القديسةٌ أم الأمُّ؟

فاطمة ناعوت
2016 / 9 / 24

========

في لقائي الأول بقداسة البابا تواضروس الثاني، عام 2012، حين ذهبتُ لتهنئته بترسيمه بابا الكنيسة المصرية خلفًا للبابا شنودة رحمه الله، ضمن وفد الكتّاب والمثقفين، خاطبته قائلا: “أبونا". انزعج الأسقف الذي حضر لقائي الخاص مع قداسة البابا وهمس في أذني: “نقول له: يا سيدنا!"؛ مصحّحًا هذا الخطأ الجسيم الذي وقعتُ فيه. فقلتُ: “سامحوني، أنا أجد أن لقب "أبونا" أجمل وأقرب إلى القلب من لقب "سيدنا". الأول يحمل معاني المحبة والمسؤولية والثقة والحنوّ والانتماء. بينما يحمل اللقب الثاني شيئًا من الطبقية ويضع مسافات بين المنادِي والمُنادَى. فهل يسمح قداسة البابا أن أناديه: أبونا؟" ابتسم قداسةُ البابا تواضروس في تواضع ورُقيّ وقال: "طبعًا، بكل محبة."
البابا في الأصل راهبٌ لم يتزوج ولم ينجب. لكنه أنفق عمره من أجل ملايين الأبناء الافتراضيين. لهذا استحق لقب "الأب أو البابا" لأنه يرعى بشرًا لم يخرجوا من صلبه، فكان لهم أبًا وراعيًا وحاميًا.
بنفس المنطق، لستُ أدري أيهما أجمل: لقب "القديسة"، أم لقب "الأم"؟ لا شك أن اللقب الذي منحه الفاتيكان مؤخرًا للراهبة العظيمة: "الأم تريزا"، بعد تطويبها "قديسةً" يوم 4 سبتمبر الحالي، يعني الكثير في الأدبيات المسيحية، بدليل الحفل العالمي المشهود الذي حضره البابا فرنسيس، بابا الفاتيكان، بحضور 300 ألف شخصية عامة من مختلف أنحاء العالم. ولكن عندي، يظلّ لقب "الأم" هو الأجمل والأعلى، في أدبياتي الخاصة. شيءٌ مدهش لي، كشاعرة، أن تحوز راهبةٌ، لم تتزوج ولم تنجب، هذا اللقب الرفيع، الذي تسعى نساءُ الأرض إلى الحصول عليه بالزواج والإنجاب وإنفاق العمر من أجل تنشئة طفل واحدٍ، أو طفلين، أو حتى عشرة أطفال. معادلة عادلة ومنطقية، أن تتعب أمٌّ مع طفلها سنوات وعقودًا حتى يصير الطفلُ رجلا، ثم تنتظر أن يُردَّ لها الجهدُ وسهر الليالي، فتنال منه مثلما منحته حبًّا ورعاية لها في كِبرها ووهنها. أما أن تسهر "عذراء" لم تلد على راحة ملايين الأطفال، الذين لم يخرجوا من رحمها، فتلك هي المعادلة المستحيلة التي تجعل من تلك الأم الافتراضية أيقونة محبة وسلام وإنسانية.
أمٌّ، وعذراء! اختارت حياة الرهبانية والبتولية والفناء من أجل أطفال لم تحملهم في أحشائها. فاستمتعتْ بسماع تلك الكلمة الساحرة: “أمي" من ألسن ملايين الأبناء من البشر الضعفاء والأقوياء. كرّست عمرَها لمحاربة عدو واحد، هي التي لم تصنع أعداء طيلة حياتها الشاقة. لكنها عرفت كيف تختار عدوََّا. فالذكاء يكمن في اختيار الأعداء، لا في اختيار الأصدقاء وحسب. المثقف الكبير هو مَن يختار عدوَّه كبيرًا هائلاً خطيرًا، حتى يكون النزالُ بين نِدّين كليهما كبيرٌ وقويّ. أيُّ نُبل في أن تختار عدوًا ضعيفًا كسيرًا، مهزومًا سلفا! لهذا اختارت تلك السيدة القوية عدوَّها ذا بأس وجبروت، بل يمثل خطرًا داهمًا على كامل المجتمع البشري.
عدوُّها الأوحد مرضٌ خطير يهدد الجنس البشري أطلقت عليه اسم: “مرض نقص الحب". كانت تؤمن أن لكل داءٍ دواءً، إلا مرضًا واحدًا عزّ دواؤه ونَدُر. هو شعور الإنسان أن "لا أحد يحبُّه". لهذا استهدفت أولئك المرضى بعوز الحب ومنحتهم كامل حبّها، ثم حرّضت الآخرين الأصحاء على منح أولئك المرضى جرعات حب مكثفة، فكان كلٌّ يعطي بقدر طاقته، فيما بقت طاقتُها الخاصة على منح الحب، لا تباريها طاقةٌ بشرية أخرى.
كانت تعلّم الناسَ كيف يحبون قائلة: “الأشياء التي تؤمّن لنا دخول السماء هي أعمال المحبة والكرم التي يتحتم أن تملأ وجودنا وأيامنا. آه لو عرفنا ماذا تفعل ابتسامةٌ مُحبة لمريض! هكذا نعلن من خلال ابتساماتنا أن الله يسامحنا إن تعلمنا كيف نحب المرضى ونساعد الفقراء، بهذا فقط نستحق أن يغفر الُله لنا خطايانا.”
أحبّت مرضى الجُذام، الذين يهرب الناسُ منهم مخافة العدوى، واحتضنتهم وحملت أطفالهم المصابين المنبوذين وقبّلتهم غير عابئة بالميكروب الخطير الذي يفتك بالجسد. حوّلت معبدًا هنديًّا يسمى معبد "كالي"، وهو إله الموت والدمار عند الهندوس، إلى دار لرعاية المصابين بأمراض لا شفاء لها، لكي يتمتعوا بالحب والرعاية والحنو وقبول الآخر لهم في أيامهم الأخيرة. ثم توالت الدور التي أنشأتها لإيواء المنبوذين المصابين بأمراض مُعدية مثل: "مدينة السلام"، "القلب النقي"، "أخوة المحبة"، ومئات من دور الأيتام شعروا فيها كم هم محبوبون ذوو كرامة وعِزة. وارتدت طوال حياتها ثوبًا بسيطًا أبيض اللون مثل الساري الهندي، له إطار أزرق عند الكُمّين لكي يتعرف المحتاجون على الراهبات فيطلبون المساعدة.
هي الراهبة الألبانية الأم تريزا. أم المرضى والفقراء والمجذومين واليتامى، التي ولدت عام 1910، ورحلت عن عالمنا عام 1997، بعدما نالت جائزة نوبل للسلام عام 1979.
أيتها البهية النقية البتول، أحببتك دون أن أراك، كما أحبّك مليارات البشر على اختلاف عقائدهم في شتى أرجاء الأرض. ولأنك اخترتِ أن تغادري عالمنا يوم 5 سبتمبر، وهو موعد طيران أمي إلى الله، فأنا أعزّي نفسي فيكِ مرتين، لا مرةً واحدة. طوبى لكِ أيتها البتول، وطوبى لكل من تعلّم منك المحبة والحنو، لكي يصل إلى الله، بمحبة خلق الله.