مفهوم الأغلبية السياسية في الوضع الطائفي الراهن

جعفر المظفر
2016 / 9 / 13


كثير من الأحداث اصابت النظام الطائفي المحاصاتي بشيخوخة مبكرة. بعض القوى الشيعية أخذت تبحث عن مساحيق تجميلية لنظام شاخ سريعا .المالكي كان السَّباق في التأسيس لمشروع الأغلبية السياسية الذي هو في النهاية تجميع لأحزاب طائفية من الطرفين لأن ثقافة ومفهوم الأغلبية السياسية يتناقض ويتخاصم مع حالة وجود الأحزاب الدينية وبالأخص ذات الهويات الطائفية التي تبقى معبرة عن إنتماءات اصولية وليس عن تمظهرات منتجة لمخاضات إجتماعية أو إقتصادية سياسية جديدة, ومفهوم الأغلبيات السياسية لا يتأسس على حزب يقوم على فكرة تمثيله لطائفة أو دين أو قومية وليس لمشهد وطني إنساني عام يجتمع عليه بشر مختفون في إنتماءاتهم الدينية والقومية.
وفي الحالة العراقية يأتي الحديث عن الأغلبية السياسية لكي يؤشر طبيعة المتغيرات التي طرأت في الساحة السياسية. هذه المتغيرات الأصل فيها جانبان كلاهما ينطلق من النتائج التي حققها المالكي على صعيد التحشيد حول زعامته ونجاحه في كسب الموقع الأكثر تأثيرا ونفوذا داخل الجسم الشيعي. هناك أولا تزايد عدد نواب الدعوة وتجمع دولة القانون الذي تجاوز المائة وهو عدد يتفوق على عدد نواب التجمعات الشيعية الأخرى المُنتظمة في التحالف الوطني الشيعي مثل المواطن (مجموعة الحكيم) والأحرار (التيار الصدري) وحزب الفضيلة , وهناك أيضا حجم الإختراق المقنع الذي حققه المالكي بين صفوف التجمعات السنية الذين يتم وصفهم بـ (سنة المالكي).
هذه الزيادة العددية رافقها متغيران في العمق السياسي أولهما طغيان شخصية المالكي على حساب الشخصيات الزعامية للتجمعات الشيعية المتحالفة مع حزبه وتجمعه وثانيهما النشوء النخبوي الجديد الذي أسست له طبيعة المصالح المشتركة الواسعة والحميمة بين تجمعات وشخصيات من الطائفتين والذي خلقه التدفق الهائل للبترودولار الذي تقاسمت هذه النخب جزءا اساسيا منه واصبح ما يجمعها ماديا ولاأخلاقيا أكثر مما يفرقها سياسيا وحتى طائفيا. هذا النشوء النخبوي السياسي الطبقي الجديد هو تجمع المرحلة الجديد العابر للطائفية بشكلها المتخاصم السابق والمنتظم ضمن تجمع سياسي قائم على تعاونية طائفية تحرسها مصالح مادية مشتركة أنتجت بدورها ثقافة سياسية عابرة لطائفية الإقتتال التي كانت هيأت للطائفيين من الجانبين فسحة التكون السياسي والإقتصادي المتناغم الذي بات بعدها يحتاج إلى خطاب سياسي مشترك جديد من شأنه الحفاظ على الطائفية بالمستوى الذي يكفل بقاء النفوذ ضمن الطائفة ذاتها بما يتطلب تبريد الخطاب الطائفي وليس التخلي عنه, أو فلنقل تشغيله عند الحاجة بالمستويات التي يسهل السيطرة عليه لتنفيذ أهداف خاصة بالحفاظ على الذات.
هذا التجمع سيكون عابرا للطوائف على مستوى قدرته على أن يكون إستجابة لنشوء وتكون الطائفة الجديدة (الشيعوسنية : الشنية : السيعية) هذه الطائفة الجديدة التي كان من أبرز العاملين على تأسيسها المالكي نفسه كانت قد حاولت أن تعلن عن تأسيسها بشكل قوي من خلال التمرد الذي حصل في البرلمان قبل فترة قصيرة والذي دخل أصحابه على خط الصدام بشكل مباشر لتصفية فكر ووزعماء المرحلة السابقة التقليدين, وبداية من سليم الجبوري رئيس مجلس النواب, وكان مخططا لها أن تمهد لإزاحة العبادي رئيس الوزراء ومعصوم رئيس الجمهورية.
اصحاب النوايا الطيبة من النواب المعتصمين, وهم قلة, كانوا إعتقدوا, مع نسبة لا يستهان بها من المثقفين, أن المعجزة قد حدثت فعلا, أما آخرون فلم يجدوا تفسيرا لإجتماع النقائض الفجائي الذي ضم في خيمته رجال من أمثال موفق الربيعي ومشعان الجبوري وعالية نصيف وحنان الفتلاوي جنبا إلى جنب مع نواب من الوطنية إضافة إلى الصدرين الذين لا يجتمعون مع المالكيين إلا وكان الشيطان الإيراني ثالثهما. الصدريون ربما إكتشفوا اللعبة في منتصف الطريق. لقد أدركوا ان المالكي ليس بريئا من اللعبة لأن سقوط نظام المحاصة وإزاحة العبادي سوف يكون في صالح عودته للحكم تحت عنوان الأغلبية السياسية الشيعوسنية التي هي في حقيقتها تلطيفا لغويا لمفردة الطائفية الجديدة, وأيضا فقد كان مفترضا أن تكون دخولا على مرحلة جدية ذات تجمع نخبوي أسس له نظام إقتسام الغنائم المسمى بالعملية السياسية.
لقد أخذ المالكي على عاتقه عملية ترويض السنة المعارضين للنظام. خلال الربع قرن الذي عاشه هارب سياسيا من نظام صدام حسين كان الرجل مسؤولا أول عن الجانب الأمني في حزب الدعوة, وقد سمحت له صلة التنسيق مع أجهزة المخابرات في إيران التي عاش فيها سنوات لجوئه الأولى, ومع جهاز المخابرات السوري طيلة إقامته في دمشق, أن تكون له خبرة وثقافة أمنية سرعان ما كيفها بشكل يتناغم وخصوصية تجربة الحكم في العراق.
أما دعوة الحكيم وكتلته المواطن وتياره السياسي المتمثل بالمجلس الإسلامي الأعلى فهي محاولة للتمثل لدعوات المرحلة الجديدة وعبور مأزق البقاء في مساحة التخندقات المرحلية السابقة التي تجاوزتها المعطيات الجديدة وتأكدت حاجتها إلى إطارات سياسية جديدة متناغمة مع طبيعة المتغيرات الجوهرية على صعيد تركيبة السلطة, لكنها تبقى في أفضل حالاتها تعبيرا عن محاولة لتجاوز أزمة فراغ سيخقلها خروج مجموعة المالكي من جبهة التحالف الوطني الشيعية وخروجها إلى فضاء يتجاوز شكليا أطر التعبير عن الطائفية باشكالها السابقة.
في نهاية الأمر يبقى المالكي هو صاحب الفضل الأول والأساسي في بناء الحالة السياسية والبنيوية لمفهوم الأغلبية في الحالة العراقية الراهنة, فلقد توفرت له خلال سنوات حكمه الثمان قدرة إنجاز البناء الإجتماعي لها على مستوى التشكيلة السلطوية النخبوية فهو بحق الأب الشرعي للطائفة الشنية التي كونتها حاجات الحكم في العراق المدعومة بنظام متماسك لإقتسام الغنائم.