هل التجارة خساسة؟

توفيق أبو شومر
2016 / 9 / 24

البيعُ والتجارةُ مهارةٌ ما بعدها مهارة، فمن البائعين من يجذب عينيك، ومنهم من يجذبك بأذنيك، ومنهم من يتحداك حتى تقع في شباكه.
كنتُ ذات يوم أسيرُ في أحد أسواق العرب في سورية الشام، سورية، جذرُ شجرة التجارة الأولى في العالم، حين قبض على ساعدي أحدُهم، وأَقسم ألا يتركني إلا بعد أن أرى بضاعته، انصعتُ، تحت وقع قبضته القوية، واطمأننت، وأنا أرى جمهور الناس من حولي، فأوقفني أمام دكانه، وهو يقول:
أنا أعرف الرجالَ من ملامحهم، فأنت ابن أصولٍ، وما إن تراخت يدُه عن ساعدي، حتى تملَّصتُ، وأنا أتركه يقول:
صحيح أهل الأصول ماتوا!
من أنابيش قصص التجارة في سوق الحميدية، في دمشق، في هذا السوق يولدُ الأطفالُ، وهم يرضعون من أثداء أمهاتهم حليب شطارة التجارة.
لم أكن أعرف يومها؛ أن الوقوف أمام دكانٍ، ثواني قليلة للنظر، يعني أنني أصبحت فريسة، ومن العار على صاحب الدكان أن يتركني أغادر، بدون أن أشتري من دكانه شيئا.
ولم أكن أعرف بأن المفاوضات بين البائع والمشتري تجعل البضاعةَ أقلَّ من الثمن الذي طلبه البائعُ في الشوط الأول من المباراة، بثلاثة أضعاف، إلا في هذا السوق!
توقفتُ متأملا واجهةَ محلٍ، تتدلى منه أربطةُ عنقٍ، متعددةُ الأشكال والألوان، ذكَّرتني بأنها تصلح للهدايا، فهي خفيفة الوزن، وذات بهجة.
وما إن تأملتها للحظاتٍ، حتى خرج اثنان من داخل المحل، وقاداني إلى داخله مُكرها، فوقفت على الباب، وأنا أعلم بأنهما لن يتركا لي خيارا، فإما الشراءُ، وإما الشراء!
فسألتهما عن ثمن ربطة العنق، فقال أحدهما وهو يأمرني بأن أدخل حتى يريني ما هو أجمل من المعروض،قال:
ثلاثين ليرة !!
فأدرتُ ظهري، فحذف من الثلاثين عشرة، عندما صرت خارج المحل، سرت ولم أكن أعلم بأنه يسير ورائي، وهو يقول: أخي، خمس عشرة ليرة.
وواصل سيره على الرغم من ابتعادي عن محله وسط الناس، وقال: عشرة
ثم، خمس ليرات، ولم ييأس من صمتي، وحين أحسّ باليأس قال بصوت عالٍ وسط
وردد آخر لعنات اليائسين:
العمى بعيونك!
وأخيرا، هل حلَّتْ لعنةُ أفلاطون على السوريين عندما قال عن التجار:
"هم معدنُ الدولة الخسيس"!؟
أم أن أرسطو شخَّص واقع التجارة في عصره، عندما قال:
" الاشتغال بالتجارة هوانٌ ومذلة "؟!!
أم أن الحقيقة هي: أنَّ منظمة التجارة العالمية، وهي صاحبة اليد الطُولى في عصرنا، تخلَّصتْ بالفعل من آخر سلالات الفينيقيين، البارعين في التجارة، والمنافسين لهذه المنظمة؟!!