واقع ومشكلات حركة اليسار على الصعيدين العالمي والعربي - واقع ومهمات قوى اليسار في الدول العربية (3-4)

كاظم حبيب
2016 / 9 / 12

تعرضت قوى حركة اليسار في منطقة الشرق الأوسط، والدول العربية على وجه الخصوص، إلى ضربات قاسية من لدن النظم السياسية التي تسود في بلدانها وبدعم مباشر وغير مباشر من الدول الرأسمالية المتقدمة. ففي هذه الدول سادت أو ما تزال تسود في غالبيتها نظم سياسية دكتاتورية وأخرى غير ديمقراطية، رغم البراقع البرلمانية المهلهلة التي تلتحف بها، ولكنها كانت وما تزال عاجزة عن ستر عوراتها الفاحشة بأي حال. فإلى جانب حملات الاعتقالات والسجون والتعذيب والقتل والاضطهاد والعقوبات الجماعية في جميع دول الشرق الأوسط دون استثناء، فأن بعضها القليل يكافح اليسار بأساليب وأدوات أخرى، تبدو وكأنها أخف وطأة، ولكنها تصل في المحصلة النهائية إلى ذات العواقب الوخيمة على قوى حركة اليسار. وقد تسنى لبعض النظم السياسية المستبدة أن تروض قوى اليسار وتدخلها تحت خيمتها الخانقة فكرياً وسياسياً واجتماعياً، ولم يبق لها من مضمون اليسار سوى اسمها المفرغ من المضمون، كما لم يبق لها حضور وجمهور يساندها أو يلتف حول شعاراتها. وقد زاد في الطين بِلة ذلك الانهيار الزلزالي لنظم "اشتراكية" أو رأسمالية الدولة البيروقراطية، وما نشأ عنها من إحباط في أجواء قوى اليسار عموماً.
لم يكن صراع قوى اليسار في دول هذه المنطقة موجهاً ضد حكومات هذه الدول وسياساتها فحسب، بل كان الصراع موجهاً أيضاً ضد سياسات الدول الرأسمالية المتقدمة وشركاتها الاحتكارية التي فرضت هيمنتها على دول المنطقة بصور شتى، والتي كانت تضع قوى حركة اليسار إلى جانب الدول الاشتراكية، أو وكأنها تابعة لها كلية، وبالتالي كانت ترى ضرورة محاربتها لكي تحارب من خلال ذلك وجود الدول الاشتراكية أو الاتحاد السوفييتي فيها. وفي هذا ألحقت الحرب الباردة أضراراً فادحة بحركة اليسار وقواها السياسية ودورها الفكري والسياسي منذ النصف الثاني من القرن العشرين.
أين تكمن معاناة قوى اليسار بالدول العربية؟ أدرك تماماً حين أجيب عن هذا السؤال، إنه يعبر عن اجتهادي الشخصي المتواضع الذي يعبر عن مشاركتي وتجربتي الشخصية ومتابعتي على مدى بضع وستون سنة من جهة، وعن وجود تباين مع أراء أخرى غير قليلة، وإنها تحتمل الخطأ والصواب والتدقيق من جهة ثانية، ولكنها تهدف إلى المشاركة في تحقيق نهوض جديد وفعال ومؤثر لقوى الحركة اليسارية بالدول العربية، وعموم المنطقة من جهة ثالثة. وألخص تلك المعاناة باتجاهين: ذاتي وموضوعي:
الجانب الموضوعي:
1. إن استمرار معاناة قوى اليسار ناشئ عن عوامل كامنة في طبيعة علاقات الإنتاج المتخلفة السائدة فيها وتخلف مستوى تطور القوى المنتجة المادية والبشرية، وفي الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتعليمي والثقافي لدول هذه المنطقة، إذ إنها لم تشهد حتى الآن عملية تنوير دينية واجتماعية، ولم تشهد نهضة فكرية ضرورية للخلاص من الجهل وأسس الغيبيات المشوِهة لفكر الإنسان ومنغصة عليه حياته. كما لم تتعرف على الحياة الديمقراطية وممارسة حقوق الإنسان، بل كل النظم التي نشأت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى الوقت الحاضر كانت وما زالت نظم سياسية غير ديمقراطية واستبدادية عسكرية أو حزبية أو حتى عشائرية وطائفية، وبالتالي لم تكن هذه الدول علمانية تفصل بين الدين والدولة، وبين الدين والسياسة، في نظمها السياسية، بل كانت باستمرار تدعي بأن دين الدولة هو الإسلام، في حين أن الدولة، أي دولة، ليست سوى شخصية معنوية لا دين ولا مذهب لها، إذ لا يمكن أن يكون لها دين أو مذهب بأي حال. وكانت قوى معينة تسيطر على الدولة باسم الدين وتساهم في الإساءة للمؤمنين بهذا الدين أو ذاك، ولأنها لم تستطع الخروج من التخلف الاقتصادي ومن العلاقات الإنتاجية المتخلفة التي تعيق عملية إعمال العقل والتطور الفكري للإنسان. كما إن إسرائيل، التي تدعي العلمانية بدون وجه حق، تعمل اليوم على فرض اعتبار إسرائيل دولة يهودية، وهو تراجع سلبي شديد، حتى من الناحية الشكلية، بسبب ادعائها الباطل بالعلمانية. وقوى اليسار الإسرائيلي تعاني من سياسات الحكومة اليمينية المتطرفة بإسرائيل.
2. وفي هذه الدول لعب شيوخ الدين والفكر الديني والخطاب الديني دوره في الإساءة لقوى اليسار وتشويه مراميها ونضالها وبرامجها السياسية والاجتماعية، مما عقد على حركة اليسار تعزيز العلاقات الضرورية مع فئات المجتمع. إذ كان على قوى اليسار وأحزابها، أن تخوض النضال بحزم وصرامة ضد هذه القوى، وأن توضح موقفها من غالبية شيوخ الدين الذين يمارسون نهج تشويه وعي الإنسان وتزييفه. وإذ كانت هذه اللوحة قد برزت في فترات سابقة وقبل الحرب العالمية الثانية، إلا إنها قد تفاقمت في فترات لاحقة، وهي تلعب اليوم دوراً مريعاً ودموياً في عدد غير قليل من دول المنطقة وخاصة في أعقاب الثورة الإيرانية وهيمنة شيوخ الدين المتطرفين على الحكم بإيران، إضافة إلى شيوخ الدين الأكثر تطرفاً بالمملكة السعودية، وكذلك بالعراق والسودان أو غيرهما. كما لعبت القوى القومية الشوفينية، قوى البرجوازية الصغيرة اليمينية، ومنها قوى حزب البعث العربي الاشتراكي، بسياساتها الاستبدادية والشوفينية وممارساتها باسم العلمانية واليسار المشوه، وهي في الحكم أو خارجه، دورها في الإساءة لقوى اليسار وإلحاق أكبر الأذى بها والعمل على تحجيمها. وهو نفس الدور الذي بدأ به ووضعه كمهمة مباشرة منذ العام 1947/1948 ميشيل عفلق وصحبه، حين أسسوا حزب البعث ومنحوه مهمة مكافحة الشيوعية في الدول العربية على وفق تصريحات عفلق بالذات. 2
3. إن النضال الطويل الذي خاضته الأحزاب الشيوعية وقوى اليسار الأخرى خلال العقود التي تتراوح بين خمسة وتسعة عقود منصرمة كان معقداً ومتشابكاً لأنه تداخل بين النضال ضد الهيمنة الاستعمارية وضد القوى الرجعية في البلاد، وأدى إلى ارتكاب جملة من الأخطاء السياسية والاجتماعية في مجال تحديد مهمات المرحلة، والقوى التي يهمها تحقيق تلك المهمات، وعلاقاتها العامة الداخلية والإقليمية والدولية، والتي استثمرت من جانب القوى المضادة لإجهاض حركة اليسار وتعريضها لأضرار كبيرة. وقد كان للمؤتمر التاسع عشر للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي، الذي عقد في العام 1952 بقيادة جوزيف ستالين، الذي تحدث فيه عن خيانة البرجوازية لمصالح الشعب والوطن في العالم الرأسمالي، والتي أمنت بها الأحزاب الشيوعية، ومنها دول في منطقة الشرق الأوسط وأعاقت عملية التحالف مع البرجوازية الوطنية. وكان لها الأثر السلبي الكبير على الوضع السياسي، ومنها بشكل خاص اتخاذ حزب تودة موقفاً سلبياً من حكومة وسياسة دكتور محمد مصدق على سبيل المثال لا الحصر، أو إصرار الأحزاب الشيوعية بالدول العربية على إقامة الجبهات الوطنية الموحدة بقيادتها وليس غير ذلك! يمكن بهذا الصدد مراجعة كتاب حسين محمد الشبيبي (صارم)، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي، عن الجبهة الوطنية الموحدة طريقنا وواجبنا التاريخي، والذي كتب يوسف سلمان يوسف (فهد)، سكرتير عام الحزب الشيوعي العراقي، مقدمته وصدر في العام 1947/1948، 3 على سبيل المثال لا الحصر.
4. إن غياب الديمقراطية بالدول العربية ومصادرة حقوق الإنسان وحقوق القوميات وإصدار قوانين تحارب وتسجن الشيوعيين والقوى اليسارية والديمقراطية عموماً أجبر الأحزاب الشيوعية والعمالية في أغلب الدول العربية إلى العمل في السر، وهذه الحالة قد أثرت بشكل سلبي على الحياة الديمقراطية في هذه الأحزاب. يشير الرفيق فهد في كراسه الموسوم "حزب شيوعي لا اشتراكية ديمقراطية بهذا الصدد بصواب، والذي صدر على شكل رسالة موجهة إلى الأخ مقدام، ما يلي:
"فالشيوعيون ليسوا من عشاق السراديب والسجون وليسوا ممن يرتاحون الى تعريض بيوتهم الى غارات الشرطة وإرهاب من فيها وأحيانا أخذهم رهائن - كما حصل في غارات حزيران المنصرم - وليسوا ممن يحبون رؤية وجه الجاسوس الذي يتبعهم كظلهم، ولكنهم يتحملون كل هذه وأكثر منها برغم أنف العدو الذي يحاول تهزيمهم من الميدان _ عن طيب خاطر لسبب يحلونه فوق ذواتهم وفوق بيوتهم، أنهم يعشقون مثلا أعلى في الحياة لطبقتهم وللبشرية أجمع، أنهم يكرهون عن وعي أعداء طبقتهم الواقفين حجر عثرة في طريق تقدم الانسانية."4
الجانب الذاتي:
1. إن الواقع الاجتماعي والثقافي والظروف المعقدة التي مرّت بها الحركة اليسارية، وخاصة الحركة الشيوعية كجزء منها، قد أعاقت تطور المستوى الثقافي والمعرفي العام لدى الغالبية العظمى من قوى اليسار وعلى فهمها للماركسية وللواقع الذي تعيش فيه وتناضل من أجل تغييره. وانعكس ذلك على مستوى نضوج القيادة والكوادر والأعضاء وقدرتهم التحليلية، والتي بالرغم من ضعفها، كانت أعلى مستوى من الغالبية العظمى من السكان، خاصة وأن نسبة المثقفين في الحركة اليسارية كانت عالية حقاً ومن فئات البرجوازية الوطنية والبرجوازية الصغيرة بشكل عام. ومن المعروف للجميع بأن من يعمل، يرتكب في مسيرته بعض الأخطاء، وليس هذا بغريب ولا يشكل عيباً، إلا إن العيب حين تدرك هذه القوى أخطاءها ولا تسعى إلى تصحيحها، بل وتعيد ارتكابها بطريقة أخرى. ومع ذلك فأن قوى حركة اليسار لعبت دوراً مهماً وكبيراً في النضال من أجل انتزاع الاستقلال والسيادة الوطنية في مرحلة النضال ضد الاستعمار والهيمنة الأجنبية، وفي عملية التنوير الفكري والاجتماعي والسياسي، وفي انتزاع جملة من المكاسب للمنتجين والكادحين وللمرأة في مختلف الدول التي عملت فيها تلك القوى، بمن فيها وفي مقدمتها الأحزاب الشيوعية.
2. لقد ارتكبت الأحزاب الشيوعية والكثير من قوى اليسار بالدول العربية خطأ كبيراً حين اعتقدت بأن عليها الالتزام بما يقرره الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي، باعتباره مركز وقائد الحركة الشيوعية العالمية، قائد الأممية الثالثة، حتى بعد أن تم حل الكومنترن في العام 1943. وكان الشعار السائد " التعلم من الاتحاد السوفييتي وحزبه يعني تعلم تحقيق النصر". وقد أدى هذا الواقع إلى سقوط الأحزاب الشيوعية في حالة مريرة من الجمود العقائدي وعدم إعمال العقل والمبادرة وانتظار المبادرة والرأي من الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي، دون أن يعوا هذه الحقيقة لإيمانهم المطلق بصواب قرارات الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي والدولة السوفييتية. إن هذا الخطأ لا يتحمله الحزب الشيوعي السوفييتي وحده، بل الأحزاب الشيوعية في الدول العربية، وحيثما سارت على نفس النهج. وكلنا يتذكر كيف إن الكثير من القضايا الخلافية في الأحزاب الشيوعية في الدول العربية كانت ترفع إلى اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي والعلماء السوفييت لإعطاء الرأي بها، كما حصل بالنسبة للخلافات داخل قيادة الحزب الشيوعي السوري مثلاً، والتي انتهت إلى انشقاق، ثم انشقاقات متتالية، أو الموقف من النقاشات التي دارت في الحزب الشيوعي العراقي حول برنامجه الوطني الذي قدم إلى المؤتمر الثالث في العام 1976. لقد انتهى مركز الحركة الشيوعية، الحزب الشيوعي السوفييتي، ولا يمكن ولا يجوز للحزب الشيوعي الروسي أن يلعب هذا الدور، ويفترض ألا يلعبه أي حزب شيوعي آخر مثل هذا الدور. إذ لا تحتاج الأحزاب الشيوعية بالدول العربية أو غيرها إلى مركز للحركة، بل هي وكل قوى اليسار الأخرى بحاجة إلى التشاور والتداول والنقاش في ما بينها أولاً، وإلى تضامنها في النضال من أجل أهدافها المشتركة ثانياً.
3. إن التشرنق الفكري السابق أعاق تأمين وحدة القوى اليسارية أو تفاعلها المتبادل وتضامنها في النضال، وكان الصراع والاحتراب الداخلي والانشقاقات والاتهامات بالانحراف والانتهازية والخروج عن الماركسية – اللينينية هو سيد الموقف. والحراك السياسي الفعال، يفترض أن يكون قد انتهى، وأن تمارس الأحزاب الشيوعية وبقية القوى اليسارية التمعن بالمنهج المادي الديالكتيكي والمادي التاريخ ودراسة الواقع القائم والإمكانيات والحاجيات ليخرج كل منها إلى وضع استراتيج وتكتيك هذا الحزب أو ذاك دون وصاية من أحد أو تدخل في شؤونه.
4. إن التغييرات التي تحتاجها قوى اليسار كلها تتجه صوب القواعد التي التزمت بها ومارستها وأخلت بالديمقراطية فيها والتي تجلت بشكل صارخ في حياة الأحزاب الداخلية وفي العلاقات مع الأعضاء ومع المؤيدين والجماهير الواسعة، ومنها المركزية الديمقراطية واسلوب ممارسة النقد والنقد الذاتي والطاعة الحزبية وما يطلق عليه بوحدة الإرادة والعمل وسبل تحقيقها...الخ.
5. الخشية السابقة من خوض الصراع الفكري إزاء قوى الإسلام السياسي والفكر الديني والتشوهات التي أفسدت وعي الإنسان بالدول العربية، يفترض أن تنتهي وأن تعمل على مواجهة هذه القوى بطريقة ذكية وفاعلة ومحركة للعقل وفعله ونتائج هذا الفعل. إن الدعوة في المرحلة الراهنة يفترض أن تتوجه صوب إقامة المجتمع المدني الديمقراطي، المجتمع العلماني الفاصل بين الدين والدولة، وبين سلطات الدولة الثلاث، واستقلال القضاء، والتداول السلمي الديمقراطي للسلطة ...الخ.