الجيش العراقي وفلسطين في رواية -الحفيدة الأمريكية-

رائد الحواري
2016 / 9 / 26

الجيش العراقي وفلسطين
العديد من الكتاب يحاول ان يتجاهل ذكر الجيوش العربية، ويعود ذلك إلى تقاعسها وخدمتها للنظام الرسمي العربي، فغالبية الجيوش العربية تخدم النظام وتعد احدى اهم اركانه التي تحميه، من هنا وجدا عدم الذكر ـ الإيجابي ـ لها إلا نادرا، إذا ما استثنينا ما كتبه جمال الغيطان من روايات "الرفاعي، الحصار من ثلاث جهات، أرض أرض" ورواية أديب نحوي "سلاما على الغائبين" لكن الكاتب العراقيين تحديدا هم على تواصل مع الجيش، وقدموه بشكل مقبول، حيث كان لهذا الجيش دور قومي ووطني، ولم تخلف عن القيام بواجباته القومية والوطنية ابدا، فحروبه في فلسطين والشهداء الذين ضحوا ما زالت شواهدهم قائمة يزورها الفلسطينيون ويتذكرون دور هذا الجيش العظيم.
الراوية تعطي الجيش العراقي الصورة الايجابية، من خلال حديثها عن جدها "يوسف"ـ هل نسيت يا زينة؟ اليوم ستة كانون الثاني...عيد الجيش"ص90، العديد منا يتجاهل الاعياد الرسمية العربية التي لا تعني له شيئا، لكن الراوية أصرت على تذكرنا بهذا اليوم العظيم ليس للعراق وحسب بل لكل عربي، وكأنها بهذا التذكير تريدنا أن نتقدم من امجاد ذلك الجيش الذي تم القضاء عليه وانهاء وجوده تماما.
وعن دور هذه الجيش المقاتل في فلسطين تقول لنا: "...تلك التي بعثها لها من جنين، أثناء حرب فلسطين، كان قد ذهب مع فرقته لفك الحصار عن قوة عراقية حوصرت في قلعة المدينة، أنجزوا المهمة وبقوا هماك، أعلنت الهدنة لكن الحرب ظلت بين العرب واليهود إلى يومنا هذا" ص91، إذن الجيش العراقي جيش مقاتل، وليس جيش استعراض، جيش مراسم، وهذا الاحترام للجيش يعود إلى قناعة العراقيين بدوره الوطني والقومي في الحفاظ على سيادة العراق والمنطقة العربية.
عناصر الجيش العراقي يتمتعون بالكرامة والوفاء، من هنا وجدنا "عبد الكريم قاسم" احد قادة الجيش العراقي يحفظ الود القائم بينه وبين جد "زينة" "يوسف" "بعد تقاعده من الجيش، استدعاه الزعيم عبد الكريم قاسم، رفيقه القديم في حرب فلسطين وقال له بطيبه المعروفة: "لا احد يشك في وطنيتك ولا في إخلاصك للجيش، لقد فاتحتك في الانضمام إلى الضباط الاحرار وأنت رفضت، لكن بيننا خبزا ملحا وأنا قد رشحتك مستشارا قانونيا لمصلحة السكك الحديد، وأرجو ألا ترفض عرض أخيك" ص92، هذ المشهد يشير إلى الاخلاق العالية التي يتمتع بها الجيش العراقي وإلى العلاقة الوطيدة التي تميز عناصره، فها هو "عبد الكريم قاسم" رئيس الجمهورية بشخصه يطلب من رفيقه السابق في الجيش للعمل لخدمة العراق، ونجد طريقة/اسلوب الخطاب المهذب من رئيس الجمهورية، وهذه الاخلاق تعبر عن سلوك الجيش الأخلاقي.
الرمز
رغم أن الرواية تتحدث عن حدث واقعي، ما زلنا نعيشه، إلا أن الراوية استطاعت أن تقدم لنا مشاهد رمزية، تعمق الفكرة وتجملها، وهذا الشكل من الأفكار يعطي مساحة للمتلقي لكي يتوقف قليلا عند هذه الجمالة ويتمعن فيهما أرد من وراءها.
أول مشاهد التي حمل الرمز كانت من خلال الحم الذي جاء فيه: "اجتزت باب الحديقة وتقدمت من جدي لك أقع على يده وأقبلها، لكنه سحبها فانسحب جسده بالكامل من المشهد، وفي اللحظة نفسها تحول لون فستان عرسي إلى الأسود وبقيت في مواجهة جدتي، نتبادل نظرات الأسى في الحلم...الفلم" ص44، فهنا كان انسحاب الجدي يشير إلى غضبه من "زينة" إلى عدم رضاه عما تقوم به، وكانت تحويل لون فستان العرس من اللون الأبيض إلى الأسود أيضا يعطي اشارة إلى السلبية التي تقوم بها "زينة" بالخدمة في جيش الاحتلال.
"هذا الشعب متحمس لتغيير النظام، يحلم بالحرية ويرحب بقدوم الجيش الأمريكي، لماذا، إذا، يطفح العيون السود البارزة من شقوق العباءات بكل هذا الصد؟ نظرات تعكس ألفة ولا فرحا، كأن الحزن بؤبؤها، كيف ستكون أيامي المقبلة في البلد الذي لم يعد عني لي أكثر من أنه حاوية لعظام الأجداد؟" ص49، نجد في المشهد السابق رمزية نظرات العيون التي تشير إلى عدم رضاها عن دخول الاحتلال للعراق، وكان العباءات أيضا تجمل فكرة التخفي، فكرة العزة، فكرة النسوة اللواتي فقن ازواجهن وابناءهن في الحرب، كل هذا الاشارات نشير إلى عدم رضا العراقي عن هذا الاحتلال.
"كنا على تلة مغطاة بالأعشاب وكان التمر في غذوق النخلات المتيبسة قد جف وتقلص وبات في حجم العنب الصغير" ص57، النخلة رمز العراق كنت متيبسة، وثمرها، الذي يشير إلى الشعب العراقي، أيضا بدى صغيرا، مقزما، لا يشير مظهره إلى ما كان عليه، إلى طبيعته الكبير والناضجة، وكأن العراق وشعب العراق بدو عندما دخل الاحتلال تحولها من اسياد إلى عبيد، من سادة إلى خدم.
"يبست نباتات كثيرة في جنائن المنطقة الخضراء لكن النخيل خلق لكي يعيش" ص172، اشارة إلى العملاء الذي يخدمون الاحتلال، فتحولوا من عراقيين يتسمون بالعراقية إلى خونة يخدمون العدو، من هنا كانت "الاعشاب" قد يبست، بينما "النخل" العراق وجد ليحيا حتى في الظروف القاسية.
"أقول مثل أبي: شلت يميني إذا نسيتك يا بغداد" ص195، التركيز على اليد اليمين، يعني اليد التي نعتمد عليها، فهي أهم من اليسرى، وهذه الدعوة تؤكد تعلق العراقي بعاصمته بغداد.
"حين طرقت الباب فتح لي حيدر وباس رأسي، فيه شبه من مهيمن، تنقصه عشر سنوات ليصبح هو، أشار إلى الغرفة الداخلية، فتحت الباب، وجدت طاووس متربعة فوق عباءتها على الأرض. تتمتم آيات من القرآن قرب السرير، والعذراء تصغي" ص181 هذا المشهد الذي يعد من أجمل المشاهد التي رسمتها لنا الراوية، يحمل رمزية رائعة عندما قالت" تتمتم آيات من القرآن قرب السرير، والعذراء تصغي" فكان اللقاء والاستماع والتفاهم والتوحد بين العراقيين، فالدين بالنسبة لهم تم تجاوزه، فالمسيحي يستمع للمسلم، والمسلم بعمل/يقول/يدعو للمسيحي بالشفاء والعافية.