فساد ما فوق الطاولة .. فساد ما تحت الطاولة

جعفر المظفر
2016 / 9 / 23


في مقالة سابقة كنت قد قسمت الفساد الحالي في العراق إلى نوعين: الأول اسميته (فساد ما تحت الطاولة) الذي يتمظهر من خلال السرقة المباشرة للمال العام وعقد الصفقات المشبوهة أو الفضائية أو إستلام الرشى وما شاكل من النشاطات التي ما زالت مدرجة في خانة المحرمات الأخلاقية, على الأقل من الناحية النظرية, رغم ان ممارستها صارت ظاهرة عامة.
وبوجود ملالي فاسدين ودجالين وثقافة دينية متردية صار ممكنا تحليل تلك الرشوة من خلال أقوال على شاكلة (النبي قبل الهدية) . ومعروف أن نظام الرشاوى في العراق صار بمثابة الزيت الذي لايمكن لعربة الحكومة الإستمرار بدونه, أما حلقاته فتبدأ من (الجايجي) الذي نصب موقده وعدته أمام باب الدائرة وصولا إلى الوزير الذي منحه نظام المحاصة حق تسويق ميزانية الوزارة لصالح حزبه وأهله.
إن فساد ما تحت الطاولة وما فوقها قد أدى إلى خسارة العراق غير ثروته المادية ثروته الأخلاقية أيضا, وقد صارت قيم كالنزاهة والأمانة من ضمن مخلفات الماضي, وبهذا سيكون العراق, على فرض توفر فرص خروجه من هذا المستنقع الاسن, في مواجهة صعوبات حقيقية لإعادة بناء منظومته الأخلاقية التي تمكنه بالحد الأدنى على الخروج من خانة الدول الفاشلة.
إن المعني هنا بفساد ما فوق الطاولة هو مجموعة الممارسات واللوائح والأنظمة التي جعلت تبذير المال العام والإستيلاء عليه تبدو كحق أخلاقي في حين أنه في بعض وجوهه بمثابة خروج على الأعراف والقيم الأخلاقية المتفق عليها, فهو هنا لا تقف أضراره على التجاوز المادي على حقوق الوطن وثرواته وإنما يمتد ليمنح التخريب الأخلاقي شرعية قانونية ويحول ماهو غير أخلاقي إلى أخلاقي, وهذه في رأي, حتى وإن أنتجت تخريبا ماديا أقل, إلا أنها تتفوق بكثير على التخريب الذي يحدثه فساد ما تحت الطاولة, فهذا الأخير يظل في الثقافة الإجتماعية العامة ممارسة خارجة على النموذج الأخلاقي العام الذي يسهل فهمه على العامة, ولا يحتاج إلى أصحاب الخبرة أو الكفاءة لتحديد مساحته وكيفية تعريفه وطرق محاربته.
إن فساد ما فوق الطاولة هو خُلْقَنَة ما هو غير أخلاقي, اي جعله يبدو وكأنه ممارسة أخلاقية مشروعة, فهو بالتالي الوسيلة الأمثل لتدمير البنى والثقافة والأعراف الأخلاقية التي تساهم في بناء حصانة أي مجتمع وتمنحه قدرة المقاومة والتقدم, لا بل وتحرمه حال غيابها من مقومات البقاء.
أما الإتيان بالأمثلة فليس هناك أبسط منه, إذ يمكن إدراج حالة البذخ والإسراف التي يعيشها أصحاب السلطة بدءا من الرئاسات الثلاث ونزولا إلى موظفي الهيئات الرئاسية الملحقة من وزراء وقضاة ووكلاء وزارات ومدراء عامين وعبورا إلى زعماء الأحزاب والقيادات السياسية والميليشياوية وعمائم الأوقاف ورجالات الدين المؤثرين, مضاف إليهم مجاميع الرتب العسكرية التي يعادل عدد الفرقاء منهم ربما نصف عددهم في كل جيوش العالم مجتمعة. وللإختصار يمكن تقدير حجم هذه الأورام السرطانية بمقارنة عدد مرافقي وحراس نائب في البرلمان العراقي بنظيره في الكونغرس الأمريكي وحيث يمكن أن تبلغ النسبة هنا أضعاف الضعف.
إن من المتعذر حصر أشكال وصيغ وحجم فساد ما فوق الطاولة, ولربما يحتاج تعدادها فقط إلى كتاب من الحجم الكبير, لكن الإحاطة بحجم المشكلة ومستوياتها المدمرة يمكن الوصول إليها من خلال الكثير من الظواهر اليومية الملموسة.
إن من الصعوبة حقا متابعة ومعالجة فساد ما تحت الطاولة وما فوقها بشكل جدي ومؤثر بسبب كونهما إنعكاسا بنيويا لتركيبة النظام السياسي القائم. وبوجود إقترابات واضحة لتعريف طبيعة النظام العراقي, مع توصيف واضح لتركيبته البنيوية وإنعكاساتها المادية والأخلاقية يصبح من الصعوبة تصور وجود إمكانية لمعالجة الفسادَيْن بأساليب إصلاحية, فالخلل في حقيقته بنيوي ويتطلب الإزاحة والإزالة والإستبدال.
وسيؤدي الإصلاح دورا فاعلا لو صار بالإمكان معالجة السرطان القاتل بحبة أسبرين.