واقع ومشكلات حركة اليسار على الصعيدين العالمي والعربي , اليسار العالمي والموقف من مشكلات العالم الرأسمالي (2-4)

كاظم حبيب
2016 / 9 / 10

حين يتابع الإنسان حركة اليسار على الصعيد العالمي، سيجد أنها وخلال الأعوام المنصرمة حققت بعض النجاح في بعض دول أمريكا اللاتينية، وهي تحاول البناء على ذلك لتوسيع قاعدتها وتحسين قدراتها والدفع بها إلى الأمام، ولكنها لا تزال دون المستوى المطلوب الذي كانت عليه في فترات سابقة. وهي تتحرك في محاولة لمعالجة الأزمة الفكرية والسياسة بصورة جادة، ولكنها ما تزال تعاني منها نسبياً. خاصة وهي تواجه وحدة صارخة لقوى اليمين في مقابل ضعف الوحدة لقوى اليسار والتقدم.
إن القاعدة الاجتماعية لقوى اليسار في العالم كبيرة جداً من الناحية الموضوعية، وتشكل ما يزيد عن 85% من مجموع سكان المعمورة، ولكن نسبة عالية منها لا تساهم في عملية تغيير هذا العالم، لأنها ما تزال بعيدة عن المسرح السياسي والاجتماعي والثقافي، وعن التعليم بشكل خاص، ونسبة عالية منها بعيدة عن إدراك عمق الأزمة التي تعيش فيها والمحن التي تواجهها نتيجة تأثير الفكر الديني التخديري المباشر والبالغ الضرر عليها، والمشوه والمزيف لوعيها بواقعها الرث القائم، وتطلعها الدائم إلى العيش في حياة أخرى هانئة في العالم الآخر، عالم ما بعد الموت!! فمقولة شيوخ الدين ما تزال راسخة جداً في رؤوس الملايين من البشر: "من يتعذب أكثر في دنياه، يعيش مرفهاً أكثر في آخرته!!". وكم كان كارل ماركس صادقاً مع نفسه ومع البشرية حين أكد استناداً إلى هذا التثقيف المشوه "الدين أفيون الشعوب"!! إذ ليس هناك من يربح من هذا التثقيف المبتذل والمقصود غير الأغنياء والميسورين والمستغلين والمتحكمين بالاقتصاد العالمي والإقليمي والمحلي، فهم الذين يروجون لمثل هذا الرأي المبتذل وهم بالذات لا يعملون به أبدا!!!
ولهذا لا بد لقوى اليسار من العمل الدؤوب والجاد مع هذه القاعدة الشعبية والاجتماعية الواسعة وتنشيط دور المثقفات والمثقفين ليزيدوا من اهتمامهم بهذه العملية التنويرية المعقدة والطويلة والصبورة، التي يفترض أن تكون كثيفة ومستمرة ومتنامية.
إن مناهج التحليل التي وضعتها القوى اليسارية والنظريات التي وضعتها استناداً على تلك المناهج، وخاصة المنهج المادي الديالكتيكي والمادي الجدلي، يفترض أن تغتني وتتطور في القرن الحادي والعشرين بالاستفادة من ثلاث مسائل جوهرية: 1) الثورة العلمية والتقنية، ثورة الإنفوميديا، ثورة المعلومات والاتصالات وتأثيراتها المباشرة وغير المباشرة على مستوى تطور القوى المنتجة البشرية والتغيرات الجارية في البنية الطبقية للمجتمع؛ 2) استيعاب الواقع الموضوعي القائم بتعقيداته وتشابكاته الكثيرة والعوامل الدولية والإقليمية والمحلية المؤثرة فيه والمتبادلة التأثير؛ 3) التجارب الغنية التي مرَّت بها حركة اليسار العالمية خلال القرن العشرين، والتي اختبرت بها مناهجها ونظرياتها وبرامجها الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. ويفترض أن يساعد كل ذلك على صياغة الأهداف الآنية والمتوسطة وذات المدى البعيد أو الآفاقية، بعيداً عن التحليق في فضاءات وردية دون امتلاك القدرة للوصول إليها في المدى المنظور، ولا النكوص إلى الوراء.
إن قوى الاستغلال في العالم الرأسمالي المتقدم لا تزال متوحشة في رغبتها الجامحة لاستغلال شعوبها وشعوب الدول النامية، وهي التي تتجلى في مستوى الأرباح التي تحققها سنوياً من خلال العمليات الإنتاجية، أو المضاربة في الأسواق المالية، أو نتيجة احتكار أسواق وسلع بعينها، أو نتيجة سيطرتها على الاستثمارات الرأسمالية، وكذلك الهيمنة على براءات الاختراع والتقنيات الحديثة.. الخ. وهي التي تتسبب في المزيد من التناقضات والصراعات والنزاعات على الصعد المحلية والإقليمية والعالمية، وهي التي تخلق في الوقت ذاته الأرضية الصالحة لعمل قوى اليسار في جميع أرجاء المعمورة. ولكن على قوى اليسار تقع مسؤولية إيجاد السبل والوسائل والأدوات والآليات المناسبة والخطاب السياسي العقلاني المتجدد، لتحريك الجماهير الواسعة للنضال من اجل مصالحها، التي لا تشمل العمال والفلاحين حسب، بل والكسبة والحرفيين والمثقفين والعاطلين عن العمل والمشردين من النساء والرجال، كما إنها تشمل في الدول النامية البرجوازية الوطنية والبرجوازية الصغيرة بكل فئاتها، التي تواجه العنت والمحاربة من الرأسمال الأجنبي ومن الفئات المحلية المتحالفة معه. والسؤال الذي يطرح نفسه: ما العمل؟
من أجل أن تستعيد قوى الحركة اليسارية على الصعيد العالمي دورها ومكانتها في النضال من أجل عالم أكثر أمناً واستقراراً وسلاماً وأكثر عدلاً وسعادة لبني البشر، من أجل الاشتراكية على المدى البعيد، لا بد لها أن تعيد النظر ببرامجها النضالية على المستويات الدولية والإقليمية والمحلية، من خلال دراسة التجارب المنصرمة وأسباب النجاحات التي تحققت في المسيرة الطويلة منذ ما يقرب من قرنين من السنين، وأسباب الإخفاقات التي تعرضت لها والنكسة الكبيرة التي رافقتها خلال العقود الثلاثة المنصرمة على نحو خاص، والأزمة الراهنة التي تمر بها. كما يتطلب الأمر تشخيص المشكلات التي تجابه البشرية بشكل عام على الصعيد الدولي، وأسبقيات النضال في المرحلة الراهنة وعلى مدى العقدين القادمين مثلاً.
إن الكف عن التفكير بخلق مركز للحركة اليسارية، لا يعني الكف عن التشاور بين مكونات وأطراف هذه الحركة على الصعيدين الإقليمي والعالمي، دون وضع عراقيل أو رفض مشاركة هذا الطرف أو ذاك منها، أو محاولة فرض طرف رأيه على الأطراف الأخرى، إذ أن التشاور والتداول والتفاعل أمر ضروري والتقارب يساهم في بلورة الاتجاهات العامة التي يمكن أن تسير فيها الحركة اليسارية دون إلزام لأي منها بذلك، إضافة إلى الاختلافات في الظروف والشروط المحلية لكل حزب أو جماعة من مكونات هذه الحركة الواسعة.
ويبدو لي أن اهتمام الحركة اليسارية على الصعيد العالمي يفترض أن يتوجه صوب النقاط التالية في المرحلة الراهنة، والتي يكون في مقدورها تعبئة المزيد من الرأي العام العالمي حولها من جهة، مع ضرورة قيام كل طرف من أطرافها في ربط تلك المهمات الدولية بالمهام الإقليمية والمحلية بصورة عضوية وفعالة من جهة ثانية، لخلق التناغم والانسجام في الحركة العامة، إذ أن مستويات تطور البلدان متباين بصورة كبيرة، وخاصة بين الدول الرأسمالية المتقدمة، والتي تشكل مراكز العالم الرأسمالي، والبلدان التي هي على حافة التحول صوب الرأسمالية، والبلدان النامية، التي تشكل محيط تلك المراكز والمُستغلَة فعلياً منها.
تبرز أمامنا مهمات كونية مثل:
** مخاطر وجود أسلحة الفتك والدمار الشامل، وخاصة الأسلحة النووية والكيمائية والبيولوجية، في الكثير من دول العالم وسبل منع انتشارها أولاً، والعمل على إزالتها من جميع الدول صغيرها وكبيرها.
** رفض شن الحروب والعنف واستخدام السلاح، ومنع استمرار سباق التسلح في العالم، الذي يهدد المزيد من البشر بالموت المحقق، ومن أجل حل المشكلات والنزاعات حول الحدود والمياه والمشكلات الأثنية والحقوق القومية للشعوب، إضافة إلى معالجة القضية الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية والصراع العربي–الإسرائيلي، بالطرق التفاوضية السلمية وعبر المؤسسات الشرعية والإقليمية والدولية على أسس ديمقراطية وعادلة، وإلزام دولة إسرائيل بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي كافة، والتي اتخذت حتى الآن موقف الاستهانة الكاملة بهذه المؤسسات الدولية وعدم احترام لقراراتها ومصالح الأمن والسلام في منطقة الشرق الأوسط والعالم.
** العمل على مواجهة تفاقم الاحتباس الحراري والتغيرات الجارية على البيئة الدولية، بسبب تفاقم التلوث بمختلف مكوناته، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بتغيير نمط الحياة الاستهلاكية المتفاقمة في البلدان المتقدمة بشكل خاص. ولا بد من تشخيص حقيقة تفاقم الكوارث الطبيعية في العالم، نتيجة الاستخدام غير العقلاني للثروات الطبيعية ونزعة الاستهلاك الموغلة بالتبذير والركض وراء معدلات النمو والربح من تلك القوى التي تستغل الطبيعة والإنسان أسوأ استغلال وترفض التعامل مع مشكلات البيئة تعاملاً حضارياً وإنسانياً.
** مع القناعة بان ظاهرة العولمة ليست سوى مرحلة جديدة من مراحل تطور الرأسمالية موضوعياً على الصعيد العالمي، وإنها من حيث المبدأ ليست ظاهرة سلبية بل هي حتمية مرتبطة بمستوى تطور القوى المنتجة المادية والبشرية والثورة العلمية الهائلة في التقنيات والاتصالات (الإنفوميديا)، ولكن لا بد من التصدي للسياسات العولمية التي تمارسها الدول الرأسمالية المتقدمة، وإزاء شعوب الدول النامية، إذ إنها تعبر عن نفس جوهر السياسات الاستغلالية للرأسمالية العالمية في مرحلة الاستعمار القديم، التي تعتمد، ومنذ أكثر من عقدين، سياسات اللبرالية الجديدة ذات النهج العنفي والعدواني في التعامل مع شعوب البلدان النامية على نحو خاص، وإزاء شعوبها والفئات الكادحة منها على نحو صارخ. ورغم صعوبة هذه العملية إلا إن في مقدور الدول النامية، وعبر إعادة إحياء منظماتها الدولية السابقة والقائمة، التي يستوجب تطوير مضامينها بما يتناسب والتغيرات الحاصلة في العالم، أن تحقق نتائج إيجابية لتقدمها بوتائر أسرع وتحسين ظروف حياتها ومشاركتها في التنمية وتحسين حصتها في الإنتاج والاستهلاك والتبادل التجاري الدولي وفي توزيع وإعادة توزيع الدخل القومي، وتقليص سلبيات السياسات المبنية على هذه الظاهرة الموضوعية على شعوب البلدان النامية وكادحي الدول الرأسمالية المتقدمة.
** إن العالم الذي نعيش فيه عالم واحد، ولكنه منقسم إلى عالمين مختلفين وغير متكافئين ومتصارعين، عالم الدول المتقدمة والغنية المكون من 20% من نفوس شعوب العالم والذي يهيمن على 80% من الثروات المنتجة في العالم، وعالم الدول النامية والمتخلفة والفقيرة المكون من 80% من نفوس شعوب العالم، ولا يحوز إلا على 20% من الثروات المنتجة في العالم. كما أن كل بلد من بلدان هذين العالمين تتوزع الثروة في مجتمعاتها بصورة غير عادلة ومجحفة، فئات قليلة غنية ومتخمة، وفئات كبيرة وكثيرة فقيرة ومحرومة. كما أن مكانة ودور البلدان النامية في التقسيم الدولي الرأسمالي للعمل وفي التجارة الخارجية، وخاصة الصادرات، ضعيفة جداً وغير متوازنة وغير متكافئة. وتلعب المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة الدولية الحرة دوراً سلبياً على اقتصاديات الدول النامية والتي يستوجب تغييره لصالح هذه البلدان.
** ويتبلور هذا الواقع في الفجوة الكبيرة جداً ليس في التباين الشديد والفجوة العميقة بين مستوى حصة الفرد الواحد من الدخل القومي في كل من هذين العالمين حسب، بل وبالأساس في مستوى تطور القوى المنتجة، وطبيعة علاقات الإنتاج السائدة في كل منها، ومستوى تقدم أو تخلف البحث العلمي واستخدام التقنيات الحديثة والتصنيع وتحديث الزراعة ومستوى التعليم والأمية...الخ، إضافة إلى أن التباين الشديد والمختل في تقسيم العمل على الصعيد العالمي.
** من هذا الواقع غير العادل ومن مستوى التخلف الحضاري وغياب التنوير الديني نشأ وتطور التعصب والتزمت والتطرف الديني، والذي نشأ عنه الإرهاب الديني وانجرار جماعات غير قليلة من البشر إليه، وخاصة في الدول التي أكثرية سكانها من المسلمين. حتى في الدول الريعية المالكة للنفط الخام أو موارد أولية استراتيجية أخرى يلاحظ وجود فجوة كبيرة جداً في الدخول السنوية، مما يسهم في إشاعة التعصب الديني وبروز حاد لظاهرة الإرهاب. ولا شك في أن هناك دولاً تمارس هي الإرهاب الفكري وتتنافس مع تلك القوى الإرهابية في سياساتها المنافية لحقوق الإنسان والحياة العامة والديمقراطية.
** إن السياسات التي تمارسها الدول الرأسمالية المتقدمة على الصعيد العالمي، والجموح الجشع لتحقيق المزيد من الأرباح على حساب الإنسان والطبيعة وتفاقم سياسات المضاربات المالية والفساد المالي المتعاظم على الصعيد العالمي، تؤدي إلى تفاقم حالة الإخلال بالقوانين الاقتصادية الموضوعية، والتي تنشأ عنها أزمات اقتصادية دورية وأزمات مالية واقتصادية عامة وشاملة على الصعيد الدولي، كما حصل في الأزمة المالية-العقارية، التي بدأت في العام 2008 بالولايات المتحدة وامتدت إلى العالم الرأسمالي كله، والتي ما تزال عواقبها فاعلة حتى الآن. مع واقع بروز إمكانيات أفضل للسيطرة على هذه الأزمات الدورية وغيرها دولياً بحكم واقع العولمة الجارية، ولكن عواقبها الشرسة تقع على عاتق كادحي الدول الرأسمالية المتقدمة ومنتجي الثروات والفقراء فيها أولاً، وعلى عاتق شعوب الدول النامية والكادحين فيها على نحو أخص. وهو ما عاشت في أجوائه شعوب العالم خلال السنين المنصرمة وما تزال مستمرة.
** إن العالم الرأسمالي الذي أُجبر في سنوات الحرب الباردة على المساومة مع الطبقة العاملة والفلاحين والمثقفين ومع فئات التكنوقراط، والتي تجلت في مكاسب جيدة تحققت لها في مجال تقليص ساعات وأيام العمل والأجور والضمان الصحي والاجتماعي وضمان الشيخوخة والعجز والعطل السنوية وتحسين ظروف العمل والسكن ومشاركة النقابات في الكثير من القضايا التي تمس العمل والعمال، فأن نهاية الحرب الباردة بين الدول الرأسمالية والدول الاشتراكية وانهيار النظم السياسية في الدول الأخيرة، قد أنهى روح الاستعداد للمساومة لدى أصحاب رؤوس الأموال إزاء مطالب العمال والمنتجين الآخرين والمثقفين، (عدا الفئات العليا من التكنوقراط)، وبدأت روح الجشع ورفض المساومة والإصرار على تحقيق أقصى الأرباح على حساب العمل الأجير. وهي سلبيات بدأت تبرز منذ العقد الأخير من القرن العشرين ولا تزال متواصلة في الواقع المعاش بشكل صارخ، كما سلبت الكثير من تلك المكاسب تدريجاً وعلى مراحل قصيرة خلال الفترة المذكورة، مما يجعل وضع المهمات الاجتماعية ضمن برامج حركة اليسار مهمة آنية وضرورية.
** ويمكن تشخيص جملة من الظواهر السلبية المتفاقمة في هذه المرحلة من تطور المجتمع البشري، منها بشكل خاص انتشار الفساد المالي والإداري في هذا العصر وتنامي عصابات الجريمة المنظمة في مجال المتاجرة بالمخدرات والجنس وغسيل الأموال وبأعضاء جسم الإنسان وتهريب البشر، إضافة إلى تفاقم الهجرة البشرية بسبب الحروب المحلية أو الإقليمية. وتزداد نسبة الجماعات البشرية التي تصبح ضحية لكل من هذه الممارسات وغيرها المخالفة لحقوق الإنسان.
** كما تتعرض المرأة في الكثير من بلدان العالم إلى الظلم والاضطهاد ومصادرة الحقوق وانعدام المساواة بين النساء والرجال، إضافة إلى تعرض الملايين من الأطفال إلى المزيد من الظلم والاضطهاد وفقدان الحقوق والعمل في سن الطفولة والصبا والمعاناة من سوء التغذية والجوع والحرمان من التعليم والحياة الثقافية.
** وتسجل إشكاليات الهروب من الحروب الأهلية والصراعات القبلية والتغيرات المناخية وتلوث البيئة والتصحر والانهيارات والجفاف والشحة والبطالة إلى حركة هجرة ولجوء واسعتين جداً في ما بين المناطق والأقاليم المختلفة والتي تشكل عبئاً ثقيلاً على البشر، وعلى المنظمات الدولية التي يفترض أن ترعى المهاجرين واللاجئين وغيرهم. وأخر المعلومات الدولية تشير إلى بلوغ العدد أكثر من 60 مليون إنسان هائم على وجهه في العالم.
** وإزاء كل هذه المشكلات، كيف يمكن تنشيط المؤسسات الدولية مثل هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، والمحكمة الدولية في لاهاي، ومحكمة حقوق الإنسان، واليونسكو، واليونسيف، ومنظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني، والكثير من المنظمات الدولية، مثل منظمة العفو الدولية، ومراقبات حقوق الإنسان، ومنظمات حقوق الإنسان الإقليمية والمحلية الأخرى، لتلعب دورها، الذي خبا لفترة غير قصيرة وأصبح لصالح الدولة الأعظم، الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى حساب دور ومكانة تلك المنظمات والشعوب.
إن تشخيص هذه المشكلات على الصعيد العالمي من جهة، ومعرفة قدراتها في التأثير وتحريك الرأي العام العالمي والحكومات المختلفة بأساليب وأدوات نضالية تفرضها ظروف كل مجتمع من جهة أخرى، يساعدان الحركة اليسارية على صياغة المهمات الآنية على الصعيد العالمي لخوض النضال من أجل حلها لصالح الإنسان والتقدم الحضاري والخلاص من الاستغلال، إذ إن كل فقرة من الفقرات الواردة في أعلاه يفترض أن تصاغ في مهمة أو أكثر لتكون البوصلة والهدف، وهما يؤشران طريق النضال على الصعيد العالمي.
كما أن الربط العضوي في ما بين المشكلات الدولية والإقليمية والمشكلات المحلية سيسهم في وضع برنامج متكامل مرحلي لقوى اليسار بصورة مستقلة في كل بلد من البلدان بشكل ملموس ودقيق وقابل للتحقيق، إنه الضمانة لقوى حركة اليسار في الابتعاد عن الهروب إلى أمام أو النكوص إلى وراء.
إن لقاءات بين قوى اليسار في كل من القارات الخمس أو أقاليم فيها لتنشيط التبادل الفكري والتجربة المتراكمة والنقاش والتفاعل سيساعد على بلورة شعارات تعبر عن تلك المهمات على الصعد الإقليمية أيضاً، ومتابعة تنفيذها، وليس من أجل خلق وحدة شكلية في ما بينها، بل من أجل التنسيق والتنوير العام لمهمات النضال، في حين عليها ان تمارس مهماتها بصورة مستقلة مع ضمان تحقيق التضامن في ما بينها. كما عليها أن تستفيد من تجربة الأحزاب الشيوعية والعمالية التي شابها الكثير من الخلل وضعف الاستقلالية إزاء الحزب الشيوعي بالاتحاد السوفييتي سابقاً وفي علاقاتها ونشاطها الراهن والمستقبلي.