رواية ”سان دني“ لعلي مصباح : تاريخ جيل من المهاجرين

ضياء البوسالمي
2016 / 9 / 10

بداية و نهاية
عنوان الرّواية : سان دني
عدد الصّفحات : 367
تاريخ الصدور : 2015
دار النّشر : منشورات الجمل / بيروت
عندما تنتهي من رواية ”سان دني“ لعلي مصباح، تستطيع أن تعود لتتذكّر كلّ التّفاصيل التي عرضها و الأحداث التي سردها، تستطيع أيضا أن تخزن هذا الكمّ الهائل من الذّكريات المسكوبة في هذه الرّواية لتهضمها ببطء. إنّها بمثابة وجبة دسمة، تتطلّب التّأني لكي يستطيع القارئ إستيعابها و الرّبط بين شخصيّاتها و إستحضار رمزيّة أماكنها. فعلى إمتداد 36 فصلا يمتطي مصباح قلمه و يطلق العنان لذاكرته لينقلنا إلى عالم مليء بذكريات الشباب و هو ما يضفي على الرواية طابعا خاصا فهي كآلة عجيبة تعود بنا إلى الماضي أين يقبع الكاتب منتظرا ليحكي لنا قصصه، مغامراته و معاناته ومن خلالها معاناة جيل كامل.
عن الهجرة و أشياء أخرى
تبدأ الرواية في أولى فصولها بوصف دقيق لمشهد تكرّر آلاف المرات و موقف يعرفه الشباب المهاجر في سبعينات و ثماينات القرن الماضي إذ يسعى مصباح لنقل و رصد أهمّ الصراعات النفسيّة التي يعيشونها و الحالة المزرية التي يعاني منها شباب تونسي لم يمض على ستقلال بلاده سوى عشرين سنة. كأنّ الكاتب أراد تخليد الإحساس و الإمساك بهذا المشهد ليكون بمثابة شاهد على عصره يبعث برسائل تحذير وتذكير إلى أجيال ستأتي بعده. لقد عمد علي مصباح إلى البحث في أعماق الشخصيات ليخرج لنا ما خفي في بواطنها و يكشفها للقارئ دون أيّ خجل أو خوف من ”النقد الذاتي“ الذي قضّ مضجع بطله. إنّ نظرتنا لجيل الكاتب ستتغيّر حتما بعد هذه الرواية، شباب ضائع بين ثقافتين ممزّق بين الرغبة في الهجرة و بين الحنين إلى الوطن فإذا هو معلّق في ”منزلة بين المنزلتين“ متشظّي الكيان شاهدا على التّطور و الحضارة من جهة و التخلّف و الرّجعيّة من جهة أخرى. هذه الوضعيّة الصّعبة ستولّد نفسيّات مأزومة باحثة عن الخلاص بطرق شتّى، وهو ما يفسّر تعدّد الشخصيّات و إختلاف إهتماماتهم. إنّ أهميّة هذه الرواية – إضافة إلى أنّها وثيقة تأرّخ لحقبة تَحَوُّلٍ في حياة الشّباب التونسيّ الثّائر – تكمن في إختلاف الرّؤى و التفسيرات المتعدّدة للعالم، وهذا في الحقيقة لا يدلّ إلاّ على إلمام مصباح بأدقّ حيثيّات، تفاصيل و مشاغل جيله ليترجمها بعد ذلك شخصيّات كانت بمثابة المرآة العاكسة لحياة جيل بأكمله. كأنّ البداية واحدة و النهيايات مختلفة، يصوّر لنا مصباح تونس كنقطة إنطلاق و فرنسا أرض الوصول أين نجد من إتّخذ الإبتزاز و الإجرام سبيلا و من كان طالبا للعلم في أعرق الجامعات الفرنسيّة مرورا بذلك الذي يعاني أزمة وجوديّة دون أن ننسى الثّائر المدافع عن العدالة و الحالم بمدينة فاضلة. كلّهم جمعهم الكاتب تحت سماء باريس و أقحم نفسه بينهم ليصوّر معانتهم، أزماتهم، علاقاتهم المعقّدة، أفراحهم و نجاحاتهم. رواية ”سان دني“ – كما يوحي عنوانها الذي يرمز إلى منطقة مليئة بالمهاجرين – هي إطلالة على المعاناة التي يعيشها العملة الذين إرتطمت أحلامهم بصخرة الواقع فأصبح البقاء هو هدفهم الرّئيسي و إستسلموا للبحث عن “دْوِيرَة“، “خْدِيمَة“ و ”كْرِيهْبَة“ كما كانت أحلام محرز إحدى شخصيّات الرّواية.
لا بدّ من عمل أيّ عمل. تأمين البقاء أوّلا. ولا شيء أكثر من البقاء. تأمين البقاء هو الغاية الأولى، و أحيانا غاية الغايات. أفق الأحلام قد تقلّص حتّى صار حدّه النهائيّ ملاصقا للأنف؛ لا شيء غير الحرص على تأمين البقاء. صندوق الأحلام والمشاريع قد أغلق و ألقي بالمفتاح في قاع بئر عميقة قد تكون مسكونة بالأفاعي. شيء شبيه بورطة تبدو أحيانا بلا خلاص أو أيّ أمل في الخلاص.
اليسار و أحلام الثّورة !
لم يتطرّق علي صباح في روايته إلى المعاناة التي يعيشها المهاجرون فقط بل ركّز كذلك على الصّرااع الإيديولوجي القائم بينهم معع تسليط للضّوء على وضعيّة اليساريين آنذاك. فببوصفه لحلقات النّقاشات و الإجتماعات بينهم يُطْلِعُنَا الكاتب على تلك ”السّذاجة الفكريّة“ التي يعاني منها اليسار عموما و اليسار العربي خصوصا. فقد كانت الشّخصيات تحلم بثورة تقلب النظام الرأسمالي و تحقق العدالة في إشارة إلى جيل كامل آمن بهذه الأفكار الطوباويّة و التي جعلته مغيّب عن واقع الحال، مهملا لكلّ حسّّ نقدي ملتزما بالولاء الحزبي و الإنظباط الإيديولوجي. يلجأ مصباح إلى السّخرية من هذه الأفكار و من ذلك الحماس ”الططفوليّ“ و يوجّه سهام النّّقد لأبناء جيله. إنّ المتمعّن في شخصيّات الرواية، يمكن أن يلاحظ بسهولة هذا الجانب السّاذج الذي سعى مصباح إلى كشفه و تعريته فالشباب المهاجر لمم يصل إلى فرنسا بهدف إقامة الثّورة و الحديث عن الإشتراكيّة و العدالة و المساواة و إنّما تأثّروا بالخطابات الرنّانة و الشّعارات المؤدلجة و هذه الحقيقة تأتي على لسان البطل:
أعود إلى الحيّ الجامعي لألتقي من جديد بالشّباب المتحمّسين ليل نهار لقضايا الثّورة و الإشتراكيّة و العدالة الإجتماعيّة و المساواة. أنغمس من جديد في النّقاشات التي لا تنتهي حول الماركسيّة اللّينينيّة و الصّراع الطبقي، و طبيعة التّناقضات التي تشقّ مجتمعات العالم الثّالث، طبيعة المجتمع التونسي، مسائل الإستراتيجيا و التّكتيك الثّوري، كتابات لينين و ماوتسي تونغ … ربّما لم تكن إدّعاءاتنا خلية من الكذب فعلا. ربّما كنّا نكذب على أنفسنا في المقام الأوّل.
إن كان الإغتراب و الهروب من الواقع و محاولة تغييره هي العوامل التي جمعت هؤلاء الرّفاق و وحّدت مصيرهم فإنها لم تصمد أمام الخلافات المتكرّرة لتولّد صراعا داميا بين ”الإخوة الأعداء“ و هي فترة ينقلها علي مصباح بكثير من الأسى لأنّها حقبة الإنقسامات و الإنشقاقات و الكره و الحقد. ”برزت أحقاد لا ندري أين كنّا نخبّؤها. الكراهيّة و العداوة التي كنّا نشحذ سكاكينها معا ضدّ خصوم خارجيّين كنّا نسمّيهم أعداء إنقلبت علينا الآن. هي بداية النّهاية بالنّسبة لجيل بأكمله إستيقظ من أحلامه ليصطدم بالواقع و ليشهد على إنهيار الإيديولوجيا … و عندما تتبخّر كلّ الإيديولوجيّات و تمحى آثار الثّورات بثورات أخرى مناقضة تنقرض بدورها، لن يبقى غير هذا العمل. مشروع العمر يا صاحبي !“
مصباح و الأدب النّيشوي
يسهل على القارئ – بعد الإنتهاء من هذه الرّواية – رصد أهمّ الإشارات النيتشويّة المبثوثة في كامل النّص و التي تبرز تأثّر الكاتب بفيلسوف المطرقة (الذي ترجم جلّ أعماله) فالشّخصيات الرئيسيّة و خاصة البطل تطلب التغيير و تنشده، ذلك التّغيير الجذري الذي يهدم كلّ تجربة سابقة و يعيد البناء ن جديد. كأنّ علي صباح يكتب أدبا نيتشويّا، يعود من خلاله ليقف على ذكريات جيلٍ – يبدو مثاليّا في أعين الكثيرين – ليهوي عليها ”بقلمه-المطرقة“ فاضحا هيناته و محطّما كلّ ثوابته و هذا بمثابة تحذير للأجيال القادمة لكي لا تقع في نفس الأخطاء فالتغيير هو الحلّ ”فعلى الثعبان أن يغيّر جلدته بالكامل“.