حدود الأنتنا: ماذا عن وجود الآخر؟

سامي عبد العال
2016 / 9 / 17

هناك قضية مهمة: كيف ننظر إلى الآخر؟ هل هو المختلف بمبرر الاقصاء؟ وبالتالي ينفصل حدياً كطرف يناوئنا من مكان ما. أم هو المتماثل إلى درجة الهوية الساذجة؟ وعليه نخضع لقوالب التنميط والقطيع. اثيرت القضية إزاء ثنائية الشرق والغرب بمقدار ما تناثرت اشلاؤها المعرفية والدينية والسياسية داخل محيطها الاجتماعي الأضيق. المعالجة هنا ليست راصدة لظواهر طارئة. إنها تحلل "المبدأ الوجودي" الذي يؤسس فلسفياً العلاقة- أو هكذا يجب- بين الذوات. تحفرها عن بكرة أبيها موضحةً تراكمها المخالف لطبيعتها الأولية.
ربما أبرز ما يميز الإنسان هذا التعدد الصاخب الذي يتردد في كيانه. فهو لا يقف داخل نفسه وحيداً على نحو مغلق. إنَّه يضم أزمنة وأناساً وموجودات وعوالم. كأنه جرابٌ لحاوٍ أعوزته الحيل لجميع الأدوار. من ثم لا يوجد الأنا متفرداً في برج عاجي مفارق. دوماً يأتي ملاصقاً لوجود الأنت وعبر تحولاته. هذا الآخر المتخيل، الواقعي، الرمزي، الافتراضي، الوهمي. فالأنت يقع تشكيلياً ضمن أعماقنا من جانبٍ ولا يقف عن تحولاته المتواصلة من جانب آخر. وبذلك نكتشف أنَّ كياننا الذي يبدو خالصاً هو: أنا ولا أنا بالوقت نفسه. أي: الأنتنا ( الأنت- أنا ) إذ يصعب تخليصه من التغير والتباين والترحال والجدل بكافة طاقاته.
والمفارقة السابقة للأنا ستظل عصية على الحل. ولا يمكن التفرقة بين عناصرها. بل يستحيل اختزالها أيضاً. لأنها في حالة فيض وطفر بما لا ينتهي. ربما هي النقطة الدلالية الأخصب في تاريخ الثقافات. لكونها توفر فائض المعنى للأفعال والأحداث. هكذا يصبح الحب، الصراع، الحرب، الأيديولوجيا، السلطة في وضع قابل للتبرير. وما لم تكن علاقات كهذه متوترةً ما لكان لأبنية اللغة أن تحتل مكاناً حيوياً خلال أوضاعها الإنسانية. كل عمل بشري لا يخلو من هذا الفائض. ولهذا كانت الثقافة إجمالاً بمثابة الدلالات المضافة إلى العالم الغُفل.
حقاً تستمد الأشياء في حياة الإنسان أهميتها خلال المفارقة السالفة. بل قد تكون مسيرة الإنسان بلا مضمون إذا تم ابطال آثارها. حتى الموت فوحده يعني انفصالاً مؤقتاً وعبر أحد مستوياتها على الأقل. نحن نقول عادة إذا غاب الجسد بقيت الروح عالقة بالأحباء والأعداء. كما أنَّ تلك المفارقة شرط تأسيس الذاكرة. فلكي تتذكر معناه أنْ تتحدث، أو تصمت. لكن ما هو الوضع الكافي لهذين العملين؟ إنه وضع الأنت كأنه الأنا. واحتمالات هذا الوضع لا تعبر عن التشابه عادة.
فالآخر قد يعتبر جحيماً كما يقول سارتر. فإذا كنت لا تستطيع التفكير إلاَّ بموجبه فإنك تواكب ما يفعله شراً أو خيراً. لا بشكل خارجي بعيد عنك إنما كيف سيجري أثره لتكون أنت. وهو بذلك سيضعك على جانب من مرمى نفسك. وبالتالي يتمكن من إخراجك عنوة وتحت انكشاف اللغة الذي يعري حاشيتك. وهنا المعضلة التي يستحيل فك خيوطها بسهولة. لقد نشأت من ذلك المزق الداخلي كل سلطة برانية تراقب الجميع ضد الجميع بعبارات هوبز. فالدولة والنظام الاجتماعي لهما اسرارهما التي تكمن ضمن تلك النقطة بالتحديد.
وبالتالي تتجدد المعادلة الرياضية الوجودية: الأنت- أنا. تلك التي تكون طرفي المتصل المتناقض اجتماعياً وسياسياً. فمهما كانت تجلياتها هل ثمة استدعاء لأحدهما بخلاف الآخر؟ إنهما - في الحقيقة – غياب وحضور معاً دونما مباعدة. وهذا الآخر، الغير، البعيد، القريب هو الأساس الأنطولوجي لوجودي. ليست المسألة هنا تأسيس معرفي فقط لكنها ذات جذور ماهوية. ومعها جميع أشكال الحياة الإنسانية. لأن الكيان النفسي والجسمي لأي أنا يتشكل حياتياً بواسطة الأنت. ويصح العكس بالطبع. ولئن كانت التوزيعات الاجتماعية تفرق بين الأناوات، فتمثل خريطة على خلفية كل أنت محتمل. هكذا تتبلور أبعاد العائلة والأبناء والقبيلة والمجال الاجتماعي العام.
الأنتنا هو المركب الفينومينولوجي لحركة الإنسان مع الآخرين. فالوحدة الكلية تكاد تنعدم التأثير إذا كانت خارج المكان والزمان. لأنه لا يوجد المركب منهما على طريقة هيجل إلا ويعود فيضعهما في محل تساؤل عملي. ولا يتركهما من غير محاولة وضعهما في إطار ثقافي ما. فالعلاقة الحوارية المنعكسة تتجلى في الخطاب والرموز والعلامات. إنها الكرنفال الصراعي المنسجم بين عناصر المجتمع وأنسجته.
ومهما بدت غير ذلك فجميع السمات والدلالات الواقعة على المرمى البعيد هي بالعمق من الأنا. وتلك العلاقة علاقة تمت بصورة مميزة في ضوء فلسفة ايمانويل ليفيناس. حيث اعتبر كل أنا وكل أنت لا يجريان في فراغ إنما هما تجربتان لوجههما عبر اصداء متبادلة. فالآخر يوجد حيث يوجد أنا. والأنا يقف حينما يتجلى الآخر بكل ثقله الدلالي. بدءاً من الآخر اليومي والمؤقت وصولاً إلى الآخر الأكبر؛ أي الإله الذي هو الآخر بمنطق الأنت أيضاً.
أولاً: جميع معالم الإنسان وأنشطته تأتي قوتها من تلك الثنائية المتداخلة. هل ثمة فرد يتحرك دونما دوافع تسكنه تجاه فعل ما، تجاه صورة ما، تجاه فرد ما، تجاه كائن ما. هي واقعياً رغبة في الآخر بمعناه العام والمتنوع. لقد اعتبرت جوليا كريستيفا رغبة كهذه رغبة متماهية في وجودنا مثلها مثل اللغة. فلأننا نتكلم كما لو كنا نتنفس الكلمات، كذلك لا يتم هذا بطريقة بيولوجية آلية. إنه عملية آخرية؛ أي تخرج في حضور آخر وتحت ناظريه.
ثانياً: ليس هناك آخر متماثل. دوما الآخر مختلف. على الرغم من رؤية الثقافات المنغلقة له بوصفه نظيراً. إنه ليس نظيراً لكنه مختلف إلى حد التناقض. وإذا كان البعض يفرق بين الآخر والمغاير، باعتبار الأول يسكننا بينما الثاني نقيض، فهذا ليس صحيحاً حتى من جهة الذوات والثقافة معاً. كلما كانت الاختلافات أكثر كلما كانت ثمة إمكانية للالتقاء. ولكي يصبح وجه الالتقاء ذا معنى.
ثالثاً: الأنا من موقع الآخر غير قابل للتصنيف. ولهذا تستمر الثقافة لمحاولة الهيمنة عليه. فهو يدرج كنتاج من نتاجاتها. لكنه يظل مطالباً بالتحرر عن طريق التمرد والتحلل من القيم والعادات والتقاليد. وليس حقيقياً أن يقيد الفرد نفسه بقيود إلا مع الهوس الجمعي بالممارسات العامة. مثل الطقوس الدينية والسياسية والاجتماعية. وهذه الطقوس تسعى في سرها إلى تأكيد العزل بين الأفراد لصالح سلطة الجماعة.
رابعاً: الأنا في مستواه المتنوع قيد التأويل. هو لو صح ذلك: أنا مؤول على طول الخط. لكوننا لا ندرك ماهيته كما هو. ويأتي إلينا عبر وسائط معرفية وأنطولوجية وخطابية. وتلك الوسائط تماثل عمل اللغة كنص. تلك الخاصية التي تصبح آلية اجتماعية بقدر عمليات التواصل في المجتمع. إذ أننا لا نتعامل مع الآخرين ككيانات قابلة للتحديد في الحياة العامة، بل أشبه باستعمال الأوراق المالية. فهناك الجانب اللعبي القوى بقدر تلك السمات الخاصة باللغة. والتي تخلعها على الممارسات والأفكار كما أوضح هابرماس في نظرية التواصل.
خامساً: في هذا الوضع الحواري للأنتنا لن يكون الحب والكراهية وجهين متنافرين. لأن الأنا لا تنفرد بالآخر قصداً إنما هناك أصداء وآثار مزدوجة. وليس سهلاً – بل مستحيلاً-فك الازدواج الذي يتبادل عناصره. فالحب قد يكون كراهبة مقلوبة والعكس أيضاً.
سادساً: ثمة استعادة مستمرة للآخر طالما يشعر الأنا بضياعه أو فقدانه. أبرز الأمثلة أسطورة نرسيس التي جاءت منها النرجسية. هذا الشاب الوسيم الذي رأى وجهه في الماء ذات يوم فحاول الإمساك به فغرق في الماء. ولتلك الحكاية دلالة أبعد مما يبدو: فالأنا يحاول التوحد بالآخر الذي هو جزء منه كما قلنا.
وهذا يعبر عن تضخم الأنا بطريقة خادعة. كما أن الماء لا يبعد عن معنى الخلق. فالماء بمثابة الوسيط الذي ينتج الحياة. والكائنات والصور انعكاسات شبحية فاتنة في أثيره. الماء هنا يشابه عمل اللغة التي تنبسط كوسيط لانعكاس الأنا كذلك. يجرى الأمر في الخطابات الدينية والأيديولوجية. فالأيديولوجيا هي جثة الأنا حينما تحاول الإمساك بالمطلق على صورته داخل اللغة. والاتجاهات الارهابية سيكون مصيرها نفس مصير نرسيس. لأنها تسعى للتوحد الميتافيزيقي العنيف بمركزيتها. وبالتالي بعد فترات صعود وانتشار سرعان ما تكتب نهايتها بنفسها.
سابعاً: رغم القرب بين الأنا والأنت إلاّ أنه قرب بمنطق الفقدان. ولهذا يشكل سراباً طويل الأمد. فلأنهما يدوران داخل بعضهما دون يقين فإن ذلك يمثل باعثاً لنشوء الأوهام المتواصلة. أي أن الأوهام جزء عضوي من بنية الأنتنا. من ثم تنشأ الأفعال المترتبة عليها. كما أن اساءة الفهم شيء تلقائي تماماً. واستحالة وجود الحقيقة المطلقة أمر منطقي بل ضروري في هذا الإطار. فكانت البدائل جاهزة ومفترضة بفضل الأنظمة الجمعية التي ترأب الصدع الذي لن يلتئم.