رسائل محمد بك وفاطمة هانم

فاطمة ناعوت
2016 / 9 / 23

================
رسائل متبادلة بين جدي وجدتي أيام الخطوبة وحتى موعد الزفاف عام 1934
تحكي جدتي لجدي في رسالة أنها عزفت على البيانو المقطوعات التي طلبها منها، ويذكّر جدي جدتي في رسالة أخرى ألا تنسى غرفة المكتب وهي تشتري الموبيليا لعشهما السعيد.
انظروا الحب والرقي أيام زمان، ولنتعلّم من أسلافنا الرقي والحب والرومانسية الرفيعة.

فاطمة ناعوت
=======
قبل سبعين عامًا، حمل سُعاةُ البريد المصري رسائلَ عديدةً من بني سويف إلى القاهرة، ومن القاهرة إلى بني سويف. تحولت في الأخير إلى مجموعة من الأوراق الصفراء المتهالكة وصلت إلىَّ ضمن ميراثي من "كنوز" العائلة. كانت رسائلَ بين جدي (من بني سويف) وجدتي (من القاهرة) أثناء فترة خطوبتهما في ثلاثينيات القرن الماضي. خطاب منها مؤرخ بصيف عام 1934، من (محمد) إلى خطيبته (الآنسة فاطمة) اللذين سيتزوجان ثم ينجبان ابنتهما (سهير) أمي الجميلة، التي ستنجنبي بدورها، لأقرأ أسرارَ هذا الزمان النظيف الراقي.
فكرتُ أن أنشر إحدى هذه الرسائل على صفحتي بتويتر، لكي أرصد كيف سيستقبل المصريُّ الألفينيّ، ابن اللحظة الراهنة، أسلوبَ وصوغ ومشاعر وأفكار مصريّ، قديم نسبيًّا، عاش وتعلّم وأحبَّ وتزوّج في الحقبة الملكية. كيف ستري عيوننا الراهنة، (التي تصحو على تلال القمامة تزاحمُ المارة، وتنام على صراخ الإخوان في الفضائيات بكل غثٍّ كذوب)، ما كتبه شابٌّ وصبيّة مثقفان وُلدا وكبرا وعاشا في مجتمع نظيف أنيق، تُغسَل شوارعه وأرصفته بالماء والصابون، وتُشّذب أشجاره ونخيله وزهوره، وتُبنى فيه المباني والفيلات على الطراز الفرنسي والبلجيكي، وترتدي نساؤه الفساتين الأنيقهَ على أحدث صيحات بيوت الأزياء العالمية. مجتمع راق لا يُتحرَش بنسائه (دون حجاب) ولا بمجرد كلمة، ولا يزلّ رجاله بالقول ولا بالفعل، فالكلّ يحترم الكلَّ لأن الأسر كانت تُربّي، والمدارس كانت تعلّم وتربّي، والمجتمع كان يحتضن ويعلّم ويربي، والإيمان الحقيقي (وليس الشكليّ) كان يعمُرُ القلوب. ومن يتجاوز كل ما سبق من أسوار، سيصطدم بسيادة قانون يعدل بين الجميع، فيُربّي؛ ويخلق ثقافة راسخة وأسلوب حياة يُتبّع، وإن غاب القانون. مجتمع ليبرالي محترم، يحكمه دستورٌ مدنيٌّ عادل. جدي وجدتي كانا من أبناء هذا المجتمع وذاك التعليم الرفيع الذي يتخرج فيه الطالبُ من "البكالوريا" (الثانوية العامة) وقد أتقن العربية والإنجليزية والفرنسية كتابةً وتحدثًا، وحفظ المُعلّقات الشعرية الشهيرة، وعرف تاريخ بلاده العريق، وتاريخ العالم، وتعلمت البنات عزفَ البيانو وفنون التطريز.
بعدما نشرتُ الرسالة، هالني كمُّ التفاعل غير المعقول من قرائي، وعدد إعادات النشر retweet على تويتر، وshare على فيس بوك، تلك التي تجاوزت في مجموعها عشرة آلاف، غير أضعاف هذا الرقم ممن قرأوا وكتبوا تعليقات معظمها التقاطات ذكية وعميقة.
دارت بعضُ التعليقات حول جمال الخطّ، بقلم الحبر الأسود، وخط الرقعة الأنيق، وحرص جدي على تشكيل الكلمات التي قد تلتبس على القارئ إن لم تُنضَّد. وأبدى البعضُ عجبه وإعجابه بالصوغ العربيّ الرفيع، وحُسن استخدام اللغة كأنه شاعرٌ أو أديب، وما كان! والغالبية العظمى من التعليقات دارت حول الرومانسية النظيفة والمشاعر المتحضرة التي تُغرق الرسالة، ومستوى احترام جدي لجدتي وإطرائه على جمالها وأدبها وهدوئها. وأكملُ حديثي بعد الرسالة.
"بني سويف، 12 مايو سنة 1934
حبيبتي الوحيدة الآنسة فاطمة،
أحييكِ أفضلَ تحيةٍ، وأقبَّلك قبلةَ الإخلاص الأبديّ، وأبلغك أنني بيد السرور، تشرفتُ واستلمتُ كتابكِ الكريم ورسولك الصادق الأمين، فأكبرتُه حين قرأتُه، ودعوتُ اللهَ عني وعنكِ، أن يجعل لنا علي الدوام مَلَكًا طيبًا من بين ملائكته يرقبُنا ويحفظُ لنا عهدينا ويحافظُ علينا من شرِّ حاسدٍ إذا حسد، ومن شرِّ شيطانٍ إذا اقترب، ومن عقارب الزمن إذا غدر.
الوفاءُ الوفاء، هذا ما طالعتُه من وجهك الوضّاء. فخري وإعجابي في هذا وبعد هذا. ستَريْن الوفاءَ يُتبادَل ويفيضُ إناؤه وَيَعُمُّ، فتسيرُ السفينةُ بحمولتها تمخُرُ عبابَ البحار رافعةً شراعَها تتيه دلالاً وعجبًا علي مرّ الزمان.
الطاعةُ الطاعة. هذا ما شاهدتُه ولمسته بيدي. راحتي وسعادتي في هذا وبعد هذا. ستكونين إن شاء اللهُ من أسعد الخلق في الدنيا والآخرة.
وهبتُك قلبي، فهل لك أن تبادليني الهبة؟
أنتظرُ الردَّ. وأبلغُك تحيات السيدة الوالدة، والجميع بخير. تحياتي للسيدة الوالدة وللجميع بالاسم. دعوةٌ منك بقرب يوم اللقاء.
قُبلتي، وقُبلتي، وقُبلاتي حتي أتشرفَ برؤياكِ.
المخلص
محمد"

هكذا أنصتَ الأبناء إلى وقع وإيقاع صوت الآباء والأجداد في الزمن الجميل. هكذا اكتشفتُ تعطّشنا لأجواء التحضر والرقي التي نعم بها آباؤنا بعدما صنعوا لهم مجتمعًا راقيًا محترمًا أهدرناه نحن واستبدلنا به مجتمعًا مسخًا مشوّهًا بائسًا. كانت ثورتنا، التي سرقها لصوص الإخوان، من أجل العودة إلى هذا الزمن المتحضر. كانت لكي نكتب دستورًا يعيد للمرأة مكانتها العالية، وللتعليم بهاءه، وللآذان نغم الماضي النظيف العذب، لكي ننقذ مسامعنا من الثُّغاء الركيك الذي نُسمعه لمصر كل يوم، فتنام ليلها حزينةً منا.
وحينما نشرتُ صورة جدتي الحسناء في فستانها الأنيق وهي في العشرين من عمرها، تدفق الخُطّابُ من قرائي على بابها يطلبون يدها منّي. إنها خفّة ظل هذا الشعب العظيم، الذي سيعيد لنا مصرَ التي نعرفها.