الكلام المهموس مسموع

توفيق أبو شومر
2016 / 9 / 17

هو رجلٌ في منتصف العمر، كان يحاول أن يُرجع قسمات وجهه إلى الوراء سنوات عديدة، باستخدام مستحضرات تجميل الوجوه، لا شيء يثيرني في شخصيته سوى أذنيه.
أذناه طويلتان مستديرتان لا تتناسبان مع حجم رأسه الصغيرة، وعلى الرغم من اتساع أذنيه، إلا أنه كان يدّعي بأن سمعه ثقيلٌ، وأن الطبيب هو الذي قرر ذلك.
اعتاد الناس أن يرفعوا أصواتهم وهم يحادثوه، وكان هو أيضا، يُقرِّبُ أذنه من الأفواه حتى يُؤيد ادِّعاءه، بأنه ضعيف السمع .
أما أنا فكنتُ أعتقد بأن أذنيه أكثر حدةً وحساسيةً من لواقطِ مايكروفونات الكهرباء الحساسة، بل إن أذنيه تبارزان آذان الخفافيش قبل الغروب!
والغريب أن أذنيه تكونان أكثر حدة وسمعا عندما أُخفض صوتي!!
شيء غريب أنه يسمع الكلام عندما يكون الكلام مهموسا، ولا يسمعه عندما يكون الصوتُ مرتفعا !!
بحثتُ عن السبب، فحاولت أولا أن أربط بين أذنِ صاحبي، ونبرة صوتي، فلعلّ بينهما تماثلا وانسجاما، وحاولتُ أن أُفسِّرَ قولَ صديقي الأطرش الذي سمع ما لم أسمعه أنا فيقول:
إن سيارةً قد توقفت خارج المنزل.
كيف سمعها، وهو الأطرش، ضعيف السَّمع؟
أيكون صديقي ممثلا بارعا، يجني ربحا بادعائه الطرش؟
أنا أعلم بأنه دائم الشكوى من أذنيه، وأنه يحتفظ بأدوية كثيرة، ووصفاتِ علاج شعبية عديدة لإشفاء أذنه اليسرى من قرحتها المزمنة. .
وأخيرا أقنعتُ نفسي بأن لكل فردٍ طاقاتِه الخاصة به، ومعجزاته وقدراته، ولكنني في نهاية الأمر عثرتُ على السبب:
صديقي الأطرش عربيٌ، لحما، ودما، ولغة، وثقافة، وانتماءً، وحياةً، وامتزاجاً، وحلولا.
فمن عادات العرب، أنهم يسمعون بوضوحٍ وجلاءٍ وصفاءٍ ونقاءٍ الأصواتَ، ولكن بشرط:
أن يكون الصوت [ مهموسا]!!
لذلك فإنني أقترح أن نشتقَّ حكمة عربية جديدة تقول:
كلٌّ كلامٍ مهموسٍ مسموعٌ، وليس كلُ كلامٍ مرفوعٍ مسموعا !
فالمهموس، في تراث العالم العربي، يحمل دائما سرا من الأسرار، وهذا السرٌّ فرصة لا تتكرر كثيرا، لذا فإن آذانَ أمة العرب حساسةٌ لكل مهموس .
فكل أذنٍ تعجزُ عن سماع المهموسات، تموتُ قهرا وتفنى ألما حسرة !
لذا فقد ايقنتُ بأن صديقي الأطرش عربيُ الدم واللسان، أصيلُ النَّسب والحسب، لم تهجنه عُجمةٌ ، ولم تُخالط نسبَه طُغمة !
نصيحة أخيرة:
إذا أردتم أن تُسمعوا أصواتَكم لضعفاء السمع، وأن تكونوا ذوي منزلةٍ رفيعة في المجالس العربية، فما عليكم إلا أن تعتادوا أن تتحدثوا بهمس .
وإذا رغبتم أن تُحدثوا الأثر الأكبر في آذان مجالسيكم، بحيث تُعشعشُ كلماتُكم في آذان السامعين ، ثم تبيض، وتفقس، وتتوالد، وتتكاثر، ثم تطير بسرعة البرق، فأكثروا أولا من الالتفات يمينا ويسارا، مدعين بأن ما سوف يُقال، هو للسامع فقط، وليس لغيره، ثم قَرِّبوا شفاهَكم من آذان جلسائكم، حتى تلمس شفاهُكم أطرافَ آذانِ سامعيكم ، ولا تُنهوا حديثكم إلا بعد أن توصوا سامعيكم، بأنَّ ما قلتموه، هو سرٌ خطيرٌ، يُحظر نشرُهُ وتوزيعُهُ، عندئذٍ تضمنون أن يصل إلى كل الآذان، خلال دقائق قليلة، مهما بعدت المسافات !