قتلة وشكوك

سلام إبراهيم
2016 / 9 / 17

قتلة وشكوك
سلام إبراهيم
انحدرتُ في سِنَةٍ، فوجدتني أزحف خلال شقٍ بخاصرة الجبل، مموه بصخرة تلاصق السفح في وادٍ أجرد مهجور. عدتُ بأرغفة خبز وزمزميه ماء وحبات طماطم تسولتها من رعاة مخيَّمينَ على قمة الجبل. غمرتني عتمة المغارة العميقة، تريثتُ جوار الثلم المنخفض أغرزُ عيني في الجوف المظلم البارد، وصدى احتكاك جسدي بالصخر يضيع في صمتٍ وجدتهُ غريباً. ناديت بصوتٍ منخفضٍ وَجِلٍ قبل أن تتلامح كتلة في منتصف الفسحة الطولية المشكلة مدخل متاهة المغاور الضائعة في أحشاء السلسلة الجبلية. أنعمتُ التحديق فاستبان هيكل مقاتل واحد فقط من المجموعة التي كانت تحقق مع فلاحين كرديين شَكتْ المفرزة بأمرهما في اغتيال رفيق قبل أيام أثناء قضائه أجازه في قريته المتناثرة بيوتها على رابية تحت سلسلة ـ كارا ـ. رأيته يلوذ بجدار المغارة الرطب ويحملق بذعرٍ مزدرياً ريقه الجاف، وغير قادرٍ على الإجابة على أسئلتي:
ـ أين بقية الرفاق؟.. ما بكِ؟.. ما الذي حدثَ؟.
تركته متجهاً إلى حيث يشخص نحو مصدر أنين مصحوب بشخير. فوجدت الفلاحين مقيدين في أقصى المستطيل المفضي إلى تجويف ممرٍ غائر في بطن الجبل. كانا ممددين على ظهريهما، داميي الوجه، محتقني القسمات، يقلبان أعينهم في دورة تنقطعُ باختفاء البؤبؤين، وتتواصل بعودتهما. هرولت نحوه. أمسكته من تلابيبه ورحتُ أهزّهُ صارخاً:
ـ ماذا فعلتم؟..ليش.. ليش.. ليش؟!.
أنفلتَ من بين أصابعي التي وهنت. قفز نحو الشق وأنسل منهُ. هرعتُ نحوهما ثانيةً. حللتُ وثاقيهما. رحتُ أتنقل مضطرباً بينهما. أسقيهما ماءً. أمسح بمنديلٍ مبلول قسماتهما المشوهة بالكدمات والجروح. كانا يحتضران، فألقى بيّ جسداهما المنتفضان في باطن ظهيرة باحة بيت الجيران المكتظة بالنسوة المتحلقات حول أمي المنكبة على رأس المحتضرة تسقيها أخر قطرات العمر. بللتُ منديلي بالماء وجعلتُ أقطره قطرة.. قطرة داخل تجويف الفمين المختلجين إلى أن أنتفض الأول وكأنه يبغي الانتصاب بجذعه العلوي رافعاً ذراعيه صوب الضوء المتسرب من فتحة المغارة ثم هوى ساكن الأنفاس بين ذراعي. لحقهُ الثاني بعد دقائق. تجننتُ. أزحت القميص الملوث بالعرق والدم عند موضع القلبين وألصقتُ أذني.. ليس غير نبضي الضاج. اعتدلتُ ساحباً أنفاساً عميقة، ثم ركعت ثانية لصق القلبين. أيقنتُ من اندمالهما بالمطلق الساكن، فانفجرتُ بصراخ أجرد هزَّ أركان المغارة. صراخٌ مبهمٌ متصل رجّ بي الظلام والصخور. عويتُ عواءً أملس بوجه الضوء المتسرب من الشق الضيق الذي أنسدَ بأجساد المقاتلين المتدفقة صوبي. دار بي السقف والضوء والجثتان والقادمون الذين أحاطوني وأمسكوا بيديّ وساقيّ وخصري إلى أن وهنت قواي وكففتُ عن الرفس، منحدراً نحو فضاء فارغ، رماني إلى عدمٍ أظلم. لا أدري كم أستمر. إذ انتشلتني من خوائه ضجة حفرٍ، فتحتُ عيني لأحرز ظلال الجسدين المسكينين الساكنين وهم يحملوهما بمستوى الركبة، لِيُلقى بهما في باطن حفرة ضحلة، ثم تنهال الأيدي المرتبكة بالصخور والتراب. ومن يومها أنسدل ستارٌ بيني وبين رفاقي، فأحجموا دون تصريح عن تكليفي بمفارز قتالية أو مهام خطف مشبوهين من مراكز المدن الكبيرة ليلاً. أمسوا يرمقونني وفي عيونهم سخريةٌ، وعلى شفاههم لغطٌ. وجوه هازئة تحاصرني منذُ بكرة الصباح وحتى لحظة الإياب إلى الفراش مع تكليفٍ بأشق الأعمال الجسدية كحمل الصخور من عمق الوادي لبناء غرف القواعد الجديدة، تكسير الحطب، تحميل أكياس الرز والسكر من القرى التركية الحدودية البعيدة، العناية بالبغال ومستلزماتها من علفٍ ومواد تخص التحميل. ذقتُ عذاباً دفيناً متصلاً هزَّ ثقتي بنفسي من الأعماق، وجعلني مضطرباً لا أقوى على مواجهة نظرات المقاتلين الأشداء الحازمة الواثقة من عدالة قضيتها التي تبرر كل ذلك الكم من القسوة. كنتُ أشرد بعيني من الوجوه عند الكلام إلى غابة السفح والسماء، صخور الأرض وجدران الغرف، النهر والقمم العالية، الجوانب والخلف. وهكذا ألتحم عذاب يوم الجبل بخزين عذاب تفاصيل الطفولة والصبا والمراهقة.