الأعوجون أوْلى بالمعروف

ليندا كبرييل
2016 / 9 / 22

في أرض آلهة الشمس، ومستقَرّ بوذا وكونغ فو، كان لقاء الأقدار مع " مينامي " ، السيدة اليابانية، منذ اثنين وعشرين عاماً ..

سمعتُ قبل أن ألتقيها، عن أطوارها الغريبة التي لا تتوافق مع العُرْف الاجتماعي الصارم، فابتعد الناس عنها . والحقيقة أنها هي التي ابتعدتْ بعد أن نزلت بها المصائب، فخلّفتْ ندوباً نفسية، تعمّقتْ مع تقدمها في العمر.
فمِن تقاطُع آمال أبيها أن ترِث مهنته في المعبد البوذي مع أحلامها بدراسة الفلسفة، إلى موت ابنتها فموْت زوجها فاكتشافها أن ابنها يحمل أيضاً جينات مرض عصبيّ ورثه عنها ...
كانت غريزة الأرض مكْنونةً فيها، قاحلة، لا زرْع فيها ولا مطر.
وكان الحجر في كمون، لا رَجْع له ولا رنين .. حتى جئتُها ! فانفكّ السحر عنها.

شبّهتُها مرة بالبحر في وساعته وعمقه، فاستدركتْ ضاحكة : وموجات صوتي العالية كأمواج التسونامي العاتية ! هههههههه
وكُتِب عليها أن ترحل خنْقاً غرقاً، في التسونامي الذي هزّ اليابان وأقضّ مضجعها في 11 آذار ــ مارس 2011.

ومع مرور خمس سنوات على الفاجعة، أُقيمَ احتفال مهيب إحياءً للذكرى شاركتُ فيه.
ضبطتُ نفسي خلاله أسْهو مراراً عن كلمات التأبين، والذكرى تُرهِف سمْعها إلى الماضي، والقلب يذهب إلى أحاديث " مينامي " الدافئة.
وكمْ بلغ مني الحرج كل مبلغ، عندما وصل مرور الكاميرا البطيئة إلى الصفّ الذي كنت أجلس فيه، فظهرْتُ بوضوح على الشاشة الضخمة التي تنقل وقائع الاحتفال، ووجهي تُضيئه ابتسامةٌ واسعة لذكرى موقف طريف لمينامي !!
فضحتْنا التكنولوجيا .. منذ أن اشتدّ ساعِدها . مناسبة تستدعي الحزن والشهيق والبكاء .. وأنا أبتسم !
قولي الحمد والشكر أنكِ ما كنتِ تضحكين !
بل كنتُ أضحك !!!
كان الضحك يتردد في صدري ويُرعِش أنفاسي وكتفيّ، فأعضّ على نواجذي، وأزمزم فمي خشية أن تفلت الضحكة مني !
كانت الذكرى : لقائي الأول بها. *1
طوبى لذكراكِ أيتها النقيّة.

ذكراها لا تترافق إلا بالابتسام والإعجاب .. طفل يسيّره عقل فولتير، ويعشق أرسطو، ويبكي مع فيكتور إيغو، ويخاف ويرتعد مع دستويفسكي، ويذوب حناناً عند مرْأى قطة جائعة.

اليوم هو لقائي الثالث مع " مينامي ".
والواقع، أن دعْوتها إلى زيارة بيتي لتناول الطعام العربي، والقهوة التي تعشقها، ليست إلا عن حبّ استطلاع من جهتي، ورغبة في الخروج من العزلة من جانبها.

في العاشرة تماماً كانت تقرع الجرس.
فتحتُ الباب، فإذا بلَوْحة مخضّبة بألوان قوس قزح تطالعني، ووجْه منبسِط يضحك ملء شدقَيْه حتى ضرس العقل !
هكذا فجأة .. بدون موقف يستدعي الضحك.
اِلْتبسَ أمرها عليّ لأوّل وهْلة، فَغَشاني الشك والريبة ؛ أهِيَ مينامي التي قابلتُها أول أمس ؟ ولما فطنتُ إلى عضلات وجهها التي بدأت ترتعش، والضحكة التي تغيض ثم تتبدّل إلى حيرة، انتزعتُ نفسي من الدهشة، وصحتُ بها :
ــ مينامي ! كأنكِ لستِ التي عرفتُها.
فعادتْ عضلات الوجه إلى الانبساط، وأطلقت ضحكة مجلجلة، ثم قالت :
ــ قبل أن أخلع حذائي في العتبة تأمّليني جيداً بإمعان، من رأسي إلى حذائي، لأني لن أكرر الخروج بهذا المظهر ثانية، لا أتحمّل الكعب العالي فحملْتُ معي الشبشب لأعود به، وقد تعبتُ أكثر من ساعتين وأنا أجرّب ما عندي من ثياب لا ألبسها لأني سمِنتُ كثيراً، اِمْلئي عينيكِ مني فهذه فرصة لا تُعوَّض ههههههههه !

أرسلتْ مينامي شعرها البديع على كتفيها، وقد عقصتْ جانباً منه بوردة زرقاء ليبدو قرط ذهبي، وحول عنقها عقد أحمر طويل يزيّن قميصاً أصفر، يغطي تنورة برتقالية اللون، وقد شدّتْ خصرها بحزام بنفسجي، وفي قدميها حذاء أسود، وعلى كتفها علّقت حقيبة كبيرة تداخلت فيها الألوان السابقة !!

ما هذا ! شتّان ما بين الثَرى أول أمس، والثُريا اليوم !!
تأمّلتها وأنا أهزّ رأسي غير مصدّقة، ثم فتحتُ ذراعيّ وصحْت بسعادة :
ــ يا إلهي ما أجملكِ اليوم !
فابتسمتْ بارتباك وقالت :
ــ قد لا يبدو لك وجهي مناسباً، فأنا لم أستطع رسْم حواجبي وعيني بقلم رصاص.
ــ قلم رصاص !؟ .. لا يرسم خطّاً على عين !
ــ منذ زمن لم أعد أشتري الماكياج.
ــ وكريم الوجه.. وأحمر الشفاه والخدود الذي أراه ! لا تكْذبي علي.
نظرتْ حولها كمنْ يتأكد إن كان أحد يسمع، ثم وضعت كفها إلى جانب فمها وهمستْ إليّ بصوت بدأ يعلو تدريجياً :
ــ كريم الوجه هذا ؛ بودرة جونسون التي أستعملها للمؤخّرة إذا التهبتْ .. وأحمر الخدود ليس أكثر من ميكروكروم ؛ لا تندهشي هكذا .. أيْوَه .. الدواء الأحمر معقِّم الجروح، يقوم مقام أغلى ماركة في السوق، مدّدتُه ببعض الماء ودهنت به وجهي، جرِّبيه واذْكريني .. وأما أحمر الشفاه فهو قلم شمع أحمر المُستخدَم في الرسم والتلوين . أختي .. ألا يخدم غرضك ؟ إذاً علامَ كل هذا الاندهاش على وجهك ؟ أذِيبيه مع شيء من الزيت والفازلين وجمّديه، ذكِّريني لأعطيكِ واحداً، عندي الكثير من الأقلام كان ابني يستخدمها في الروضة .. ورششْتُ ثيابي رشّاً خفيفاً بالبخّاخ المعطِّر لسيارتي، رائحته طيبة ولا يسبّب لي التهاباً، أشترِيه بدولارَيْن، يا بلاش ~ صدّقيني لا يقلّ طيباً عن عطر المئة دولار من " شانيل " . المواد الاستهلاكية أختي ليست في حدّ ذاتها مصدر فائدة، وإنما في السبُل التي نستخدمها لمنفعتنا ؛ فأنتِ تنتقلين ببودرة جونسون من مجرد مادة لمعالجة التهاب المؤخرة وما بين الفخذين بسبب التعرّق، لتصبح مادة للاستخدام العام أيضاً، وقلم الرسم ليصبح أحمر شفاه، و .. خذي مثلاً آخر ..
قلت لها وقد نفد صبري :
ــ هل سنتكلم عند باب الخروج، ادخلي.
فقالت بحزم :
ــ انتظري حتى أكمل نصيحتي : زيت القلي ، بإمكاننا قبل التخلص منه تنظيف مروحة المطبخ به من الدهون العالقة بها، اِغمسي الليفة بهذا الزيت القديم، ومرّريها على أجزاء المروحة، واتْركيها خمس دقائق ..
ــ ثم ؟؟
ــ ثم ؟ .. مفهومة .. اِمْسحي ! امسحي الأوساخ بطرف إصبعك، وأنت تغنّين .. ترقصين .. بدون جهد، بدون تعب، بدون نرفزة .. النتيجة سارّة جداً.
نظرتْ حولها ثانية، لتتأكد من خلوّ مدخل البناء من جاسوسة تسْترقُ السمع للحصول على ( سرّ المهنة )، ثم قالت :
ــ بيني وبينك لم أتمكّن من تزْرير تنورتي بعد أن سمنتُ كثيراً فوَصلْتُ بين طرفَيْ الخصر بأربعة دبابيس متشابكة .. أخفيتُ العيوب بمهارة، فأرجوك أن تغضّي النظر عنها إذا لاحظْتِها .. يللا ~ تأمّليني جيداً قبل أن أدخل.
صِدْقٌ مثاليّ، أخشى عليه حتى من الهزْل البريء.

مع دخول قوس قزح شعّ في بيتي وهْج وبريق أضاء أركانه.

كشفتْ مينامي غلافاً شفافاً عن هديتها، ثم وضعتْها على الطاولة ؛ مزهرية، تمّ تنسيق زهور ( فوجي Fuji)* فيها بطريقة Ikebana *، ثم جلستْ بظهر مشدود وضحكة طفولية على وجهها . ولما طال صمتي وأنا أتأمل المزهرية الرائعة الأخاذة، وقفتْ محتارة وقالت بقلق :
ــ آسفة .. هذا الحوض من تنسيقي أنا، لعله لم يعجبك ؟
ــ ؟؟ غير معقول !!
كشفَتْكِ نبرة صوتكِ ! سامحكِ الله .. حتى أنتِ لا تتوقّعين من مينامي هذا الإبداع، مع أن منْ تصِل قراءاته إلى أرسطو ودوستويفسكي لا تُعجِزه الهمّة عن الوصول إلى هذا المستوى الفني الرفيع، فما الذي أثار عجبكِ إلا أنك في أعماقك تنظرين إليها بشيء من التشكك ؟
مسكتُ كتفيها وأنا أهزّهما بحرارة وقلت :
ــ أنت فنانة رائعة جداً !
أحْنت رأسها بخجل، لكنها فجأة أخذت تكركر في الضحك، وابتعدت عني وهي تقول :
ــ كنتِ ستجديني أكثر فنّاً وروعة لو أصبحتُ كاهنة في المعبد البوذي كما أرادني أبي، حتماً كنت سأكرِّس مهاراتي لالْتهام الطعام الطيب ههههه الذي يقدمه البسطاء يومياً لآلهة حجرية لا تفْقه شيئاً هاهاهاها
ثم أخذت تمثّل أمامي :
ــ تصوّريني وقد حلقتُ شعري الجميل هذا، ولبستُ جلباباً حريرياً، وجلستُ بوقار أبخِّر أمام التماثيل، حامِلة مسْبحة أتمتم بها وأمارات الثقل على وجهي، أرفع حاجباً وأخفض آخر وقد أذبلْتُ جفنيّ وقوّستُ زاويتَيْ فمي للأسفل ههههههه .. لا لا .. هذا كثير .. أكاد أبكي وأنا أتصوّر حالي هكذا .. هه !! أرادني أبي أن أقضي حياتي في التكشير، ومع المَصْعوقين من صدمات الدنيا .. انظري إليهم كيف يهروِلون إلى شركات التأمين على الحياة .. ثم يهْرعون إلى المعابد لشراء صكوك الأمان من سوق الدين متشفِّعين بكرامات الأولّين ! سلوكيات ببغائية .. أي تجارة مربحة هذه ؛ التجارة بالطمأنينة ! إنها تجعل العصفور صقراً !
اقترب وجهها مني وأردفت بتهكّم :
ــ مهنة تحمل شبهة الاستعلاء لمنْ يملك المال ليحصل على الخدمات المقدسة المميزة.
ــ الحق معك .. هل نشرب القهوة ؟
ــ ولا تنسي أيضاً أنها مهنة تحمل أولاً شبْهة التكسُّب لرجال الدين، الذين يغذّون القلق وتوقّع الشر مع كل خطوة .. هذا يمتصّ البهجة من الحياة.

مينامي جريئة، تعترض على مهنة أبيها كاهن المعبد ببساطة، وعلى منظومة ثقافية تراثية، تعبّر عن الانتماء للوطن وتشكل أسلوب حياةٍ لليابانيين !

ــ هل تفضّلين القهوة قبل الغداء أو بعده ؟
ــ أختي .. هل سمعتِ بالمسؤول الحكومي الذي انتحر من شهرين لأنه قَبِل رشوة ؟ إنه لم يفعل أكثر مما تفعله الآلهة، لو كنتُ مكانه لأعلنت حملة أرفع فيها شعاراً : حاسبوا الآلهة ~ المرتشِية ~ أولاً ~
ــ مينامي .. ما بكِ ؟ صوتك يضطرب.
ــ ببضع عبارات مقدسة ~ مع حفنة من المال سيمرّر الإلاه .. صفقتك مع القدر ~ لكن هذا الإلاه نفسه ... هذا الإ.. لاه ~ نف .. سه ~ هذا .. الإ .. ل ~~
اهتزّ صوت مينامي، وأخذتْ عضلات وجهها ترتجف، وشفتها ترتعش، وكلماتها ترتعد، ثم انهمرتْ دموعها غزيرة وشهقاتها تقطع صوتها :
ــ هذا ال ..إلاه .. مع .. كل .. قوته عَجِز .. عن أنْ يمنّ بالشفاء .. على طفلتي ال .. مريضة .. ابنة السنواااات الأربع .. ورغم كل .. صلوات أبي .. مااا~~ تتْ .. ماتت ابنتي في سنة .. وزوجي المسكين .. في السنة التالية ..
!!! ؟؟
نظرت في وجهي بعينين حمراوين وتابعتْ :
ــ مع أن زوجي .. كان .. خادماً صادقاً مطيعاً للإلاه .. وقدّم في المعبد .. قبل موته .. نَذْراً ورجاء بالحياة مدفوع الأجرة !! .. ثم سقط .. بعد يومَين فقط من فوق .. سِقالات البناء .. فنزل جثة هامدة
........
قرفصتْ مينامي ووضعتْ يديها على وجهها تبكي زوجها وطفلتها بحرارة وبصوت عالٍ حتى عَدَتْني، وأنا في حالة من الذهول لهذا الحديث المفاجئ . ظننتُ أن أهيّء لها يوماً ممتعاً، فانقلب إلى حزن وبكاء . اِنْتظِريها حتى تهدأ قليلاً، فلن تنفع أية وسيلة معكِ لإخراج المسكينة من هذه الحالة الصعبة الآن.
بلى !!! هناك ما سيُخرِجها من حالتها هذه، ترَقَّبي العرْض القادم واسْتعدّي له !

فجأة .. أطلقتْ مينامي ريحاً عظيمة من بطنها، سمعَتْها حتى الجدران الصمّاء .. وهربتْ من فرقعتها العصافير.. فانتفضتْ واقفة واضعة يديها على مؤخرتها وسألتني :
ــ هل سمعتِ شيئاً ؟
قلتُ لها ضاحكة باكية معها :
ــ هل تقصدين زقزقة العصافير ؟؟
أجلسْتُها على الأريكة، فأسندتْ رأسها إلى كتفي فقبّلتُ إكليل الشمس المنعكِس على هامتها، أردفتْ بمرارة :
ــ كانت صدمة رهيبة وفاة زوجي بتلك الصورة المأساوية بعد ابنتي مباشرة، ومنذ ذلك الحين وأنا أتردد شهرياً على مستشفى الأمراض النفسية والعصبية . كيف تريني ؟ مجنونة أم مهبولة ؟
ــ مينامي يا صديقتي : الصدمة الشديدة أضعفتْ قواكِ النفسية . والصدمات من طبيعتها أنها تراوِغنا لتُذهِلنا عن الحياة، فتشْفط البريق من عقولنا، فلا توْسِعي لها قلبك . كل خروج على مصيبة بإرادتنا هو مراوَغة للزمن الذي يسرق أعمارنا، ونقطة انتصار تسجّلينها للحياة.

وقفتُ استعداداً لتغيير مجرى الكلام، فوقفت معي، فلم أجد طريقة أعبّر فيها عن تعاطفي معها سوى أن أعانقها، مع علمي أن الياباني يأنف من العناق .. ثم ابتعدتُ عنها وقلت :
ــ أشعر أني اغتنَيْتُ بصداقتك الصافية . جميل أن يلتقي الإنسان بأخٍ ليس من لحمه ودمه في مجتمع غريب.
فألقت مينامي عليّ نظرة رقيقة، ثم أحنتْ رأسها بخجل وهي تفرك يديها وقالت :
ــ اسمعي .. سأكون صريحة معك . قد لا تحْلو لك صداقتي، فالتقشّف في المظاهر يريحني، أعيش في عزلة، بعيدة عن عالم لا أفهم إفراطه في التقيّد بالمجاملات، ولا أستوعب مبالغة السيدات في المداهنة، وأرفض الانسياق مع عادات رسمَها المجتمع بالسنْتمتر ويحاسبني إن خالفتُها بالملّمتر . أنا سعيدة أنك استحسنْتِ صداقتي، وعناقك أخجلني، لكنه أشْعرني أني يمكن أن أكون محبوبة من الناس الأسوياء . أشكركِ.

أسوياء ؟!!
أووف .. من قصة إلى قصة . هل ستحدّثين مينامي عن الشكّة المفاجئة التي أصابتْ قلبكِ من كلمتها هذه فيطول الكلام إلى الغد ؟ إذا فعلتِ .. فأحْسنَ الله عزاءكِ في سلطة التبولة والقهوة والطعام الذي سيحترق على النار !
هذه كلمة من متاع الحياة الغليظ، الذي يجب ألا تمرّي عليها دون أن يطرف لعيْن ضميركِ جفن . انْظري .. رأسها مُطرِق، لعله خجلٌ سبّبتِه لها مِن حَرَج العناق غير المتوقَّع لها .. أو من كدَرٍ عبّرتْ عنه بكلمة ( أسوياء ) . اِرْفعي رأسها بأحد موقفين .. فأيّهما ستختارين ؟ ترفعينه بالقهوة والتبولة ويا دار ما دخلك شرّ، أمْ بالمعوجّين والأسْوياء ؟

صِحْتُ بانزعاج :
ــ الأسوياء في الحياة ! المعوَجّون في الحياة ! هه .. منْ في الجارات تملك كمال العقل لتقرّر بحقّ أيّنا السويّ وأيّنا المعوجّ ؟! أليس من حقّك أن يكون المستقيم لدى السيدات أعْوج عندك، أو أن يكون النشاز لديهن سوياً عندك ؟ هيا هيا ~ ارفعي عنكِ حرج الزيارة الأولى، وتعالي ساعديني في تحضير القهوة والسلطة.

رفعتْ مينامي رأسها أخيراً .. ثم سارعتْ إلى حقيبتها تخرِج منها مشبكاً عقصت به شعرها ومنديلاً أحاطتْ به رأسها.
قد هيّأتْ نفسها لهذه المهمة ! حسناً فعلتُ .. لو لم أطلب مساعدتها لركبها الحرج.

كانت تتحرك في المطبخ كالنحلة، وعِقْدها الطويل المعدني يلتفّ مع كل حركة منها، تارةً يخبط من ثقله طرف الطاولة، وتارة يتأرجح فوق صحن السلطة . فوجدت أن أشغِلها بتحضير لوازم القهوة.
التفتتْ لتنفّذ المهمّة، فإذا بها تهتف بي لمساعدتها في نزْع عقدها الذي علق بين ضلعَيْ باب الخزانة، ولما استعْصى عليّ فكّه، وجدتها تشدّه وتقطعه، فتتناثر حباته ! وبين دهشتي وضحكتها قالت :
ــ فرصة جيدة لترافقيني إلى مخزن ( وانْ دولار شوب ) الجديد ؛ بناء ضخم، تجدين فيه كل ما يحتاج إليه الإنسان والحيوان والنبات، أي حاجة بدولار واحد فقط.
ثم جمعتْ ما وقع وأودعته في حقيبتها.
جلسنا نشرب القهوة .. ولما سألتها إن كان المذاق قد أعجبها، ردّت بأن ألَمها من القرطين لا يسمح لها بالاستمتاع، فنزعتْهما، ثم فكّت حزامها، ونفختْ بارتياح قائلة :
ــ هذا أجمل يوم في حياتي، صديقة عزيزة، وقهوة منعشة، وينتظرنا طعام لذيذ، بعد كل هذه النِعَم ألا تصبح قراءة أرسطو شيئاً ممتعاً ؟
تركتُها تشرب القهوة باسمتاع وقمت لتحضير المائدة، فسارعت مينامي وخلعت قميصها الأصفر، وارتدَتْ مريولاً كالفستان، وشلحتْ تنورتها الضيقة من تحته وهي تخاطب نفسها : العقل السليم في البطن السليم !

نصف ساعة فقط .. كانت مدة ظهور قوس قزح .. ثم عادت مينامي لا غيرها، تلك التي عرفتُها في اللقاءَين السابقين ؛ عاشقة أرسطو وفولتير !!!

وأنا في انشغالي بتحضير سلطة التبّولة، كنت أنصرف بدون قصد عن نصائحها البيتية، فأعرض عنها للإشراف على الطعام، فتلتفّ معي لتستقبلني وتتابع حديثها، عيْن على يديّ، وعيون عشرة عشرة في وجهي، فإذا شردتُ قليلاً كانت تعيد النصيحة من أولها، وهي تنكزني في كتفي بطرف إصبعها لأتنبّه لكلامها.
وما أدري إلا وهي تطرح سؤالاً تمتحنني فيه، فعجزتُ عن الجواب ! وأشفقتُ أن يغلبها تداعي الأفكار كعادتها، فتوقفتُ عن العمل وقلت لها :
ــ اسْمعي .. جاء دوري لأمْتحنك، هيّئي لنا قهوة ما بعد الطعام، ولن أشير عليك بحرف واحد . فكِّري بالخطوات بهدوء لنتناول قهوة ممتازة من صنع يديك.
ابتسم قلبي وأنا أراها ترفع وجهها وتغمض عينيها بعصبية، وهي تحرك سبابتها في الهواء إشارة إلى ترتيب خطوات تحضير القهوة.

طمأنني إقبال مينامي بشهية على الكبّة ؛ الهامبورجر العربية كما سمّتْها، وعلى محشي الباذنجان والكوسا، وسلطة التبّولة، مما عزّز شعوري بأني نجحتُ في إسعادها . ولما اقترب موعد عودة ابنها من المدرسة، استأذنتني بالعودة.

مشتْ خطوتين تجاه باب الخروج وأنا خلفها، ثم عادت مترددة، فسألتها إن نسيت حاجة، لكنها غمغمت وتابعت طريقها إلى الخروج، ثم وقفتْ واستدارتْ، فأعدتُ السؤال لكنها هزت رأسها صامتة وتابعت طريقها . أخيراً أفصحتْ :
ــ أخجل أن أطلب منك قطعة من الهامبورجر العربية لابني.
فقلت لها :
ــ ستجدين كيساً فوق الطاولة عند مدخل البيت، فيه من كل نوع من طعام اليوم ما يكفي لعشائكما.
نظرت إلي مينامي نظرة طويلة عميقة، ثم تداركتْ صمتها بابتسامة من عينيها، فاحتويْتُها من جهتي بابتسامة أوسع، لتردّ بضحكةٍ صامتة مشرقة.
كانت ابتسامتها كضوءٍ مُسالمٍ للشمس في أول ظهورها، ثم لا يلبث أن يشتد، ويغمر وجه الكون.

يتبع

*1 سلام عليك .. يا ابنة بوذا وحفيدة آلهة الشمس
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=525704

الرجاء من القارئ الكريم، إدخال العبارة أدناه في خانة البحث في غوغل ، وهي تعني (صور ورد فوجي) لمشاهدة الصور الرائعة . وشكراً
フジ 花 の 写真

http://image.search.yahoo.co.jp/search?rkf=2&ei=UTF-8&gdr=1&p=%3DIKEBANA