الدولة – الإله: نقد اللاهوت السياسي

سامي عبد العال
2016 / 9 / 23

جاء كيان الدولة العربية الحديثة مقبرة راهنة لإله عتيقٍ. ليس يسكن بعيداً بين طيات قبره لكنه يحيا بين أضلع الأنظمة السياسية. ما من دولة إلاَّ وتقتل الهاً لصالح كم من الآلهة الأخرى. لقد انفرطت جيناته اللاهوتية- حياتياً- في أشكال سياسية عضوية. فهناك المسؤولون ورجال الدولة وأصحاب المناصب العليا والقوى الخفية ومراكز القرار ورموز السلطة. هؤلاء الواقفون على زناد المصير السياسي لرعاياهم. وعليه يطوف الرعايا عبر المؤسسات لقضاء الأعمال بنفس ايقاع القداسة السحيق. وتتيح دولتهم "العبودية المختارة" كما يرى لابواسيه لتدوسهم تحت حوافر القوانين واللوائح. وتمعن في إذلالهم بشبكة الاقتصاد والتعليم والخدمات الرديئة.
إلى الآن لم نكشف هذه الأساطير السياسية اللاهوتية ونعرضها للتطهير والتفكيك الجذري. بما في ذلك اسطورة الدولة العربية المتسلطة التي تتحور من مرحلة إلى أخرى. لأن الدولة لدينا جهاز ميتافيزيقي سري بغاياته القصوى. احتلت الموقع الإلهي الضخم في ذاكرتنا وداخل لاوعينا العنيف تجاه الآخرين. بحيث ورثت الدولة أدلة وجود الله وأسراره وجميع صفاته العليا واسمائه الحسنى وعنايته أو تحكمه في أقدار البشر. فهذه الثنائية: الدولة الإله- هي أصل الثنائيات السياسية التالية: الحاكم – الإله، الحاكم – الكاريزما، الحاكم – المحكوم، السيد – العبد، الدولة السارقة- الشعب المنهوب. تلك المفردات التي انتشرت في مجتمعات العرب بعناوين مختلفة.
هكذا لم تكن الدولة جهازاً بشرياً قائماً على المؤسسات بل امتزج بالمحرمات والثواب والعقاب والمصير الاسكاتولوجي (الأخروي القيامي). هكذا لم توجد لدينا فاعلية للشعوب ولا رقابة ناجعة للبرلمانات ولا جدوى للمحاسبة القانونية. ولا يوجد أدنى اعتراف –إلاَّ شكلياً- بحقوق الإنسان والديمقراطية والحريات. إن تلك الأشياء ليست طارئة لكنها متأصلة تأصل جذور الدولة لاهوتياً. وهذا سبب اخفاق تأسيس قواعدها وآلياتها الحداثية والليبرالية خارج هذه الموروثات. فهي تلاحقها أينما حلت وعلى أي مستوى تأسست عليه.
نلاحظ أن الدولة في الثقافة العربية من التداول بصدد الأموال والتجارة وسواهما. غير أنَّها ترهن الأزمنة قاطبة لصالح استبدادها المقنن. إنها الإله الأعمى الذي يدهس بضخامته من يعترضه ويقف أمامه. فإذا كانت تتضمن تداول السلطة ومشاعها فإنها تعنى الاستيلاء والسيطرة والغلبة. وتعني عربياً أيضاً: القانِصة. نظراً لأنها تسمح باقتناص الإرادات الفردية في إطار عام قابل للتمركز. كما يقال في بعض الثقافات المحلية من يقتنص الفرصة للحكم فلن يغادره إلاَّ بالموت. والمزحة تقول إن رجلاً عربياً قال لمحدثه الغربي ذات مرة نحن أفضل منكم (يقصد العرب أفضل من الغربيين). تستبدلون رئيساً كل فترة وأخرى بعد انتخابات رئاسية طويلة ومرهقة بينما نحن لا نستبدله إنما الله يتولى تلك المهمة عوضاً عن ارهاقنا!!
الأمر هنا ليس لأنّ الله ينهي حياة الحاكم بإرادة الموت. لكن لأنَّ الحاكم نفسه في الوعي الشعبي يسري كالإله المتسربل بكل الحيل والألاعيب. وبالتالي فلن يناطحه سوى الإله بمعناه الأصلي كقوة لا حدود لها. وإذا كان الله سيكتب نهاية الحاكم فالمماثلة لا تلغي وجود النمطين إنما تؤكد المزاوجة بينمها طوال التاريخ الثقافي للمجتمعات العربية. لأن كل مجتمع قد ورث مفهوم الدولة أو استعارة بمبررات ثقافية ما ظلت سارية بكل مخلفات الماضي وأمراضه وتقاليده.
والتحدي لا يكمن في اكتشاف رفات الإله في هيكل الدولة إنما بفهم آثاره التي ليست لاهوتية واضحة بالضرورة. فهي تؤسس لنفسها بديلاً خارج هيكلها التقليدي. بحيث تبدو براقة مولودة للتو. ولم تمض عليها سوى برهة من الوقت. الخلفاء والحكام والرؤساء والأمراء والسلاطين جميعهم في بلاد الشرق استعارات سياسية على منوال: كيف يتحول الإله بصورة ماكرة؟ بعبارة أخرى كيف يغدو كائناً غامضاً كموضوع للرعب والتلون والقبضة السياسية. ولن تتغير مفاهيم الاستبداد السياسي دونما تغيير مفاهيمنا عن الإله الدموي الذي ينتظر عباده بالحرق والسلخ والتقطيع. فالقضية أضحت طرائق لفهم العالم والحياة، وليست مجرد أفعال وظواهر هنا و هناك.
إجمالاً بالنسبة للعقل الشرقي كان المفهوم- الهرم concept- pyramid للدولة أبرز معالم الحضارات القديمة في بلاد الرافدين ووادي النيل والحضارة الصينية. فهو يؤكد التراتب والطبقية وقداسة السلطة وعنف التنظيم وعبودية الأفراد ورعوية الحاكم. وظل كذلك ضمن تفاصيل الخطاب الديني والسياسي. وهذا يفسر التواطؤ العملي بين الاسلاميين وأنظمة الحكم أيا كانت سواء ممالك أم جمهوريات. فالمصالح واحدة لكن بطريقتين مختلفتين. الساسة يستولون على الإرادة العامة تحت مبررات لاهوت الدولة. والاسلاميون يحاربون لنفس الهدف من واقع دولة اللاهوت( مثل تنظيم الدولة الإسلامية لدى الدواعش- دولة الخلافة الراشدة لدى الإخوان والسلفيين). وما توزيع الأدوار الثقافية على السطح إلا مرحلة استراتيجية للالتقاء عند نقطة الصفر. تلك النقطة القاضية على حرية الإنسان في الحياة العادلة الكريمة. وبعض الربيع العربي- وليس أغلبه الدموي- كان يكفينا لإثبات تلك العلاقة التاريخية التي فرخت اجتماعياً.
ذلك أن فجوة الانتقال من اللاهوت الميتافيزيقي إلى اللاهوت السياسي ليست كبيرةً. فالأبنية الكبرى macro structures في حياة الإنسان الشرقي تعاد هيكلتها ضمن أنظمة اجتماعية وسياسية. بالأدق تعمل الأنظمة الأخيرة على غرار الأولى ماهوياً. فاللاهوت واحد كما أن الذهنية الشرقية والعربية الاسلامية واحدة كذلك دينياً و سياسياً. من هنا صارت مقولة الله مقولة جامعة لتسقط واقعياً على غرار خاص باسم الدولة وباسم المجتمع وباسم المعرفة وباسم القبيلة. وذلك يجعل فكرة الإله ثقباً أسود في الذهنية العربية إذا ما كانت تؤسس للممارسات السياسية.
لم تكن الفجوة كبيرة لأن غطاء سياسياً لها لم يشمل تجارب تاريخية تعيد تنقية التراث الثقافي للألوهية. كما أن أي غطاء سياسي ديني جديد كما يظن الاسلاميون مازال يحمل الفيروس اللاهوتي مثل الجماعة المختارة التي تنغرس أقدامها في ملكوت الله نتيجة طهرانية الأيديولوجيا الخاصة بخلاف كل البشر.
تباعاً رأينا هذا في مفهوم "الخلافة الاسلامية" بوصفها ظلاً صريحاً لألوهية الحاكم الناطق عن ألوهية السماء. إذن كانت الخلافة علامة انتقال كبرى بحجم التاريخ السياسي من نمط الألوهية المفارق إلى نمط الألوهية الأرضي. السابق كان شكلاً توحيداً كحال الديانات الإبراهيمية بينما لم يخلو اللاحق من لوثات التاريخ البشري. وكان باباً خلفياً لامتيازات الحكام والسلاطين.
وضمن أدبيات السياسة الشرعية مرة تأتي كلمة الخلافة مسبوقة بدولة الخلافة. ومرة ترد بالخلافة على أساس أن جغرافيا الدين لا تعترف بحدود جيوسياسية للدول. وأن الصورة القديمة لرقعة الإسلام كانت النموذج الذي يفترشه الخليفة. حتى أطلقت كلمة أرض على تراب الدولة ليس إلا. حيث كان يتحصل عليه بالفتح أو الاغرة أو الدخول في الدين الجديد. فسميت أرض الإسلام. إن الخلافة لم تحدد مساحة الأرض بمعناها السياسي. لأن الأرض -كل الأرض- رغم الوجود السياسي الوطني لها كان منتمياً إلى دول سياسية عريقة. ونتيجة هذا اللاتحديد اعتبرت الأرض هكذا مهملة الحدود. كأنها تعود إلى بداية الخلق تحت مسمى الدولة الاسلامية. إنها مساحة افتراضية محجوزة سلفاً لله بمعناه الخلافي(أي الخلافة الدينية).
هكذا ظهرت القسمة الشهيرة لدى الاسلام السياسي: أرض السلم وأرض الحرب. على اعتبار أن أهل السلم هم الذين يؤمنون بنفس المرجعية ورؤى الحياة بينما ما خلا هؤلاء فيقطنون أرضاً مصيرها الحرب شعوراً وغاية. نتيجة ثنائيات أخرى: الإيمان والكفر، المسلم وغير المسلم، الله والشيطان، نحن وهم.
وإذا كانت الحداثة الغربية شكلاً أرضياً امتص كافة أوجه الدين وامكاناته فقد تركت الكيانات الميتافيزيقية تتحلل وتعيد دورتها خلال حياة جديدة. وكذلك أخضعت فلسفات الحداثة المجتمعات الغربية إلى حالة نقدية شاملة. حتى تستزرع تلك التصورات السياسية في صلب البيئة الطبيعية والحيوية للشعوب. أما العرب فيظنون أن الدولة ستحل لهم جميع المشكلات بينما هي لا يهما ذلك بتاتاً. وهذا خطأ تاريخي لن يقع في أحابيله إلا الأجيال وراء الأخرى.. وفي نفس الوقت يكشف لنا وجود الدولة كسرٍّ أكبر من حجمها الطبيعي. هذا اللوفيثان Leviathan العملاق - بتعبير توماس هوبز- الذي يملأ جماجم العرب.
إن الدولة في تاريخ العرب لم تترسخ كمفهوم ولا مؤسسة ولا منطق سياسي. بدليل أن قضايا الإنسان أول القضايا التي تهدمها الدولة نفسها. لأنها أخذت شكل الوظيفة فقط لأنماط الاعتقادات الموروثة والسائدة. وظل الحكام والمحكومين يتعاملون فيما بينهم على هذا الأساس. وخطورة الوظيفة أنها تُركَّب(تلبس) كطربوش عثماني أو مملوكي فوق أي رأس سياسيي أو اجتماعي أو ديني. لعل الاخوان حينما اعتلى ممثلهم مرسي عرش مصر قفز فوق الأعناق ممطتياً صهوة الدولة ورافضاً الالتزام بالدستور. حتى فرط بالتراب الوطني للدولة المصرية. ليس هذا من فراغ لأنَّ الدولة في ذهنه مجرد وظيفة لما يعتقد محاولاً –كما أصدر من قرارات وقوانين- أن يعصف بالحقائق لصالح الموروث الإخواني الذي يلهث وراء التمكين.