مكة تستعد لمرحلة ما بعد النفط!

ناجح العبيدي
2016 / 9 / 11

مكة تستعد لمرحلة ما بعد النفط!
استقبلت مكة هذه الأيام نحو مليوني حاج. ومن المؤكد أن الكثيرين منهم سيلبي دعوة ربُّ "البيت الحرام" الذي قدّم التجارة على العبادة في موسم الحج. فقد حثّ القرآن المسلمين على المجيء إلى مكة { لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ}. بل ورأى القرآن في هذه المنافع تعويضا لذرية إبراهيم لأنه أسكنهم في "واد غير ذي زرع". ويبدو أن القيادة السعودية بدأت تسترشد بهذه الآية القرآنية و تريد أن تتعامل مع الحج كمصدر هام للدخل يمكن أن يساهم في تعويض تراجع الريع النفطي في المستقبل. ففي "رؤية السعودية 2030 "التي صاغها وأعلن عنها رجل السعودية القوي وولي ولي العهد محمد بن سلمان قبل أربعة أشهر تحتل السياحة الدينية ركنا أساسيا، إذ تهدف هذه الخطة إلى زيادة عدد الحجاج والمعتمرين من 8 ملايين إلى 30 مليونا بحلول عام 2030. وتأمل السعودية أن تساعد السياحة الدينية في زيادة الإيرادات غير النفطية وتقليص الاعتماد على الذهب الأسود، بل ويعتقد الأمير الشاب محمد بن سلمان أن المملكة ستستطيع "العيش بدون نفط" بحلول عام 2020، أي بعد أقل من 4 سنوات من الآن. صحيح أن هذا الطموح يبدو غير واقعي حتى بافتراض وجود دعم غير محدود من رب الكعبة، إلا أن آفاق نمو السياحة الدينية في السعودية تعتبر واعدة بالفعل في ظل النمو السريع لعدد المسلمين حول العالم والرواج الكبير لسياحة الحج والعمرة وتنوع الخدمات المرتبطة بها وازدياد أسعارها. غير أن رؤية ولي ولي العهد في مجال الحج يمكن أيضا أن تثير صراعات دينية وسياسية، إضافة إلى التحديات الأمنية والتنظيمية.
ويؤكد التاريخ وجود علاقة متشابكة ومتنوعة بين الدين والاقتصاد. وهذا ينطبق بشكل خاص على الأديان التوحيدية الثلاثة والتي احتل فيها المعبد مكانة هامة في التبادل التجاري والمالي. ففي الإنجيل ترد حكاية غضبة المسيح الشهيرة وهو يقوم بقلب طاولات التجار والصرافين ومربي الحمام ويطردهم من المعبد في القدس شر طردة. بيد أن تاريخ مكة قبل الإسلام وبعده يُقدم مثالا واضحا على الترابط الوشيج بين الشعائر الدينية والمصالح الاقتصادية. فقد أصبحت المدينة بفضل الكعبة ليس فقط مزارا دينيا وإنما أيضا مركزا هاما للتجارة. ولعل الشهرة التي اكتسبها سوق عكاظ كافية لتوضيح هذه الأهمية. وقد قام الإسلام بترسيخ هذا الدور. ومن دون شك فإن اختيار مكة قبلة لصلاة المسلمين في جميع أنحاء العالم لا يقتصر على الجانب الديني فحسب، وإنما له أيضا بعد اقتصادي. وهذا ما تُثبته الملابسات التي رافقت تغيير القبلة في صدر الإسلام. وبعكس الرأي السائد حاليا والقائل بإن "القدس أولى القبلتين وثالث الحرمين"، أثبت المؤرخ العراقي المعروف جواد علي في أطروحته للدكتوراه حول "تاريخ الصلاة في الإسلام" التي قدمها في جامعة هامبورغ الألمانية عام 1939، بأن محمد كان يتوجه في صلاته أولا إلى الكعبة، وبعد الهجرة إلى المدينة اختار بيت المقدس قبلة لصلاته، قبل أن يعود مرة أخرى إلى الكعبة في مكة. و استنادا إلى مصادر إسلامية عديدة يؤكد جواد علي في بحثه المذكور أن أسبابا دنيوية كانت وراء تقلب محمد هذا والذي أثار بلبلة خطيرة في صفوف أصحابه. فقد كان محمد يهدف من وراء صَلاته نحو بيت المقدس التقرب من يهود يثرب. ولكنه أدرك سريعا بأن هذه الخطوة تعني إعلان حرب اقتصادية مفتوحة ضد قريش وتهدد عمليا بتدمير القاعدة الاقتصادية لمكة. ولهذا قرر النبي تحويل القبلة إلى مكة من جديد في محاولة لاستمالة قلوب قريش المعروفة باعتمادها على التجارة. ويبدو أن هذا القرار نجح على المدى البعيد.
غير أن الأهمية الاقتصادية للحج تراجعت في عصر الفورة النفطية، وخاصة منذ سبعينات القرن الماضي عندما انهالت على السعودية أموال البترودولار بطريقة لم يكن أحد يحلم بها. فبفضل ارتفاع أسعار النفط العالمية ومعدلات الإنتاج كانت السعودية خلال الفترة 2010 وحتى 2014 تجني نحو مليار دولار يوميا. وإزاء هذا المبلغ الخيالي كانت إيرادات الحج تبدو متواضعة للغاية. غير أن انهيار أسعار النفط منذ منتصف عام 2014 يمكن أن يؤدي إلى تغيير هذا الوضع، لا سيما وأن المملكة أنفقت عشرات المليارات في مشاريع توسيع البنية التحتية لمناسك الحج والتي تولت تنفيذها مجموعة بن لادن العملاقة. وبعكس الفكرة السائدة عن الوهابية وميلها للبساطة والتواضع فإن هذه المشاريع تميزت بالبذخ والأبهة وتضمنت بناء فنادق فاخرة من خمسة نجوم تطل على الحرم المكي وتكلف الغرفة الواحدة هذه الأيام أكثر من ألف دولار لليلة. ولا يبدو أن القيادة السعودية تشعر بالحرج إزاء طغيان الطابع التجاري على مراسم الحج طالما أن هذه الأموال تعيد إلى البلد جزءً من الأموال المستثمرة وتساعد في تخطي الأزمة المالية الحالية. في المقابل يرى الكثير من الحجاج في سفره إلى الديار المقدسة رحلة فيها الكثير من المغامرة وتنطوي أيضا على جانب ترفيهي.
ويبدو أن فترة الرخاء النفطي لم تُفقد "ذرية إبراهيم" الحس التجاري. فأهالي مكة ينتظرون موسم الحج كل عام لتحقيق أكبر قدر ممكن من الإيرادات وبما يكفي لتغطية الكساد المنتظر في بقية الأيام. وعندما يحتشد الحجاج بالآلاف لرمي الجمرات عند صعيد منى، يستغرب العديدون منهم الحضور المكثف لباعة الأحذية هناك. ولكن هذه الاستغراب سرعان ما يتحول إلى شعور بالشكر عندما يفقد البعض حذائه بسبب الزحمة الشديد أو يدفعه حماسه الديني لاستخدام حذائه سلاحا ضد "الشيطان". غير أن منافع الحج لا تقتصر على ازدهار تجارة الأحذية تحت حراسة أعين "الشيطان" فحسب، بل تشمل قطاعات كثيرة. وتقدر الدراسات إيرادات الحج الإجمالية حاليا بقرابة عشرين مليار دولار، هذا إضافة إلى توفير فرص العمل لعشرات الآلاف من السكان المحليين. وهو مؤشر مرشح للزيادة في ظل الخطط الطموحة للأمير الشاب محمد بن سلمان المرشح لوراثة لقب "خادم الحرمين الشريفين".
وحتى لا يُترك شيء للصدفة، فقد زُود كل حاج هذا العام بسوار ألكتروني يحمل كل بياناته. وهكذا يطوف الحاج بالكعبة تحت حراسة و"بركة" مزدوجة من السماء، من قبل رب البيت ومن قبل الأقمار الصناعية. ومثل هذا الإجراء لن يوفر "الشفافية" اللازمة لمراقبة تحركاته أمنيا، وإنما يمكن أيضا أن يساهم في معرفة رغباته الاستهلاكية، وهل يفضل شراء الأحذية أو ماء بئر زمزم أم التحف وسجادات الصلاة أو أنه يملك قوة شرائية تتيح له التبضع في سوق الذهب الشهير في مكة.
ولا يستبعد أن الأهمية الاقتصادية المتزايدة للحج تلعب أيضا دورا في تأجيج الخلافات السعودية-الإيرانية. فبعد منع الإيرانيين من المشاركة في الحج هذا العام أفتى المرشد الإيراني علي خامنئي بجواز "الحج" إلى مراقد أئمة الشيعة. ومن المؤكد أن هذا القرار يأتي في صالح السياحة الدينية في العراق الذي استقبل مئات الآلاف من الزوار الإيرانيين في فترة غير مألوفة. وقد أثار القرار الإيراني غضب وسائل الإعلام الممولة سعوديا التي رأت فيه محاولة لشق صف المسلمين ولتبديل "قبلتهم"، كما فعل محمد بعد هجرته إلى يثرب. ويُرجح أن هذه المخاوف لا تعود لأسباب دينية ومذهبية فقط وإنما لدوافع اقتصادية أيضا. فكربلاء والنجف مثلا تملكان قدرة تنافسية يمكن أن تزاحم مكة وربما تتفوق عليها أيضا نظرا لأن لقب "زائر" للمراقد الشيعية المقدسة يمكن الحصول عليه في أي يوم من أيام السنة، بينما يرتبط الحج في مكة "بأيام معلومات".