البرلمان العراقي يُكشر عن أنيابه: على من سيأتي الدور بعد زيباري والعبيدي؟

ناجح العبيدي
2016 / 9 / 21

البرلمان العراقي يكشر عن أنيابه: على من سيأتي الدور بعد زيباري والعبيدي؟
زلزال جديد يهز المشهد السياسي العراقي بعد إقدام مجلس النواب على إقالة وزير المالية هوشيار زيباري. وتأتي الخطوة المثيرة الجديدة بعد أسابيع قليلة من قرار مماثل كان ضحيته وزير الدفاع السابق خالد العبيدي. وفي كلتا الحالتين رافقت عملية سحب الثقة مشاهد غير مألوفة في الحياة السياسية العراقية ما بعد 2003. وإذا كان وزير الدفاع المقال العبيدي قد اثار زوبعة كبيرة بسبب اتهامات الفساد الخطيرة التي وجهها أثناء استجوابه الى رئيس البرلمان سليم الجبوري ، فإن جلسة إقالة هوشيار زيباري كانت أيضا مليئة بالصراعات والمناورات المستترة والعلنية لإنقاذ وزير المالية من مصيره المحتوم. بل ولم تكن أقل إثارةٍ من جلسة استجوابه التي تضمنت طرح العديد من الأسئلة المحرجة له على خلفية "شبهات فساد"، وشهدت أيضا مشاهد عراك بالأيدي وبـ"أسلحة أخرى" بين ممثلي الشعب من الرجال والنساء. غير أن الفرق بين القضيتين واضح وبيّن. هذه المرة يتجرأ البرلمان على الإطاحة بوزير مخضرم من "العيار الثقيل" تبوأ في كل الحكومات السابقة مواقع بارزة. وهو في نفس الوقت قيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني، والأهم من ذلك أنه خال الزعيم الكردي مسعود برزاني. وبغض النظر عن صحة الاتهامات بحق زيباري، إلا أنه يجب القول بإن وزير المالية المقال أدار الوضع المالي الصعب للعراق في السنتين الأخيرتين بكفاءة مقبولة في ظل أزمة سيولة خانقة نتيجة انهيار أسعار النفط. وقد ساهم على الأقل في تأمين موارد مالية خارجية هامة حالت دون إفلاس الدولة العراقية. ولعل من أهم نجاحاته هو توقيع اتفاقيات قروض بالمليارات وبشروط ميسرة مع صندوق النقد الدولي والولايات المتحدة الأمريكية ودول غربية أخرى. غير أن كل ذلك لم يشفع له بعد أن قرر مجلس النواب بأن إجاباته على الأسئلة أثناء الاستجواب لم تكن مقنعة. صحيح أن الفساد المالي وباء ينخر في جسد الدولة العراقية برمته، ولكن يصعب تحميل وزارة المالية المسؤولية وحدها.
ومهما كانت الدوافع وراء حماس أغلبية النواب في الإطاحة بالوزيرين، فهي تثير تساؤلات عن دور مجلس النواب الذي يبدو وكأنه يحيد عن الدور المرسوم له ويتمرد على صفقات المحاصصة التي تتحكم عادة بسير العملية السياسية وبتوزيع المناصب في العراق. وقد ظهرت بوادر هذا التمرد قبل خمسة أشهر عندما صوت نواب كثيرون على إقالة رئيس البرلمان الجبوري في جلسة عاصفة وغير مألوفة في العمل البرلماني العراقي. وعلى الرغم من قرار المحكمة الاتحادية باعتبار الجلسة غير قانونية، إلا أن ملابسات قضية الجبوري أثمرت عن تغيير خارطة التوازنات نتيجة نشوء تكتل جديد هو جبهة الإصلاح. صحيح أن هذه الكتلة الجديدة لا تزال هلامية وتضم أيضا أعضاء ذي توجهات مختلفة ومثيرين للجدل، إلا أنها تلعب دورا غير مألوف في الحياة السياسية، الأمر الذي ساهم على الأقل في إضفاء عنصر "الإثارة" و"التشويق" على العمل البرلماني . وهذا ما ظهر أيضا في استجواب وزير الدفاع والمالية والذي جاء بمبادرة من أعضاء في جبهة الإصلاح. وبالتأكيد فإن أعضاء الجبهة صوتوا بالأغلبية مع قرار الإقالة الأمر الذي يعكس تغييرا في توازن القوى داخل البرلمان.
وتعتبر إقالة وزيري الدفاع والمالية حدثا غير مسبوق في تاريخ العمل البرلماني بعد 2003. فلأول مرة تتم الإطاحة بوزيرين عبر تصويت أعضاء مجلس النواب بعيدا عن تفاهمات المحاصصة والمساومات الطائفية والمذهبية والقومية المعتادة في العراق. وبالتأكيد فإن ذلك سيشجع أعضاء جبهة الإصلاح على محاولة تكرار التجربة مع وزراء آخرين. ومع ان اتهامات الفساد تطال أيضا نوابا في الجبهة التي تضم أيضا أسماء معروفة بتقلباتها وتحالفاتها المشبوهة ، إلا أنه من المؤكد أن الوزراء بدأوا يشعرون بالخوف من البرلمان. ومن المرجح أيضا أن مشاعر الخوف بدأت تنتاب أيضا قادة الكتل الذين يخشون من فقدان السيطرة على نوابهم.
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: ما هو موقف رئيس الوزراء حيدر العبادي من كل ذلك؟ من الواضح أن العبادي كان متمسكا بالوزيرين المقالين لأسباب كثيرة، منها حراجة الوضع العسكري والمالي في البلاد وصعوبة التوصل لاتفاق على بديل. وهو ما يتطلب عادة تفاهمات معقدة ويستغرق فترة طويلة. ولكن يجب القول أيضا بإن إقالة وزراء من قبل البرلمان تعتبر عموما جزءً من العملية الديمقراطية وتأكيدا للدور الرقابي لمجلس النواب على أداء الحكومة. وفي نهاية المطاف فإن أي مسؤول يمكن الاستغناء عنه والمجيء ببديل له.
غير أن ملابسات استجواب الوزيرين تثير أيضا تساؤلات عن الدور الذي يقوم به رئيس الوزراء السابق نوري المالكي خلف الكواليس. فهل يعد المالكي نفسه للعودة إلى معقد رئاسة الحكومة وكيل الصاع صاعين لرفيقه في حزب الدعوة وغريمه حيدر العبادي الذي انقلب عليه بعد الانتخابات السابقة وتحالف مع الرؤوس الكبيرة في الكتل السياسية المتنفذة من أجل الحيلولة دون حصول المالكي على ولاية ثالثة؟
وبغض النظر عن الملابسات والتفاصيل يبدو أن عصر الصفقات والمساومات الشاملة في توزيع المناصب بين الكتل السياسية يوشك على الانتهاء وأن مجلس النواب يسعى لاستعادة صلاحياته. وبالتأكيد فإن التوجه الجديد ينطوي أيضا على مخاطر كثيرة في ظل التشظي الخطير في المشهد السياسي العراقي، ولكن وجود برلمان يمارس صلاحياته يعد شرطا لا غنى عنه لتطور الحياة الديمقراطية.


21 أيلول/سبتمبر 2016