واقع ومشكلات حركة اليسار على الصعيدين العالمي والعربي

كاظم حبيب
2016 / 9 / 8

المفردات
عوامل انتكاسة حركة اليسار على الصعيد العالمي 1
(2) 6
اليسار العالمي والموقف من مشكلات العالم الرأسمالي 6
(3) 12
واقع ومهمات قوى اليسار في الدول العربية 12
(4) 17
المهمات المباشرة لقوى اليسار بالدول العربية 17

عوامل انتكاسة حركة اليسار على الصعيد العالمي (1-4)
واجهت مجمل حركة اليسار وأحزابها السياسية على الصعيد العالمي انتكاسة شديدة بدأت زاحفة بصورة سريعة مع الثلث الأخير من القرن العشرين، وتواصلت بوتائر أسرع مع بداية القرن الحادي والعشرين منزلة خسائر كثيرة وكبيرة في قوى هذه الحركة من الناحيتين الفكرية والسياسية، ومشيرة إلى حصول تراجع شديد في قدرة قوى الحركة في التأثير على الفئات الاجتماعية، وخاصة تلك التي تسعى للتعبير عن مصالحها الراهنة والمستقبلية. وكان انهيار الاتحاد السوفييتي ومعه بقية بلدان المنظومة قد دفع بحركة اليسار إلى المزيد من التراجع، إذ أنها كانت بمثابة الزلزال الذي هزَّ الأحزاب الشيوعية في مختلف بلدان العالم بشكل خاص، ولكنه مسَّ أيضاً بقية قوى اليسار بالعالم بعطب شديد. والذي ما يزال، رغم مرور أكثر من ربع قرن على ذلك، يلعب دوره السلبي في دور ومكانة وتأثير الأحزاب الشيوعية خصوصاً واليسار بشكل عام. يضاف إلى ذلك محاربة النظم والقوى السياسية اليمينية والشوفينية والمتطرفة لقوى اليسار، وخاصة في الدول النامية، متعاونة في ذلك مع الدول الكبرى المناهضة للفكر اليساري عموماً والقوى الحاملة للفكر الاشتراكي ورفض استغلال الشعوب.
لم تكن هذه الانتكاسة غير واضحة المعالم لعدد غير قليل من الباحثين والمتابعين لحركة اليسار في العالم، كما لم تكن مفاجئة لهم، إذ كانت مؤشرات ذلك قد برزت بشكل جلي منذ ستينات وسبعينات القرن العشرين، إذ قدرَ الكثير منهم أن جموداً عقائدياً فعلياً في الفكر والممارسة قد حل بالأحزاب التي تبنت الماركسية-اللينينية والتي ساهمت بأدوار ونسب متباينة في تشويه النظرية الماركسية في الممارسة العملية، ليس في الدول الاشتراكية حسب، بل وفي جميع أو غالبية الأحزاب الشيوعية والعمالية القائمة في مختلف دول العالم. وقد نشأ عن ذلك أزمة فكرية عميقة شملت الحركة الشيوعية والعمالية العالمية وأحزابها السياسية وبقية مكونات الحركة اليسارية العالمية. كما تجلى في عجز قوى هذه الحركة عن إدراك واقع وطبيعة وعمق هذه الأزمة وأبعادها، والعواقب المترتبة على استمرارها، وغياب الاستعداد الفعلي على الاعتراف بوجودها، وما نجم عن ذلك من ابتعاد فعلي عن مواجهتها ومعالجتها. وأدى ذلك إلى استفادة العالم الرأسمالي من كل ذلك، وسعيه إلى تعميق الهوة وتوسيعها، ونشر الحقائق عما كان يجري في بلدان المنظومة الاشتراكية من أخطاء ونواقص وفساد وبيروقراطية وتجاوز فظ على حقوق الإنسان وحقوق القوميات والجمهوريات، السوفييتية، وسوء إدارة وتنظيم، وتراجع شديد في العملية الاقتصادية، بسبب الإهمال أو التعسف والابتعاد عن الفهم الواقعي والتعامل السليم مع القوانين الاقتصادية الموضوعية وقوانين التطور الاجتماعي الموضوعية، إضافة إلى إهمال مصالح المجتمع، والغوص في المصالح الذاتية والانتهازية. وعلينا هنا أن نشير إلى الفخ الذي سقط فيه الاتحاد السوفييتي في دخول القوات السوفييتية إلى افغانستان واستنزافها إلى ابعد الحدود واضطرارها إلى الانسحاب غير المنظم بعد فوات الآوان.
وبما إن الدول الاشتراكية لم تنشر أو تنتقد الأخطاء الفادحة التي ارتكبتها على الصعيدين الداخلي والدولي، فقد فسح هذا في المجال للدول الرأسمالية إلى طرح مبالغات كبيرة، رغم وجود تلك الأخطاء والنواقص والاختلالات التي قادت في المحصلة النهائية إلى انهيار تلك النظم من الداخل أساساً، وليس بفعل العامل الخارجي رغم أهميته ودوره النسبي.
لقد أدى انهيار المنظومة الاشتراكية إلى عواقب بالغة الضرر ليس بتلك الأحزاب والأعضاء والمؤيدين لها، نتيجة الإحباط الشديد، فحسب، بل إلى تشويه سمعة الشيوعية والاشتراكية وحركة اليسار، التي تعرضت إلى أضرار بالغة في أوساط واسعة من القوى الشعبية في مختلف بقاع العالم، والتي كانت تتوقع نتائج أخرى غير التي حصلت فعلاً.
لقد حاول العالم الرأسمالي والفكر البرجوازي الادعاء بأن الرأسمالية قد انتصرت وإلى الأبد، وأن الاشتراكية قد انتهت وإلى الأبد، وبرز كتاب في مختلف بقاع العالم يروجون لهذه الموضوعة الخاطئة. وفي الحقيقة لا الرأسمالية قد انتصرت، ولا الفكر الاشتراكي قد انهار. إن الانهيار قد أصاب تلك النظم السياسية التي ابتعدت عن الفكر الاشتراكي ومبادئ الاشتراكية، وعن الإدراك الواعي والاستيعاب الجيد والتعامل الذكي والموضوعي مع القوانين الاقتصادية والاجتماعية الموضوعية، وبالتالي، فأن انهيار الدول الاشتراكية لم يكن مأسوفاً عليه من قبل شعوبها. ومع ذلك فقد شكلت في الواقع التجربة الثانية والجديدة للفكر الاشتراكي وللمناضلين في سبيل الاشتراكية خلال الفترة 1917-1989 بعد تجربة كومونة باريس 1871.
علينا كمفكرين ومناضلين يساريين في إطار الحركة اليسارية العالمية أن نعترف بأننا ما زلنا نواجه ثلاث مشكلات جوهرية، وهي:
** إن حركتنا اليسارية ما تزال تعاني من أزمتها الفكرية والسياسية، رغم صدور عدد كبير من الدراسات الغنية في هذا المجال، والتي تتجلى في الفكر والسياسة بشكل خاص، والتي لم تُعالج عملياً إلى الآن، رغم اتخاذ جملة من الإجراءات الطفيفة التي لم ترق إلى مستوى المعالجة الجذرية والضرورية. وإنها لم تستطع إلى الآن إعادة علاقاتها الطبيعية مع فئات المجتمع، بل تعاني من جزر شديد غير منقطع. ويمكن أن نلاحظ ذلك في أوضاع الأحزاب الشيوعية في دول الاتحاد الأوروبي، ومنها فرنسا وإيطاليا، التي تعاني اليوم من تراجع شديد في شعبيتها وعلاقتها ودورها وتأثيرها في الحياة السياسية وفي حركة الجماهير الشعبية، بالمقارنة مع ما كانت عليه في الستينات والسبعينات من القرن الماضي وقبل انهيار الاتحاد السوفييتي وتفاقم أزمة الأحزاب الشيوعية والعمالية على الصعيدين العالمي والمحلي.
** وإن قوى اليسار في العالم والقوى المساندة لها ما تزال تعاني من إحباط شديد، بسبب سياسات الهروب إلى أمام، ومحاولة القفز فوق المراحل من الناحيتين الفكرية والسياسية، إضافة إلى جماهير واسعة أخرى لم تجد ما يساعدها لاستعادة ثقتها بحركة وقوى اليسار والنهوض من كبوتها بسياسات أكثر عقلانية وتعبئة لفئات المجتمع. ولا شك في أن هناك من أحبط كلية وتخاذل وترك الساحة النضالية اليسارية.
** وأن هناك قوى كثيرة ذات إيديولوجية مناهضة لحركة اليسار عموماً، ما تزال تسعى إلى تعميق الإحباط والتراجع في الحركة اليسارية، واستثمار الخشية من التجديد لدى قوى الحركة اليسارية على الصعيدين المحلي والعالمي، لتعريضها للمزيد من العزلة والهامشية والضعف. ومن الملاحظ إن قوى حركة اليسار لم تنتبه بعد بما يكفي لمثل هذا النشاط المناهض لها.
والغريب في الأمر إن الأزمة الأخيرة التي شملت العالم الرأسمالي كله، ومعه الدول النامية، ابتداءً من العام 2008، وكانت تتفاعل قبل ذلك بسنوات قبل انفجارها، والتي ما تزال بقاياها فاعلة في أغلب الدول الرأسمالية، كانت أعتا وأقسى من الأزمة العامة التي رافقت الرأسمالية في أعوام 1929-1933، ولكنها مع ذلك لم تستطع تحريك قوى اليسار وإنعاشها وتنشطها للعمل في صفوف الجماهير وإنهاضها لمواجهة القوى الرأسمالية على الصعيد العالمي والإقليمي والمحلي، من أجل تخفيف أعباء الأزمة على الجماهير الكادحة والمنتجة للخيرات المادية والروحية والقوى العامل المتزايدة العاطلة عن العمل.
في مقابل هذا الواقع تواجه شعوب العالم، مع غياب الدول الاشتراكية وضعف الأحزاب الشيوعية ومجمل حركة اليسار، إصراراً متنامياً من الدول الرأسمالية المتقدمة على:
** مصادرة المكاسب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية التي تحققت لشعوب الدول الرأسمالية في فترة الصراع بين الشرق والغرب، والسعي لتعميق الاستغلال الذي تتعرض له شعوبها، وخاصة القوى البشرية المنتجة للخيرات المادية والروحية، بمن فيهم الفئات المثقفة.
** غياب الاستعداد لدى القوى الرأسمالية على المساومة، التي مارستها قبل ذاك مع الطبقة العاملة وفئات الفلاحين والمثقفين، بل تحاول اليوم تشديد الاستغلال وتحقيق أقصى الأرباح على حساب العمل الأجير، سواء أكان جسدياً أم فكرياً.
** تراجع كبير في مستوى ممارسة الديمقراطية في الدول الرأسمالية المتقدمة، إذ أن الديمقراطية في هذه الدول تعاني اليوم من أزمة فعلية حادة، وتراجع في مصداقية الحياة السياسية والنخب السياسية الحاكمة، والعودة إلى استخدام القوة في مواجهة الشعوب النامية، أو طبقتها العاملة. كما إن التمثيل في المجالس النيابية لم يعد يساهم في الدفاع عن مصالح الناخبين ودافعي الضرائب، بل في مصلحة الاحتكارات الرأسمالية المحلية والعابرة للقارات (الكونية).
** ونتيجة لكل ذلك تتفاقم في واقع الحال الفجوة بين الأغنياء والفقراء من حيث الدخل السنوي ومستوى المعيشة ومستوى الخدمات الاجتماعية والحياة التعليمية والثقافية على الصعيد العالمي وعلى صعيد كل دولة أولاً، وتفاقم حجم البطالة في جميع دول العالم دون استثناء ثانياً، وتزايد عدد الأفراد الذي يحتاجون إلى مساعدة الدولة الرأسمالية للحصول على الحد الأدنى من العيش، مع تزايد عدد الفقراء والمعوزين وتزايد عدد الأطفال الذين يعانون من فقر عائلاتهم ثالثا، خاصة في تلك الدول النامية التي لا تقدم الدولة مساعدات ولا توجد ضمانات اجتماعية او صحية لتلك العائلات والأفراد.
** كما تتفاقم حالات الفساد المالي في غالبية دول العالم بدءاً من الدول المتقدمة ومروراً ببقية دول العالم تقريباً، مقترنة بتزايد عدد ودور وتأثير قوى الجريمة المنظمة في جميع المجالات وعلى الصعيد العالمي.
** ويشهد العالم عودة جديدة واضحة للحرب الباردة، حيث يزداد سباق التسلح بين الدول الكبرى، وكذلك الكثير من الدول الأخرى، وبخاصة في منطقة الشرق الأوسط، وتزايد عدد النزاعات والحروب المحلية، إضافة إلى تفاقم دور قوى الإرهاب، التي تبني وجودها وتعزز دورها وتأثيرها، في ظل غياب الديمقراطية والحريات العامة، وتفاقم الاستغلال والفساد المالي وغياب العدالة الاجتماعية، مما تسبب بدوره في غياب التنمية وتفاقم البطالة وانتشار قاعدة الفقراء والجهل والمرض في حياة ومعيشة نسبة عالية من شعوب الدول النامية، وخاصة الدول العربية ذات الأكثرية المسلمة، رغم غنى الكثير منها. وبذلك يزداد الاستعداد لممارسة العنف والقوة والسلاح في حل النزاعات الداخلية والإقليمية وفي انتشار التطرف الديني والمذهبي والسياسي وتزايد عمليات الإرهاب الدولي.
** والمعطيات التي تحت تصرفنا تشير بما لا يقبل الشك إلى التدخل الفظ للدولة الكبرى في شؤون الدول الأخرى، وخاصة في دول الشرق الأوسط، وبالتعاون المتين مع النظم الاستبدادية والرجعية وباسم الإسلام، والتي منها على سبيل المثال لا الحصر، المملكة العربية السعودية وقطر وتركيا وإيران وغيرها، والتي عملت فعليا وعلى العقود الأربعة المنصرمة على خلق ودعم وتنشيط وتوجيه المنظمات الدولية الإسلامية الإرهابية كالقاعدة وداعش وجبهة النُصرة وغيرها، التي تعتمد الأساليب والأدوات الفاشية في مكافحة الحركات الوطنية واليسارية والتقدم. وقد أدى كل ذلك إلى سقوط مئات الوف البشر قتلى وجرحى ومعوقين!
** وعلينا هنا ألَّا ننسى نهج وسياسات الدول الرأسمالية المتقدمة إزاء شعوبها وشعوب الدول النامية في إطار العولمة الرأسمالية التي تمارسها قوى اللبرالية الجديدة في إطار العولمة، والتي لا تتميز بتشديد الاستغلال وتحقيق أقصى الأرباح حسب، بل وفي ممارسة سياسة المقاطعة الاقتصادية والتهديد بالحصار الاقتصادي الشامل وشن الحروب المحلية. ودول الشرق الأوسط وشمال أفريقية تقدم الدليل الساطع على هذه السياسة العدوانية لقوى اللبرالية الجديدة الحاكمة في المراكز المتقدمة للرأسمالية الدولية.
إن هذه الظواهر السلبية قادت إلى النتيجة المنطقية، إلى تفاقم المشكلات والتناقضات وتنامي الصراعات الطبقية، السياسية والاجتماعية، وتحول بعضها إلى نزاعات سياسية بسبب عدم تأمين المعالجة الناجعة لها. وكل المؤشرات تؤكد بأن الدول الرأسمالية الأكثر تطوراً غير مستعدة للإقرار بأسباب كل ذلك، وبالتالي، فهي غير مستعدة لمعالجتها، لأن طبيعتها الاستغلالية الجشعة تمنعها عن ذلك.
ولا بد لنا هنا من الإشارة إلى المحاولات الجارية لتشويه مضمون تلك الصراعات، ودفع الناس للتفكير باتجاه خاطئ، أي باتجاه الحديث عن صراع الثقافات والأديان والمذاهب، بعيداً عن حقيقة الصراع الطبقي، أو الاجتماعي، الذي كان وسيبقى فاعلاً في كل العالم الرأسمالي ومحركاً للنضال. وكان صموئيل هنتنكتون1 ، الممثل الفعلي للجماعات الفكرية والسياسية الأكثر تشدداً، قد طرح منذ أوائل التسعينات من القرن العشرين موضوعة "صدام الحضارات"، أو "صدام الثقافات"، أي صدام الديانات الثمانية وأتباعها، وخاصة بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية، أو بين المسيحيين والمسلمين. وكان من عواقب ذلك تشجيع وتنشيط التمييز والصراع الديني والطائفي في منطقة الشرق الأوسط وفي مناطق أخرى من آسيا وأفريقيا، ومن بين ذلك إقامة النظام السياسي الطائفي بالعراق، وما نجم عنه من تمييز ضد أتباع الديانات الأخرى وصراع بين الأحزاب والجماعات السنية والشيعية، ثم انتقالها إلى القاعدة الشعبية لأتباع هذين المذهبين.
إن هذا الواقع الدولي والإقليمي والمحلي المتفاقم، كان وما يزال يفترض فيه أن يحرك قوى اليسار وأحزابها لتتبنى مطالب الشعب الأساسية وصياغة أهدافها بصورة ناضجة ودقيقة، بعيداً عن الأحلام غير الواقعية التي لن تكون سوى أوهاماً قاتلة، لرسم ستراتيج وتكتيك قوى حركة اليسار ونضالاتها، بالاستناد إلى المنهج العلم المادي الديالكتيكي والمادي التاريخي بواقعية وموضوعية لقيادة النضال من أجل مصالح الغالبية العظمى من شعوب العالم وكل شعب على انفراد من جهة، وبعيداً عن التحالف اليميني مع قوى لم تعد من هذا العصر، بل هي من ماضٍ سحيق، لم يعد لها أي مستقبل في القرن الحادي والعشرين من جهة ثانية. إن الحاجة ماسة إلى التضامن بين شعوب العالم وقواها المناضلة لمواجهة قوى الاستغلال والحرب والدمار على الصعيد العالمي.