-تحوت- …. ربُّ القلم والنيروز

فاطمة ناعوت
2016 / 9 / 13

تقول الأدبياتُ والمأثوراتُ والرواياتُ الرومانسية والحكايا التبشيرية إن الخير لابد أن ينتصر على الشرّ دائمًا في نهاية الحكاية. لكن للواقع دائمًا رأيًا آخر، أكثر قسوة أحيانًا، أبعد عن المنطق غالبًا. فنجد في أحوال عديدة ينتصرُ الشرُّ وينهزم الخيرُ ونهمس لأنفسنا في حسرة: “المؤمن مُصاب". ولا يدري الإنسانُ هل يصدّق الروايات ذوات النهايات السعيدة، التي تؤكد المنطق الفطري السليم بأن ينتصر الخيرُ وتفوزُ الفضيلة، أم يصدّق الواقع المرَّ الذي يراه بعينيه كلّ نهار حيث تنحسرُ الفضيلةُ وتنتعشُ الشرور؟!
الأسطورة المصرية القديمة تحلّ شفرة ذلك اللغز المحيّر. الإله "تحوت"، إله الحكمة عند الفراعين هو المسؤول عن إدارة أي صراع يجري فوق الأرض بين قوى الخير وقوى الشر. ووظيفته تتلخّص في أن يساعد طرفي الصراع في حياد ليستمر الصراعُ دون غالب ولا مغلوب، فيعالجُ المهزوم منهما، إن جُرح أو أُصيب، حتى ينهض من كبوته ويستأنف معركته السرمدية، فلا ينتهي من الأرض ذلك الصراع الأبدي بين الخير والشر. وهذا يفسّر سرّ التوازن المدهش بين الحق والضلال فوق الأرض، ويقدّم لنا، بكل أسف، قطعة من اليأس تقول إن الشرّ لن ينتهي من هذا العالم، إلى أن يستردّ اللهُ الأرض المحزنة بمن يسكنها.
أكتب عن ذلك العالم المصري "تحوت" لأن اليوم 11 سبتمبر هو غُرّة الشهر المسمّى باسمه (توت) في التقويم المصري القديم، أول تقويم تأريخي عرفته البشرية منذ أكثر من ستين قرنًا من الزمان. اليوم هو رأس السنة المصرية وبداية عام 6258 على الروزنامة الفرعونية، التي يعرف شهورَها عن ظهر قلب كلُّ مزارع وفلاح مصري راهن؛ ذاك أنه يحسب مواعيد غرس بذوره في الأرض ومواعيد حصاده وفق تلك الشهور الثلاثة عشر: توت، بابة، هاتور، كيهك، طوبة، أمشير، برمهات، برمود، بشنس، بؤونة، أبيب، مسرى، نسئ. يعرفه المصريون باسم "عيد النيروز". وأصله اللغوي مُشتقٌّ من الكلمة المصرية القديمة: ني-يارؤو، وتعني: (الأنهار). لأن شهر (توت) الذي يبدأ اليوم، يتوافق مع موعد اكتمال فيضان النيل (حابي) وهو أصل الحضارة والحياة عند المصريين القدامى.

ويجب ألا نخلط بين عيدنا المصري "النيروز"، وبين عيد "النوروز" الفارسي والكردي، رأس السنة الفارسية والكردية الذي تعودُ تسميته إلى الكلمة الفارسية: (نو-روز)، وتعني: اليوم الجديد، وهو يتوافق مع بداية فصل الربيع 21 مارس في التقويم الميلادي.

أما سبب تحوّر الكلمة المصرية: ني-يارؤو، إلى "النيروز، فيعود إلى الإغريق الذين دخلوا مصر محتلّين عام 323 ق.م. وكعادة الإغريق اللغوية في إضافة حرف (س) إلى أسماء الأعلام، فقد أضافوا للكلمة القبطية حرف (س)، فتحولت كلمة (ني يارؤو) إلى (نيروس)، تلك التي تحوّر نطقُها مع الوقت إلى: (نيروز).
أما بطلُ المقال، العالم المصري الكبير "تحوت"، أو "توت" كما اشتهر، فيعود إليه الفضلُ في ابتكار ذلك التقويم المصري القديم، ولهذا تبدأ الشهور المصرية باسمه (توت) تخليدًا لاسمه الرفيع في عالم العلم والمعرفة والفلك واللغة. ولم يكن تحوت عالمَ فلك وحسب، بل كان عالمًا في الرياضيات والحساب والألسنيات، وهو مخترع حروف الأبجدية الهيروغليفية التي خلّدت حضارتنا الثرية القديمة، لهذا يُعرف كذلك بإله (القلم). لهذا كرّمه المصريون القدامى ونصّبوه إلهًا للحكمة والمعرفة في الميثولوجيا المصرية القديمة، تقديرا لعلمه الموسوعي الغزير. وتصوره الجداريات الفرعونية بجسم إنسان ورأس طائر "أبي منجل". ويكون بهذا النظيرَ الذكوري للإلهة "ماعت" ربّة العدالة في أدبياتنا المصرية. ماعت يحتلُّ تمثالُها جداريات جميع محاكم العالم في صورة امرأة جميلة معصوبة العينين تمسك بيدها ميزانًا، هو ميزان العدالة الذي صار رمزًا للقانون والعدل في التراث الإنساني كافة. وأما عُصبة العينين فدلالة على الحياد التام للقاضية التي لا تنظر إلى وجوه الخصوم لكي تحكم بينهم بالحق والعدل بعيدًا عن الأهواء والمنازع الشخصية. في المحكمة الأوزورية (نسبة إلى أوزوريس) التي يتم فيها محاسبة الموتى، كانت ريشة ماعت، رمز الضمير، توضع في إحدى كفّتي الميزان مقابل الكفة الأخرى التي يوضع فيها قلبُ المتوفى لحظة حسابه، كما تقول الأسطورة المصرية القديمة. فإن ثَقُل قلبُ الميت، وهبطت كفّته عن كفة الريشة، كان المرحوم مثقلا بالآثام والخطايا فيُلقى به إلى الوحش الأسطوري "عمعموت" حتى يأكله ويفنى، أما من خفّ قلبُه عن ريشة ماعت، كان متخفّفًا من الآثام، ولا خوفٌ عليه ليدخل الأبدية في صحبة الإله أوزوريس. أما من يقوم بحساب حسنات الميت وذنوبه ويدوّنها في دفتره، فكان الإله تحوت، أو توت، الذي نحتفل اليوم بعيده مع رأس السنة المصرية.
سنة مصرية جديدة سعيدة، ووقفة عرفات مباركة على مسلمي الأرض، وعيد أضحى في الغد حاشد بالرحمة والخير والرغد على جميع البشر في هذا العالم.