هذه الحالة آلة رغبة ضخمة تشتغل على غرائز الجُموع وتلتهم عظامهم وتسحق أحلامهم. لم يجد المواطن حِلّاً للحياةِ- الدرجة الأدنى للحياة- دونما الاتصال بمغذيات السلطة مهما تكن كراهيته لها. لذلك مازالت الأنظمة النافقةُ سارية بيننا. لم تَمُت بعد، فقد أسست بدائل ثقافيةً تظهر مكانها لو سقطت.
السلطة عند العرب أداة لمص دماء الحياة واعادة ضخه تبعاً لأهدافها في جوانب المجتمع. بسبب أنها شكلَّت وظائف بيولوجية للهيمنة والتسلط. ومثلّت اقتصاداً رمزياً لمعاني الحاكم وآلياته ومؤسساته. فمصر كانت هي مبارك ومبارك كان الناس أجمعين. كيف هذا الخرف السياسي؟ ببساطة كان الزعيم يُخلَّد في أحلام الأفراد المنسحقين ويعيش على جهاز المناعة الحيوية لديهم. لذلك مع اسقاطِ النظام لم يكن بدٌّ من اسقاط معتقداتنا التي يسكنها الزعيمُ. معتقدات وتصورات كانت تأتينا مع الخبز والقمح والأُغنية والصور اليومية باختلافها.
بدليل أنَّ من خرج هتافاً لإسقاط النظام المصري هم أنفسهم من خرجوا غناءً طوال سنوات بحياة الرئيس الخالد. إذن من نُسقِط ومن سنبقي؟ الزعيم أم أصحاب الهتاف...تلك هي الأُرجُوحة الثورية الجديرة بالاعتبار آنذاك. الأمر كأننا لن نتخلص من الجنين دون التخلص من الأم؟! وبدليل أيضاً أنَّ الشعار طُرحَ مُجَهلّاً بصيغة "اسقاط النظام" إجمالاً. أيُ نظامٍ عندئذ، وما هي حدوده، وما هي جذوره؟ وكيف نسقطه؟ بل كيف نفهمه؟!.
أزعم( تحدّياً) لا احدَ بإمكانهِ الإجابة. لأننا لو عرفنا الإجابةَ لكنا قاومنا الأنظمة السياسية المستبدة منذ سنواتٍ. وما كنا لننتظر حتى تنتهي صلاحيتها لدى داعميها الغربيين. كما أنَّها سقطت بفعل الزمن المليء بالمعرفة وثورة الاتصالات وتغيرات الأدوار الدولية لبعضها وإدخال متغيرات دينية إرهابية أخرى. بحيث ظهرت هناك خريطة بديلة لمصالح الغربِ في الشرق العربي. وجاء دور الشعوب كونها وقودَ الانفجار الثوري. تماماً كما استعملتها الأنظمةُ السياسية الغابرة عندما كانت تحتاج "حراكاً تليفزيونياً" في الشارع. أما البؤس وآلام الناس وحالة الفقر بأصنافه فهي بركان يشعله من يشعله، البوعزيزي أو خالد سعيد لا فرق. ثم تكون الشعوب أخر المستفيدين من النتائج إنْ كانت ايجابيةً.
لا مفر من مراجعةِ كلِّ شيءٍ داخل عقولنا، داخل حواسنا، تحت أظافرنا، داخل أوهامِنا. ينبغي كما كان الزعماء العرب يفتشون جواربنا خوفاً من براغيث المعارضة والنقد أن نفتش لا وعينا عن تمثُلات الحُكام وقمامتهم السياسية. لأنَّ هذا عمق النظام الذي مازال مختبئاً في نفوس الناس وخطاباتهم. ولا أجد هناك من يتخلص منه إلا بتمارين صباحية ومسائية على الثورة بمعناها الجذري. كما كان الفيلسوف اليوناني ديوجين اللائرثي يبحث عن الحقيقة حاملاً مصباحه في وضح النهار. وهذا المعنى يستحيل الالتفات إليه مع الفقر الفكري والهذيان السياسي التابع لما بعد الكوارث.
من منظورٍ كهذا كان اسقاط النظام انتحاراً سياسياً للمواطنين. وقد ثبت صحة ذلك مع انهيار الدول الربيعية وتفككها. فإنتاج الزعيم-طوال عقود- ليس مادياً حتى نلقي به جانباً أو نعطل تروس الثقافة الشائعة. لكنّه يعملُ مع طرائق حياتنا ورؤانا للعالم والآخر والله والموت والبعث والنشور والجنة والنار. وهذا سبب الفوضى التي ما فتئت تُعربد في مجتمعات الربيع العربي إلى الآن. كلما تخلصنا من زعيم خرج آلاف الزعماء من كافة التيارات وسيخرُج غيرهم. الدقيقة في الساعة السياسية العربية تلّد مئات الزعماء مع حركة عقاربها بلا طائل. لأن السياسة هي الحامل الجوهري لكافة أبنية المجتمع وعلاقاته. وهي تنتج صور الناس عن وجودهم واختياراتهم في الحياة.
لم يهتف أحدٌ "إعادةَ بناء النظامِ". لأنَّ ذلك هو الخوف المطلق من إعادة بناء أنفسنا. هو الرعب من فقدان هويتنا التي تشكلت واُنجزت مع القهر. كما يقول المسيح ماذا يُجْدِي إنْ خسرتَ نفسك وربحت العالم كلَّه. ربحنا الثورات الربيعية وحل خريف الجماعات المتشددة. وهبت رياح السموم حاملةً لأعمال الارهاب المقدس وتدمير الفكر الحر... لا عودةَ للخلفِ رغم مرور هذه السنوات، لكن كيف نبني نظاماً سياسياً؟!