مَن أسّس دولة الطائفية والمحاصصة والفساد؟

ضياء الشكرجي
2016 / 9 / 19


أجد الكثيرين عندما يتحدثون عن الدولة الفاشلة، دولة الطائفية السياسية، دولة هيمنة أحزاب الإسلام السياسي، دولة المحاصصة الطائفية والعرقية والحزبية، دولة المكونات بدلا من المواطنة، دولة الفساد المالي وسرقة المال العام، وعندما يتحدثون عن سياسات الأحزاب المتنفذة، سواء الأحزاب الشيسعلاموية، أو أحزاب الطائفية السنية، أو الأحزاب القومية الكردية، وعندما يتحدثون عن القادة السياسيين، وعن بعدهم عن مبادئ الديمقراطية، ومفهوم الدولة الحديثة، والمديرين ظهورهم لمصالح الوطن والمواطن، والمنفذين لأجندات غير عراقية، سواء كانت إيرانية، أو سعودية، أو تركية، أو قطرية، أو أمريكية. ينسبون كل ذلك إلى أمريكا. هذه الأحزاب جاءت – كما يعبرون - على الدبابات الأمريكية، أمريكا هي التي أوجدت النزعة الطائفية، لتحدث شرخا في المجتمع العراقي، تطبقيا لمبدأ «فَرِّقْ تَسُدْ».
لست مدافعا عن أمريكا، لكني ضد الاستغراق في نظرية المؤامرة، بحيث لو أصيبت عمتي بجلطة قلبية أو دماغية، أو إذا ارتفع منسوب السكر عند خالتي، أو طلق أبي أمي، أو تشاجر جاراي، أو حصل حادث مروري أودى بحياة صديقي، حمّلت مسؤولية كل ذلك وغيره الإمپريالية والصهيونية والماسونية. لكن دون أن أنفي أن مصالح بعض الدول هي التي تحدد سياساتها، ولو على حساب مصالح دول أو شعوب أخرى. لكن أن تتحول المؤامرة إلى حالة من الهلوسة، كهلوسة علامات ظهور الحجة، أو غيرها، فهذا ما لا أتفاعل معه.
ولست منكرا إن أمريكا قد ارتكبت أخطاءً شنيعة في العراق، دفعنا ثمنها غاليا. فأنا لا أدعي إن أمريكا عبارة عن جمعية خيرية، تفعل الخير للشعوب بلا مقابل، وتُؤْثر مصالح الشعوب على مصالحها، لكني لا أتفاعل مع تصوير أمريكا شرا محضا، وشيطانا أكبر، أو قوة عظمى وحشية، لا ترتاح إلا بتدمير الشعوب، وإراقة دمائها، ونهب ثرواتها. ولست مهتما أيضا بتبرئة أمريكا، ولا بإدانتها.
ماذا أريد إذن من مقالتي هذه؟ دعونا بكل هدوء وموضوعية وتجرد، نتصور سقوط النظام الديكتاتوري البعثي الصدامي بطريقة أخرى، أي ليس بواسطة الحرب الأمريكية. لو كان قد سقط النظام جراء ثورة شعبية، سواء ما سمي بانتفاضة 1991 أو انتفاضة آذار، ولا أسميها بالانتفاضة الشعبانية. لو كان قد سقط النظام على يد النظام الإيراني أثناء حرب الثماني سنوات. لو كان سقط النظام عن طريق انقلاب عسكري، ثم سمح للقوى السياسية التي حظر نشاطها النظام المقبور أن تنشط وتمارس نشاطها السياسي. أي قوى سياسية فاعلة ومؤثرة كنا سنرى، وأي سياسة كانت قد انتهجت هذه القوى.
ما كنا سنرى في المقدمة إلا حزب الدعوة الإسلامية، والمجلس الأعلى، والتيار الصدري، والحزب الإسلامي العراقي (الإخوان العراقيون)، والحزبان الكرديان الديمقراطي الكردستاني والوطني الكردستاني، والبعثيين المتلبسين بلباس جديد، والقوى السنية الطائفية، وغيرها. هي إذن نفس الأحزاب المتنفذة التي ظهرت بعد 2003، ولم تؤسس هذه الأحزاب في كواليس المخابرات الأمريكية، بل منها ما أسس في النجف (الدعوة)، ومنها ما أسس في طهران (المجلس)، ومنها ما أسس في الكوفة (التيار الصدري على يد محمد الصدر والد مقتدى)، ومنها ما كانت بداياته في القاهرة (الإخوان)، ومنها ما نشأ في جبال كردستان.
أي سياسة كانت هذه الأحزاب ستنتهج، وأي دولة كانت ستؤسس. الأحزاب الشيعسلاموية لم يكن في رأسها غير تأسيس نظام حكم، تكون حصة الأسد فيه للشيعة، تعويضا عن حرمان ومظلومية الأربعة عشر قرنا، كما يصورون لأنفسهم، وبعدما تخلوا مرغمين عن مشروع الجمهورية الإسلامية، الذي كانوا يتطلعون إليه في الثمانينات، ورأوا أنفسهم مرغمين على القبول بالديمقراطية (كآليات حكم فقط، دون الالتزام بجوهر الديمقراطية)؛ كانوا كما فعلوا بعد 2003 سيفسرون الديمقراطية على أنها حكم الأكثرية، وبما أنهم لا يفهون الأكثرية بأنها تعني الأكثرية السياسية، بل ما سمي بالأكثرية المكوناتية، فكانوا سيرون أن من البديهي أن يكون الحكم للشيعة في العراق، وبما أن الأحزاب الشيعية هي على الأعم الأغلب أحزاب إسلامية، ولذا أسميها بالشيعسلاموية، فحكم الشيعة للعراق، كان سيعني، كما حصل بعد 2003، حكم قوى الإسلام السياسي الشيعية بالدرجة الأولى. نعم لأن السنة لا يشكلون أقلية ضئيلة، بل نسبة يعتد بها ومؤثرة، كانوا سيرون من غير الممكن انفرادهم بحكم العراق، بل كانوا سيشركون السنة مِنَّة وتفضُّلاً منهم عليهم، وبكل تأكيد كانوا سيشركون حلفائهم (الاستراتيجيين) من الأحزاب الكردية، ومن هنا كانت ستنشأ دولة المكونات، وكنتيجة حتمية دولة المحاصصة، تماا كما حصل بعد 2003.
وكون القيادات السياسية هذه بعيدة كل البعد عن مبادئ الديمقراطية، وعن مصالح الشعب، ومهتمة بالدرجة الأولى بنفوذها وثروتها، وكونها سقطت أخلاقيا، وبالنسبة للمتدينين، فقد سقطوا أيضا دينيا وتقوائيا، عندما سال لعابهم أمام الملايين، ثم عشرات الملايين، ثم مئات الملايين، ثم المليارات، ثم عشرات المليارات، ثم مئات المليارات، فيقال لهم، هل اكتفيتم، فيقولون: هل من مزيد، كما تنبأ لهم محمد باقر الصدر في محاضرته «حب الله وحب الدنیا»، عندما سألهم وهو يتحدث بمناسبة وفاة موسى الكاظم «هل أوتينا يا ترى دنيا هارون الرشيد، كي لا نسجن موسى الكاظم؟»؛ هذا السقوط الأخلاقي، لم يتأت من خلال ڤايروسات حقنتها أمريكا فيهم، فنسوا وطنيتهم وتدينهم ومبادئهم، بل هو سقوط أخلاقي كان سيحدث، سواء كان لأمريكا وجود، وسواء لم يكن في العالم دولة اسمها «الولايات المتحدة الأمريكية».
علماء الدين المتخلفون من شيعة وسنة منا، ولم تُصدِّرهم واشنطن إلينا. الطائفية السياسية سلعة أحزابنا، وليست صناعة أمريكية، داعش تستند إلى تراث (مقدس) ينتمي إلى هذه المنطقة، بقرآنه وسنته وفقهه، ولو على وجه من أوجهه، وهو حمّال أوجه، كما عبر علي، وكل هذا لم تجر صياغته في الغرف المغلقة للـ CIA.
الكثيرون يقولون إن أمريكا جاءت إلينا بدستور 2005. لا يا أعزائي، المواد التي كانت في قانون إدارة الدولة، الذي وضع بإشراف أمريكي، كان أقل سوءً بكثير من الدستور الذي صاغته لجنة كتابة الدستور المنبثقة من الجمعية الوطنية المنتخبة (ديمقراطيا) حسب مطالب المرجعية، للمرحلة الموقتة عام 2005. بالله عليكم أي النصين أخطر على مبادئ الديمقراطية: «لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت الإسلام المجمع عليها» الذي جاء في قانون إدارة الدولة (الأمريكي)، أم «لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام» بإضافة «أحكام»، بمعنى فقه الفقهاء، وبحذف «المجمع عليها»؟ كل اللمسات الإسلامية والشيعية جاءت عبر إصرار من اللاعبين الأساسيين في صياغة دستور 2005، وهم على وجه التحديد، وبعلم مباشر ومعايشة مني، ذكرتها في كتابي «ربع قرن من عمري مع الإسلام السياسي»؛ كانوا أي هؤلاء اللاعبون الأساسيون هم (عبد العزيز الحكيم، همام حمودي، أحمد الصافي، عبد الهادي الحكيم، محمد رضا السيستاني). فأين هو الدور الأمريكي؟ ربما هناك لعب يجري فيما وراء الكواليس، لم يكن بمقدور مثلي يومئذ الاطلاع عليه، لأنهم كانوا لا يأتمنوني، ويبعدونني عما يجري في الخفاء، لما لمسوا مني من نزعة علمانية، رغم إسلاميتي آنذاك، ولاعتراضي على ومعارضي لكل ما كان فيه مبالغة في إضفاء الصبغتين الإسلامية والشيعية على الدستور، ولتضامني مع الكرد في إدراج حق تقرير المصير.
حتى مع فرض إن أمريكا كانت وراء الكثير من مساوئ نظام ما بعد 2003، لا يمكن لأي دولة أن تمرر أجندتها وخططها ومؤامراتها، ما لم تجد منفذين لكل ذلك، لتخرجه إخراجا وطنيا، إذن على فرض وجود المؤامرة، فمنفذوها سياسيون عراقيون، وأحزاب عراقية، ومرجعيات دينية عراقية.
وساختنا منا، طائفيتنا السياسية منا، إسلامنا السياسي منا، محاصصتنا منا، فسادنا منا، سقوطنا القيمي والأخلاقي منا، أميتنا منا، عصبياتنا منا، مزايداتنا بالدين والمذهب والقومية منا، دعوى تمثيل استحقاقات هذا وذاك المكون منا، لاديمقراطيتنا منا، لافهمنا منا، لاوطنيتنا منا، لاإحساسنا بالفقراء والمحرومين من شعبنا منا. ولا أعني بهذه الـ«نا» نفسي والقارئ الكريم، وإنما هي «نا» أو «نحن» مجازية، كون الذين أقصدهم هم (منا)، هم عراقيون، وليسوا مستوردين. أليس كذلك؟
وفي كل شعب ترى الطيب والخبيث، المخلص والخائن، النافع والضار، المتنور والظلامي، ومن سوء حظ العراق، أن الذي يحكموننا هم من السيئين منا، ولكنهم حكمونا ديمقراطيا، فنحن (أيضا «نحن» المجازية وغير التعميمية)؛ نحن الذين انتخبناهم، حكمونا ديمقراطيا، عندما شُوِّهَ معنى الديمقراطية، واختُزِلَ بالانتخابات، وعندما هبط مستوى الوعي الانتخابي، والوعي الديمقراطي عند الأكثرية، وعندما استُبدِلَ معنى الأكثرية السياسية بالأكثرية الطائفية، فأصبح «من البديهي أن يكون رئيس الوزراء في العراق شيعيا»، كما قال مرة داهية السياسة، وفلتة زمانه نوري المالكي، وعندما استبدلت التعددية السياسية، بالتعددية الطائفية والعرقية، وعندما استبدلت دولة المواطنة بدولة المكونات.
وسنبقى نتطلع للمستقبل، ونعمل من أجله، لترى أجيال قادمة، دولة تكرم الإنسان، وتطلق الحريات، وترعى الحقوق، ولا تبحث عن دين ومذهب وقومية وأصل المواطن، عندما تكون خادمة له، كمواطن ليس إلا، كإنسان ليس إلا، تتساوى فيها، أي في الدولة المُتطلَّع إليها، المرأة مع الرجل، غير المسلم مع المسلم، فيبقى الدين والمذهب، الإيمان وعدم الإيمان، الدين والدين المغاير واللادين، التدين واللاتدين، يبقى كل ذلك شأنا شخصيا، ترعى الدولة حريته، ولا تسمح بإقحامه في الشأن العام.
19/09/2016